خرج العرب من المونديال؟ لا باب لعودتهم سوى العلوم

أحمد مغربي |

خرج العرب من كأس العالم في كرة القدم 2018، بنتائج ثقيلة على قلوبهم، بل أبكت عيون معظم جمهور الكرة في دولهم. فليهجروا فوراً لغة البكاء والعويل، فذلك لا يجدي. ليفكروا أن دولة عربيّة وازنة كمصر دخلت وهي أسيرة تفكير غير واقعي متمحور حول لاعب اسمه محمد صلاح. هل كرة القدم هي مبارزة بين شخصين في حارة، ينتصر فيها «الفتوة» على الأشقياء؟ لا جدوى من الاستمرار في انتظار البطل القائد الملهم الأسطورة الـ... الـ... الـ...!

لنعترف بالأمور بواقعية. لنجر جردة واقعية بمجمل مشاركات العرب في المونديالات، بل في المنافسات الرياضية الدولية بأنواعها كلها، من الدورات الأولمبيّة إلى منافسات كأس كرة القدم، مروراً بالسباحة والركض والكرة الطائرة والقفز العالي وكرة اليد و... و... و... ألا يظهر بوضوح أنهم بعيدون كثيراً عن مستوياتها ومعطياتها ومساراتها؟ إذا بقيت عقلية التفكير «الفهلوي» والحلول السحريّة، وانتظار البطل المنقذ، فلا شيء يرجى، ومن التخبط إلى التخبط سائرون. لا حل إلا بتخطيط بعيد المدى، يستند إلى العلوم والتكنولوجيا. في البلدان المتقدمة، صارت الرياضة علماً، بل علوماً متفرعة ومتشابكة واختصاصات متنوعة ومتناسقة، منذ عقود طويلة.

اختصاراً، إما أن يعتمد العرب على العلم مدخلاً فعلياً للارتقاء إلى مستوى الرياضة الحديثة، وإلا سيكون حرث في البحر ونقاشات سفسطائية لا تسمن ولا تغني من جوع و... هزائم!

وفي أزمنة غابرة وشبه أسطوريّة، اعتقد اليونان بأن أبطال الأولمب يأتون برضى الآلهة. ونُقل عن خيالاتهم أن هرقل، وهو بطل خارق تدخّلت الآلهة القديمة في تكوينه فلم يكن سوى نصف بشر، رمى القرص فوق مضيق بحري ضخم. وهناك أيضاً من يرى أنّ البطل يولد بطلاً، ما يعني أن مواصفات موروثة هي التي تصوغ جسده وترسم إنجازاته.


وبرزت صورة متطرفة عن ذلك الاعتقاد في أولمبياد برلين 1936.

إذ اعتقد هتلر أن الجنس الآري يملك مواصفات بيولوجيّة تضعه في مرتبة أعلى من بقية البشر. وأراد من تلك الدورة أن تكون برهاناً على ذلك الاعتقاد، الذي تبّنته النازيّة بقوة. واضطر الديكتاتور أن يتجرّع كأس المرارة ، عندما أجبر على أن يضع بنفسه ميداليّة ذهبيّة على صدر أبطال جاؤوا ممن اعتبرهم هتلر بشراً أقل. لعل النموذج الأقوى عن ذلك آنذاك فوز الأميركي- الأفريقي جيسي أوينز بأربع ميداليات في تلك الدورة (عن مسابقات مئة متر ومئتي متر عدواً، والوثب الطويل، وسباق التتابع 100 متر)، فيما النازيّة روّجت أن السود هم عرق شديد التدني. ما لا يقال دوماً عن النازيّة هو أن مزاعمها عن العرق الآري استند إلى عمل علمائها في البيولوجيا والتطوّر، الذين كانوا من النخبة المتألّقة في هذه العلوم. ولعلها من المحطّات البارزة في التقاطع بين العلوم والإنجازات الأولمبيّة.

صناعة الأجساد المتفوقة

في 2012، في أحد ملاعب الرياضة في «جامعة لويزيانا» في مدينة «باتون روج» بولاية لويزيانا، اجتمع 22 عالماً بصورة شبه يومية، قبيل بدء منافسات «أولمبياد لندن». وفي أحد ممرات الجري، ارتصفت 40 كاميرا رقمية متطوّرة من نوع «فانتوم فليكس» Phantom Flex، تديرها مجموعة من المختصّين في الكومبيوتر. وتلتقط تلك الكاميرات حركة الجسم البشري بمعدل 1500 صورة في الثانية. انصبّ عمل ذلك الفريق العلمي المتنوّع على هدف وحيد: تحضير اللاعبة الأولمبيّة الأميركية لولو جونز للمشاركة في «أولمبياد لندن». وفي «أولمبياد بكين- 2008» خسرت جونز مسابقة مئة متر حواجز، لأنها اصطدمت بالحاجز الأخير، فحلّت سابعة. وبقول آخر، خسرت جونز ذهبيّة محتملة خلا جزء من المئة من الثانية. وعند جريها، التقطت الكاميرات تفاصيل ارتفاع أرجلها فوق الحاجز ثم هبوطها إلى الأرض. وجرى تحليل كل خطوات اللاعبة، عبر برنامج كومبيوتر اسمه «آوبتو جومب» OptoJump.

لم تعد يد الطبيعة وحدها تعمل في صنع الجسد الرياضي، بل صار العلم جزءاً أساسياً في مسار إعداد أبطال الرياضة. ليس أمراً جديداً، لكنه وصل إلى ذلك الحدّ من التقدّم والتعقيد، الذي ظهر في نموذج إعداد جونز للمشاركة في «أولمبياد لندن». استطراداً، يصعب التغاضي عن أن ذلك الإعداد العلمي المتقدّم جرى بتمويل من إحدى شركات صنع المشروبات المعدّة لهواة الرياضة. ويشير ذلك الأمر إلى منحىً آخر في الصناعة المعاصرة للجسد الرياضي: يد الشركات العملاقة. ويعرف متابعو الشأن الرياضي أنّ شركات عملاقة في أدوات الرياضة وملابسها، على غرار «نايكه» و «آديداس»، تراهن بقوة على أبطال الرياضة في المونديال والأولمبياد والسباحة وسواها.

إذ صعد دور الشركات في صناعة أبطال الرياضة تدريجياً في العقود الأخيرة، بعد أن ظلّ طويلاً في يد الدول، التي كانت تستخدم علومها وأموالها لصنع أبطال الرياضة، كي تصنع لنفسها صورة متقدمة عندما تكسب الرهان، فيسير بطل حامل راية بلاده ملوحاً بها إلى الجمهور في المدرجات، والجماهير التي تتابع الحدث الرياضي في الإعلام العام، خصوصاً شاشات التلفزة.

واستطراداً، من المستطاع تتبع أمر مُشابه في مسألة المُنشّطات. في أوقات سابقة، صنعت مختبرات الدول، خصوصاً الكبرى منها لأنها تحوز علوماً متطوّرة، عقاقير ووسائل لتدعيم أجساد من يمثلونها في صراعات الأمم على ملاعب الرياضة. وتتضمن قائمة المنشّطات أسماء مركّبات تعاقبت تاريخياً على صنع صورة التدخّل العلمي الفظّ في الأداء الرياضي، على غرار «ستريكنين» و «كوكايين» و «ستيرويد» وعمليات حقن الرياضيين بدم محمّل بالأوكسجين وهرمونات النمو والجنس والبروتينات المُركّبة اصطناعياً وغيرها. ومنذ بداية الألفيّة الثالثة، امتدت صناعة المنشطات فصارت تجمع الدول والشركات سويّة. وتحتاج مسألة المُنشطّات باعتبارها من أوجه التدخل السلبي للعلم في جسد الرياضة، إلى نقاش طويل.

«فتافيت» الزمن تصنع الفارق

لم يعد التدريب التقليدي كافياً بالنسبة للنخب الرياضيّة. وحاضراً، يُصنع الفارق بين الرياضي التقليدي والبطل المتفوق، عبر التنّبه إلى تفاصيل صغيرة في الأداء. وإضافة إلى المُدرّبين التقليدييّن، يعتمد رياضيو الأزمنة الراهنة على مختصّين في التغذية والكيمياء البيولوجيّة Biochemistry، ووظائف الأعضاء (=فيزيولوجيا) وعلم النفس، إضافة إلى مختصيين في انتقال الجسد من حال النشاط في المسابقات إلى الحال العادية، ومحللي البيانات الرقمية وغيرهم.

هناك أمثلة واضحة. إذ يعمد بعض الرياضيين إلى تجرّع كميات من عصير الشمندر قبل التدريب، لأن مختصّي التغذية يرون انه يحتوي كميات من النتيروجين، ما يعزز مستوى مادة أوكسيد النتيروجين في الدماغ، وهي من محفّزات الأداء العصبي- النفسي، وكذلك ترفع مواد النتيروجين كفاءة العضلات في إحراق السكر بنسبة 2 بالمئة. وعند الانتهاء من جلسات التدريب، لم يعد الرياضيون يعتمدون على المراهم الطبيّة لعلاج أوجاع العضلات وتيبّسها، بل يلجأون إلى طرق العلاج المائي التي تفوق المراهم كفاءة بقرابة 16 في المئة. وبدلاً من التدرّب ساعة تلو الساعة، يستشير الرياضيون مختصّي الفيزيولوجيا حول المواعيد الأنسب للانخراط في التدريب، ما يؤدي إلى الاستعاضة عن التدريب المُطوّل، بآخر أشد تكثيفاً وأقل وقتاً.

وينظر العلماء إلى الإنسان الحديث بوصفه نتاجاً لمسارات من التطوّر دامت ملايين السنوات. وفي العقود الماضية، مال المُدرّبون إلى الاعتماد على الانضباط والبداهة لرفع الإنجازات الرياضية باستمرار. وراهناً، يسود اعتقاد لدى كثير من العلماء بأنّ مهمة العلم صارت قريبة من الوصول بالجسد الرياضي إلى حدّه الأقصى. ثمة مثال مهم عن المقصود بالحدّ الأقصى. في دورة أثينا 1896، وهي أولى الأولمبيادات الحديثة التي نهض بها الفرنسي الكونت دو كوبرتان، قطع اليوناني سبيريدون لويس سباق الماراثون بساعتين و58 دقيقة و50 ثانية. وفي أولمبياد بكين 2008، فاز الكيني صامويل وانجيرو بسباق الماراثون مسجّلاً ساعتين و6 دقائق و32 ثانية. وخلال ما يزيد على قرن، زادت مسافة الماراثون بما يزيد على كيلومترين، وتقلّص الزمن اللازم لقطعها بقرابة ثلاثين بالمئة. إلا يشير ذلك إلى وجود سقف ما يشكّل الحد الأقصى لأداء الجسد البشري؟ سؤال الأرجح أنه يقتضي نقاشات من نوع آخر.