في سحر المونديال

شيرزاد اليزيدي |

حمّى المونديال تجتاح، كعادتها كل أربعة أعوام، العالم من أقصاه إلى أقصاه وتغدو الكرة المستديرة سيدة الموقف ومحط أنظار بلايين البشر حول المعمورة، في ظاهرة فريدة من نوعها لجهة تبديد أجواء التشنج والتنابذ في العلاقات الدولية، ولو لبضعة أسابيع، والأهم في علاقات الشعوب والمجتمعات ببعضها.


فعلى رغم أن كرة القدم لعبة تنطوي تعريفاً على التنافس والتباري على التصدر والتفوق، ما يستدعي بداهة التشاحن والتوتر. لكنها بطبيعتها التكوينية الرياضية التي تسمو بالنفس والروح والجسد تنعكس تنافساً إيجابياً وتقارعاً أدواته المران والمراس والمثابرة وصولاً الى حصد النجاح.

فالدول المتربعة على قمة هرم كرة القدم بوصفها أكثر الرياضات شعبية، ليست الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، ولا تلك المالكة للأزرار النووية. فمثلاً، منتخبا الولايات المتحدة وروسيا يكادان يكونان في ذيل قائمة المنتخبات العالمية، وهما أشبه بالفرق المغمورة خارج التغطية.

لهذه الكرة الصغيرة الحجم، لكن الهائلة السطوة والتأثير، سحر عصي على السبر المبرم، اذ هي مالئة الدنيا ومحتلة الشاشات وشاغلة الناس بمختلف شرائحهم وطبقاتهم وفئاتهم العمرية. هي بمثابة القاسم العالمي المشترك الأعظم وبمثابة البرهان القاطع على أن بإمكان العالم وشعوبه التعايش والتكامل والتفاعل متى ما كان الهدف نقياً وسامياً وجمالياً كما حال هدف حصد كأس العالم.

وهكذا تتحول الدولة المستضيفة للمونديال الى مركز الكون ومحور العالم ويتقاطر عليها الملايين، فضلاً عن شخوص عيون وقلوب وعقول البلايين نحوها ونحو ما تستضيفه ملاعبها الخضراء من مباريات ومنافسات. فالمونديال والحال هذه يغدو الحدث الأوحد لا منافس له، وجداول المباريات والمجموعات والتوقعات والتحليلات وأسماء كبار النجوم والمدربين تغدو على كل شفة ولسان، فالكل يغدو بشكل ما محللاً كروياً ورياضياً ومتابعاً شغوفاً ومهجوساً بمجريات المونديال ومآلاته التي تضبط ايقاع يوميات الناس وحتى الحكومات والدول، فتستنفر كل دولة تأهلت للمونديال ماكيناتها الإعلامية والمادية والسياسية... في سبيل دعم منتخبها الوطني، وذلك في غمار الاحتفالية العالمية الأبرز، اذ ليس ثمة ما يضاهي كرنفال المونديال ويبزه في كونيته وعبوره للقارات والحدود وهيمنته المطلقة على الفضاء الإنساني العام.

وهذا ما يجري على مدى شهر كامل هو بمثابة فسحة روحية ورياضية تسمو بسكان الكوكب الى مصاف هذه اللعبة السهلة الممتنعة التي تسحر العالم بأسره، على رغم ما يتخللها من مثالب ومن اعتبارات ومصالح ليست بالضرورة كلها منزهة. فكرة القدم بما هي صناعة عملاقة ليست بمنأى من التوظيفات التي تتحكم بها مراكز القوى والاحتكارات السياسية والاقتصادية حول العالم، لكن الثابت أن سحرها لا يقاوم، وما تبقى هوامش على متن هذه الحقيقة.

* كاتب كردي سوري

الأكثر قراءة في الرأي