السينما والسياسة زواج بالإكراه: سجالات صاخبة من خلال أفلام وهوية أصحابها

من فيلم جود سعيد (الحياة)
باريس - ندى الأزهري |

تعلن مساء غد السبت جوائز مهرجان الفيلم العربي الذي ينظمه معهد العالم العربي في باريس، والذي عاد بحلة جديدة بعد اثني عشر عاماً من الغياب. أما السؤال الشائك المطروح منذ الآن فهو: المعهد هو واجهة ثقافية للعالم العربي في فرنسا، هل يمكن فصله عن الخلافات السياسية التي تحكم تلك المنطقة المشتعلة من العالم؟

من خلال برمجته لأفلام حديثة روائية ووثائقية طويلة وقصيرة آتية من المغرب والجزائر وتونس ومصر والسودان وفلسطين ولبنان وسورية والعراق والإمارات والسعودية، يوفر المعهد للفرنسيين والعرب القاطنين في باريس فرصة نادرة للاطلاع على ما يجري في الفن السابع العربي، تطوره التقني وانشغالاته وما يعكسه من أوضاع مجتمعاته. لكن ثمة نقاشات دائرة حول بعض البرمجة تدفع باتجاه تساؤلات مثير للجدل بسبب حساسية الأوضاع وخطورتها الحالية في العالم العربي. من نوع هل على المشاهد أن يهتم بالخلفية السياسية لصانع العمل، أو بانتمائه إلى بلد عربي بالذات؟ هل تسعى الأنظمة لفرض رؤيتها (لا سيما في بلد غربي) من خلال سينماها؟

أيضا هل حين نتحدث عن سينما أي بلد نكون مجبرين على الأخذ بالإعتبار نظامها السياسي وخلفية صانعها السياسية قبل التمتع بأي فيلم منها؟ بمعنى إن تحدثنا مثلاً عن السينما الإيرانية وامتدحنا بعض أفلامها ومشاركاتها في المهرجانات، أيعني هذا امتداحاً للنظام السياسي في إيران؟

سينما سعودية

الإضاءة على السينما السعودية مثلاً في مهرجان المعهد، أثارت استغراب بعض مثقفين ونقاد عرب، إذ هل توجد سينما سعودية؟ وهل في السعودية دور عرض أصلاً؟

بالطبع ثمة تجارب سينمائية عربية أهم من التجربة السعودية، لكن أهمية الإضاءة تأتي من «جدة» هذه السينما أو بالأحرى من ولادتها. فمن بعد الجهود التأسيسية التي قام بها الرائد عبدالله المحيسن واقتصرت في معظم الأحيان على شرائط حققها خارج وطنه السعودي، لم يظهر لليوم أكثر من فيلمين سعوديين طويلين أثارا انتباه العالم ولفا المهرجانات «وجدة» لهيفاء المنصور، و «بركة يقابل بركة» لمحمود صباغ. لذلك فمن المثير للفضول اليوم التعرف على التجارب الجديدة في الفيلم القصير ومن ثمّ الحكم على مدى أهليتها. أليس دور المهرجانات الإكتشاف وإلقاء الضوء على كل جديد، والاهتمام بالتبادل بين السينمائيين وتنظيم ورشات عمل بهدف تطوير الأداء السينمائي لشباب تواقين للتعلم والتواصل مع سينما العالم؟

حين طرحت «الحياة» هذه الملاحظات على مسؤولين من الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون التي رعت التجارب السينمائية، ردوا بأن «بعض الشباب في السعودية يصنعون الأفلام القصيرة من عدة سنوات، على الرغم من الأجواء التي كانت تحيط بهم»، منهم من أنتجها بمفرده ومنهم من استفاد من مساعدة الجمعية وهي مؤسسة مجتمع مدني «تسعى لخلق بيئة سينمائية في السعودية وسينما سعودية أيضاً عبر الاتفاقيات التي تعقدها حالياً مع مراكز ثقافية غربية مثل المجلس البريطاني». وقد استطاع بعض الشباب السعودي بموارد مادية بسيطة ومحدودة تحقيق أفلام. لكنهم «لا يزعمون شيئاً عنها فعمر التجربة قصير إنما هي «تجارب تستحق أن تروى لأنها نشات في وقت كانت فيه السينما محاربة جداً» كما صرح مسؤول في الجمعية «للحياة».


بعض ما رأيناه من الأفلام السعودية المختارة وعددها اثنا عشر فيلماً، مفاجئ ومبشر («ثوب العرس» لمحمد سلمان و « 300 كم» لمحمد الهليل). صوّر معظمها في أماكن مغلقة وبعضها في الأماكن العامة في شوارع الرياض مثلاً. هي أفلام تطرح الظروف المعيشية القاسية مادياً («بسطة» لهند الفهد) ومعنوياً من حيث وطأة التقاليد على المرأة والرجل («أيقظني» لريم البيات)، تحكي الأحلام وتساقطها غالباً أو تحقيقها أحياناً («كيكة زينة» لندى المغيدي). أفلام تتحلى بحس الطرافة («وسطي» لعلي الكلثمي و «عاطور» لحسين المطلق)، وبطروحات فلسفية حول وسائل التواصل الاجتماعي («لا أستطيع تقبيل وجهي» لعلي السمين)... ثمة أفلام قصيرة أخرى عرضت، «الظلام هو لون ايضاً» لمجتبى سعيد، و «فضيلة أن تكون لا أحد» لبدر الحمود، و فيلم وثائقي «القط» لفيصل العتيبي عن الرسومات التراثية الجميلة في بيوت منطقة عسير، وآخر تجريبي «غمضة عين» لفاطمة النبوي. بعد الاطلاع على هذه التجارب ومواجهة المخرجين الشباب للجمهور الغربي للمرة الأولى ربما في حياتهم، وتغير ظروف السينما في السعودية، ننتظر بفضول أيضاً وبأمل ما ستنتجه السنوات المقبلة.

سورية بين النظام والمعارضة

ثمة أيضاً ما أثار جدلاً من حول المهرجان نفسه في وسائل التواصل الاجتماعي، وهو سحب فيلم سوري كان عرضه مقرراً مساء يوم الإثنين في 2 تموز/ يونيو وفق الملف الصحفي الذي وردنا قبل بدء المهرجان. «رجل وثلاثة أيام» لجود سعيد كان من المفترض أن يشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان السينما العربية. لكنه اختفى بعد بداية العروض من كتيب المهرجان.

توجهنا بالسؤال إلى المسؤولة الصحفية وكان الجواب «سُحب الفيلم من البرنامج قبل بدء المهرجان، ولم تصدر إدارة المعهد تعليقاً خاصاً حول ذلك»! وحين أثرنا ما كتب وقيل على صفحات جرائد وفيسبوك في أن ضغوط من المعارضة السورية كانت السبب في إلغاء عرض الفيلم لاتهام المخرج بموالاة النظام السوري والعمل لترويج أفكاره ومواقفه، وطلبنا تأكيداً أو نفياً للأمر، جاءنا الرد في تصريح خاص بالحياة من قبل المسؤولة الثقافية في المعهد وهو الآتي: «تبين لإدارة معهد العالم العربي أن هذا الفيلم قد استفاد من تمويل مؤسسة السينما السورية.

إن معهد العالم العربي ومنذ البداية اتخذ موقفاً واضحاً للغاية تمثّل في معارضة تامة لسياسة النظام السوري منذ 2011، واستبعدت سورية من مجلس الدول المشاركة في المعهد. ولذلك لم يكن من الممكن برمجة فيلم تدعمه هيئة معتمدة من قبل هذا النظام». تثير هذه القضية أسئلة من نوع، هل نحكم على العمل الفني من خلال موقف صاحبه السياسي؟ وهل يجب منع مسيرة فيلم بسبب هذا الموقف؟ هل يعتبر الفيلم جزءاً من حرب إعلامية لنظام البلد كونه منتج من إحدى مؤسساته؟

القضية شديدة الحساسية هنا. من جهة يرغب محبو الفن السابع والعاملين في مجاله بمشاهدة كل الأفلام مهما كانت هوية وانشغالات أصحابها الفنية والفكرية. وبهذا فإن الغاء عرض أي فيلم، وقد تكون له قيمته، هو من دواعي الأسف. لكن من جهة أخرى، في الظروف الحالية وكون الحرب السورية مستعرة ومستمرة وجد مؤلمة لمعاصريها، يمكن تفهم الحذر وأيضا الممانعة في عرض فيلم يُتهم صاحبه، عن خطأ أو صواب، بأنه يعمل لمصلحة النظام. وبغض النظر عن محتوى الفيلم الذي قد لا يكون دعائياً، فالمنع آت من كونه منتج من قبل النظام ومن مؤسسة تابعة له، وهو من هذه الجهة مفيد له ودعائي.

إذ يعني أن هناك إنتاجاً سينمائياً على الرغم من الظروف، وأن النظام يدعم الخلق الفني وأن هناك فنانين يتعاملون معه. وبتوزيع الفيلم في الخارج فإنه سيسمح للنظام بنشر وجهة نظره كما فكرة دعمه المفترض للإبداع في سورية.