تأملات في المونديال وسقوط صورة ألمانيا

حسن شامي |

العرض الرياضي الكروي الذي يتواصل شهراً بكامله كل أربع سنوات بات يشكل حدثاً عالمياً من نوع خاص. فهو يضع قيد التنافس أو التفاضل منتخبات اثنين وثلاثين بلداً تأهلت لخوض مباريات كأس العالم، وفق برنامج تصفيات رياضية تجري على مستوى كل قارة من القارات الخمس، للحصول على صفة تمثيلها. وهو أكبر حدث اقتصادي ودعائي وسياحي على المستوى العالمي بسبب اجتذابه أعداداً كبيرة من عشاق كرة القدم ومناصري منتخبات بلدانهم. التزاحم بين الدول على استضافة المونديال الكروي يكاد يضاهي التدافع السياسي والاستراتيجي بين الدول والأمم. التعبير عن هذا التزاحم يوظف لغة مختلفة عن لغة السياسة. وهذا أحد أبرز وجوه الحداثة. نعني بذلك تشكل مدار مستقل لقطاع معين من النشاط الإنساني، وابتكار معايير وآليات عمل مناسبة لهذا النشاط.


قد يكون صحيحاً أن هذا الاستعراض الدوري للمهارة البدنية مستوحى من تقاليد المدن الإغريقية ومن تقاليد الفروسية الرومانية، الأرستقراطية والإمبراطورية في آن. غير أن تنظيم التنافس الرياضي واستعراض المهارات الفنية والجسمانية في الإطار الذي استولدته وقولبته الحداثة راح يتحول إلى مسرح تعليمي يهدف إلى ترسيخ قيم وتمثيلات لكيفية التعبير عن لغة الجسم ومقتضيات المزاوجة بين الطموح إلى إثبات التفوق والبراعة وبين إثبات القدرة على التحكم بنوازع النفس وتشهّي الغلبة، عبر انضباط التعبير التنافسي واحتكامه إلى قواعد ومعايير مشتركة ومحايدة.

المونديال هو أيضاً مناسبة لاختبار القدرة على تنظيم استعراض من هذا النوع الذي يخاطب العالم كله. وفي هذا المعنى يضع المونديال البلد المستضيف في قلب العالم جاذباً إليه، خصوصاً مع انتشار التصوير والنقل التلفزيوني، أنظار مئات الملايين من البشر. إنه أكبر حدث إعلاني ودعائي وأكبر تغطية مشهدية يتحصل عليها دورياً البلد الذي ينجح، لاعتبارات ليست كلها محايدة ونبيلة، في استضافة المهرجان الكروي العالمي. وههنا يتحول المونديال إلى حفلة عروض تتداخل فيها قيم متضاربة ومتباينة تقيم كلها داخل حقل الحداثة، بل حتى تتنازع على ترجيح تصورات معينة عن الفوز والتفوق والأرجحية. لنقل إن المونديال مسرحية تتوالى فيها، في إطار صراع رمزي على المكانة وعلو الشأن، مشاهد وتعبيرات تتجاور فيها عواطف الحشود الهائجة والمهددة بالانفلات مع سلوكات التحكم بالعواطف وتهذيب الجموحات بأناقة أرستقراطية. وهو أيضاً مسرح لتعبيرات تختلط فيها، أو تتجاور أيضاً، المشاعر القومية الأكثر بدائية وسوقية وبذاءة مع رهافة الاحترام النبيل لما هو جيد وبارع وجميل.

غداة الانتصار الساحر أو «السحري» الذي حققه المنتخب الألماني في الثواني الأخيرة ضد المنتخب السويدي عنونت كبرى الصحف الألمانية غلافها المصور بالعبارة التالية: شيء لا يوصف. بعد أربعة أيام فقط على ما حسبه كثيرون خروج المارد من القمقم عنونت الصحيفة نفسها غلافها المصور، إثر هزيمة ألمانيا المذلّة على يد كوريا الجنوبية، بالأحرى قدمها أو رِجلها، بالعبارة نفسها: شيء لا يوصف. لدينا إذاً عبارة واحدة لـ [عدم] توصيف وضعيتين متقابلتين: الفوز متبوعاً في راجح الظن والأمل بالتأهل للدورة الثانية من المونديال، والخسارة المتبوعة بالخروج المؤكد من اللعبة مع مهانة أن يكون حامل لقب البطولة في المرتبة الأخيرة ضمن مجموعته.

أن تكون العبارة الواحدة حمالة أوجه مختلفة بل حتى متعارضة، فهذا مؤشر إلى التباسات لا تقتصر على الظاهرة الرياضية الكروية، إذ تطاول ظواهر أخرى تتعلق بالنجومية وصورة المكانة والعلاقة الغامضة بين الحدود الوطنية ورهانات عولمة اقتصادية وتقنية عابرة للحدود.

منذ أكثر من عقدين من السنين انتشر في أوساط محبي رياضة كرة القدم ومتابعي مباريات كأس العالم تعريف فكاهي وطريف لهذه اللعبة. يقول التعريف إنها مباراة بين فريقين يتألف كل منهما من عشرة لاعبين وحارس مرمى وتدوم المباراة مبدئياً مدة ساعة ونصف موزعة بالتساوي على شوطين، وفي النهاية تفوز ألمانيا. هناك بالطبع من تحمله الشماتة والنكايات والحماسة لمنتخب منافس تقليدياً للمنتخب الألماني على اعتبار التعريف السابق خرافة دعائية. سنضع جانباً هذه الفئة من العيّارين المنتشرين داخل خطوط اصطفافات فولكلورية مسلية، وإن كانت بعض تعبيراتها تنم صراحة عن التعصب والعنصرية ولا تخلو أحياناً من عنف قبلي واعتداد بالقوة. لا يمنع هذا من أن يكون خروج ألمانيا بهذه الطريقة المفجعة فاجأ كثيرين من متابعي كأس العالم، إلى حد اعتبار ذلك بمثابة زلزال طاول ما هو أكثر بكثير من هزيمة فريق رياضي: صورة ألمانيا نفسها.

صورة ألمانيا التي نتحدث عنها تجتذب شتى أنواع التوظيفات العاطفية والرمزية. وإذا كان لنا أن نلخص بكلمةٍ السمة الأساسية لهذه الصورة فهي المتانة. والمتانة هي أيضاً أول صفة تتبادر إلى ذهن الناس عندما يقررون إعطاء حكم قيمة على المصنوعات الألمانية. ومع أن قسماً كبيراً من مشجعي ومؤيدي المنتخب الألماني، خصوصاً في العالم الثالث والنامي، يتوسمون في انتصارات الفريق الألماني منذ عقود تأكيداً وإثباتاً لإعجابهم بمكانة ألمانيا اقتصادياً وصناعياً، فإنه من الخطأ افتراض التطابق بين المستوى الكروي الرياضي في بلد ما وبين مستواه الاقتصادي. والحال أن هذا الخطأ شائع جداً. ويعود شيوعه إلى نوع من الكسل العقلي الذي يستسهل الأحكام العامة والمعممة فيفترض صدور الظواهر المختلفة عن هوية كلية راسخة وجاهزة. هناك الكثير من الشواهد التي تدحض هذا الاعتقاد. إذ يمكن لبلد قوي اقتصادياً أن يكون ضعيفاً في كرة القدم كما هي حال الولايات المتحدة والصين والهند. والعكس صحيح.

سيكون من الأفضل قراءة التراسل بين المستوى الرياضي والمستويات الأخرى من خلال مقاربة كيفية اندراج تقاليد الثقافة الفوتبولية في بلد معين في الاقتصاد السياسي للرياضة الكروية وتسويقها. وههنا نقع على أشكال التقاء مختلفة بين المفاعيل الاجتماعية للثقافة الرياضية وبين شروط انخراطها في مشهدية عامة تخترقها اليوم ضغوطات العولمة وسحر النجومية والنزعة النخبوية التي باتت تستثير وتستنهض تعبيرات شعبوية لا تقتصر على مشكلات مثل الهجرة وإحياء الهوية القومية أو الوطنية.

في هذا المونديال منتخبات تضم نجوماً لكنها أشبه بتجمع لمحترفين يسايرون جمهورهم، أي لا يشكلون فريقاً حقيقياً. شاهدنا مباريات نجوم تصلح للتمرن على التثاؤب. نتحسر على زمن بيليه.