«1945» خطيئة أوروبا والتكفير عن الذنب

من مشاهد الفيلم (الحياة)
القاهرة - شريف صالح |

على رغم أن الحرب العالمية الثانية تسببت في مقتل ما يزيد على خمسين مليون إنسان، لكن يظل ما حدث مع اليهود أو ما يُعرف بـ «الهولوكوست» الذي راح ضحيته حوالي ستة ملايين شخص، بمثابة خطيئة أوروبا، من أجلها تدبج الروايات، وتضاء الشاشات بعشرات الأفلام، تعبيراً عن إحساس عميق بالذنب، أو رغبة في التطهر والنسيان.


لا شك في أن النازية ارتكبت جرائم مروعة في حق الإنسانية، لكن هذا لا يعني أن جيوش الآخرين كانت ملائكة رحمة... صحيح ثمة أفلام وروايات تطرقت لما دار على جبهات فرنسا أو اليابان أو حتى العلمين في مصر. لكنها تبدو مثل قصص هامشية في فلك القصة المركزية في متحف الإبادة البشرية أو ما يسمى تلطفاً: الحرب العالمية الثانية.

أحدث تلك الأفلام التي تستعيد «الهولوكوست» الفيلم الهنغاري «1945» الذي نافس في قسم بانوراما الأفلام في الدورة الأخيرة لمهرجان برلين السينمائي.

لعل الملاحظة الأولى في هذا الفيلم تكمن في تجنبه عمداً ـ مشاهد الحرب ومآسيها، وطبيعتها التقنية من خدع وتصميم معارك.. فلا أهوال إبادة ولا طوابير منقادة إلى أفران الغاز، بل يوجد فقط اعتذار درامي لليهود وإن لم يظهر أحد منهم باستثناء شخصين: عجوز، وشاب. ظلا صامتين تقريباً على مدار الشريط.

طلب المغفرة

لنقل إن الشريط بمثابة طلب صفح من أرواح الضحايا الغائبين والمنسيين، إذ لم يتبق منهم سوى تذكارات، وقصص مخبوءة في الصدور. وهنا مكمن قوة الفيلم، أنه عن «الضحية» الغائبة وسطوتها على وعي وضمير «الجلاد». ولا بد من الإشارة بدءاً هنا الى ان موسيقى تيبور سيميزو لعبت دور البطولة في الفيلم، مستحقاً الفوز بجائزة أفضل موسيقى في أسبوع الفيلم الهنغاري.

وميزة الموسيقى أنها لم تكن مجرد معادل سمعي للمشاهد المرئية، بل خلقت ثيمة متكاملة تقدم تعبيراً عميقاً عن جوهر الدراما، منذ لحظة إعلان الأسماء، حيث النغمات التي أتت وترية تشبه التأبين والرثاء، مع غلظة التشيلو المنذرة بالخطر والترقب، وتقاطع النبرات الوترية ونقرات البيانو، بكل ما تحيل إليه من توجس، ثم ذلك الطنين الغامض، مع إيقاعات خفيفة، وأصوات آلية معدنية، تواكبها بصرياً حركة قوائم وأسلاك تحويل مسار القطارات. إلى أن تُسمع تكتكة صوت القطار المقبل من عمق المجال في اتجاه الشاشة، يعلوه عمود دخان أسود يصل ما بين الأرض والسماء. فمن القطار تبدأ الرحلة الدرامية، وبه أيضًا تنتهي.

وبانسجام تام مع تلك النقرات والنبرات النغمية، جاءت رؤية فيرنيك توروك الإخراجية بالغة الإحكام والدقة، حيث بدأت الكاميرا بلقطة مكبرة لرجل أصلع (بيتر رودولف) أثناء حلاقة ذقنه صباحاً، وفي الخلفية مذياع يروي آخر تفاصيل الحرب، مع تحديد الزمن بأنه صباح الجمعة الموافق 12 آب (أغسطس) عام 1945، عقب إلقاء القنبلة الذرية الثانية على ناغازاكي. وأثناء الحلاقة يلقي الرجل نظرة على امرأة نائمة، تبدو من ظهرها فقط. ثم يجرح نفسه بالخطأ. بعدها يتم القطع على سائق عربة يجرها حصان، يلف سيجارته منتظراً، ثم مدير محطة القطارات يراقب ما يدور وسط طنين الحشرات، ويتبادل من بعيد نظرات متوجسة مع جنود روس في سيارتهم العسكرية. كل المشاهد الافتتاحية كانت أقرب إلى نقرات بصرية سريعةـ موازية للنقرات الموسيقية ـ تعرض أشخاصاً، دون تعريف كافٍ بهم، كما توحي بأن خطرًا ما على وشك الوقوع.

رحلة العائدين

في تلك الأجواء ثمة رتابة وغضب مكتوم، مع وصول يهودي عجوز وشاب في سن حفيده، بصحبة صندوقين. ملابسهما السوداء، مع اللحية وغطاء الرأس، تضفي صبغة كهنوتية واضحة، إضافة إلى إحالة الصندوقين المستطيلين رمزياً إلى فكرة «التابوت» المقدس لدى اليهود، وهو ما يؤكده الحرص المبالغ فيه، إلى درجة أن يقرر العجوز والشاب السير خلف العربة، وعدم الركوب بجوارهما. كأنهما يقيمان مشهدًا جنائزياً، بإجلال تام، يظل ممتدًا من بداية الفيلم إلى نهايته. مع تعمد اختيار اللونين والأسود، ليس فقط لصدقية تصوير ذلك الماضي، وإنما كشارة حداد لا تتطلب بهرجة لونية.

عبر المواقف الشحيحة تتكشف الشخصيات شيئاً فشيئاً، فالبطل المحوري مسؤول القرية «استفان» الذي جسد دوره بيتر رودولف وقدم أداء لافتاً استحق عنه الترشح لجائزة أفضل ممثل في أسبوع الفيلم الهنغاري، كان يستعد لزفاف نجله، وتبدو علاقته سيئة بزوجته المحبطة تحت وطأة إحساس عالٍ بالذنب. وهو سرعان ما يتلقى اتصالاً من مسؤول المحطة عن وصول رجلين، فتبدأ القرية كلها في فتح عيونها وآذانها، لمعرفة سر هذين الغريبين؟! كأن ثمة ماضياً يتحمل «استيفان» المسؤولية عنه. ثم تفاجأوا بعودة أشباح الماضي للقصاص منهم. فما الذي حدث؟

حفل الزفاف

جاء بناء الحبكة على مسارين: الأول خاص بما وراء الغريبين ورد فعل سكان القرية... الترقب، عدم البوح بما هو مسكوت عنه، والخوف من كارثة محدقة. أما المسار الآخر فيركز على الاستعداد لزفاف نجل «استيفان»، حيث سيتزوج إحدى القرويات، المتورطة في علاقة مع شاب آخر. ويبدو «الابن» مثل الأم، كلاهما ناقم على ذلك «الماضي» الذي يحاول «استيفان» إخفاءه. لذلك يقترح على عروسه الفرار ومغادرة القرية. وهكذا لا تسير الاستعدادات للزفاف على ما يرام رغم جهود «استيفان» الحثيثة أن يتم كل شيء كما هو مخطط له، ويتضاعف الارتباك مع وصول الغريبين. ما يعني أننا أمام زمن فيلمي محكم يستغرق نهار أحد الأيام في قرية مجرية نائية.

مواجهة وانتقام

لا يكشف الغريبان الصامتان عن طبيعة الزيارة، ولا يحتكان بالقرويين الذين يراقبون متلصصين. وأخيرًا يصل «استيفان» إلى المقبرة، ويسأل العجوز عن سبب الزيارة، فيخبره أنه جاء لدفن الصندوقين، فيعيد السؤال: «الدفن فحسب؟» فيرد باقتضاب وهو يشيح بوجهه في الجهة الأخرى: «الدفن فحسب»! «من تدفنون؟» يسأل استيفان، ويرد العجوز: «من تبقى من أمواتنا!» وهنا يمد «الجلاد» يده مصافحًا ومتعهدًا بالحفاظ على ذكرى الضحايا، وبعد تردد يمد العجوز يده أيضًا، وهو يتأمله بنظرات ذات معنى قبل أن يغادر من حيث أتى. إنها جنازة رمزية لدفن «أشياء» تخص الضحايا، وفي الوقت نفسه «جنازة» بأثر رجعي للضحايا أنفسهم، الذين لم يحظوا بهذا التكريم.

بالنظر إلى بؤس هؤلاء القرويين، نفهم أنهم غالباً ليسوا «الجلادين» الأصلاء، وإنما كانوا وكلاء عنهم، مجرد حلقة هشة في سلسلة الإبادة، حيث يتسلط الأقوى على الأضعف، والذي بدوره ينفس عن قهره في من هو أشد ضعفًا.

إنهم ليسوا جنوداً مدججين بالأسلحة، لكنهم يقيناً وشوا بجيرانهم اليهود، واستولوا على مجوهراتهم وزوروا أوراقاً لتملك عقاراتهم. ومع عودة الغريبين، تسللت حالة الرعب من خسارة ما استولوا عليه، والمحاسبة على جرائمهم.

وهكذا يفضح الشريط كل ذلك المسكوت عنه، تلميحًا أكثر منه تصريحًا. لكن العدالة الفيلمية تقيم محكمتها الخاصة لهؤلاء القرويين، حيث يخسرون كل ما استولوا عليه زورًا وعدوانًا، فالعروس تحرق «دكان» استيفان الذي ينهار ويفقد سلطته على أهالي القرية، وابنه الوحيد يهرب، وأحد الفلاحين يشنق نفسه.

كأن الصفح والنسيان لا يمكن أن يتحققا إلا بعد التكفير عن الذنب ودفع فاتورة الدم. عندئذ يهطل المطر ليغسل عار الأرواح، ويُرقد شبح الماضي بسلام.