ماكرون يخطب في فرساي بحثاً عن نفَسٍ مغاير لرئاسته

باريس – أرليت خوري |

وسط أجواء سياسية واجتماعية ملبّدة، ألقى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خطاباً فضفاضاً، خلال اجتماع لمجلسي النواب والشيوخ في قصر فرساي التاريخي، محاولاً تبديد عدم الثقة في نهجه الذي امتد إلى صفوف غالبيته البرلمانية، وإعطاء نفسٍ جديد لولايته الرئاسية المتعثرة.


وعلى مدى أكثر من ٩٠ دقيقة، ألقى ماكرون خطاباً سياسياً عاماً اتسمت لهجته بتواضع متعمد، لم يكشف خلاله جديداً، إنما كرّسه للشرح والتصويب، أملاً بإقناع الفرنسيين بمنحه ثقتهم مجدداً.

وعبّر ماكرون عن تفهمه الانتقادات الشخصية والسياسية التي توجه إليه، وحاول الرد عليها ببساطة بقوله إنه لم ينس الخيار الذي أقدمت عليه فرنسا بانتخابه رئيساً لها، كما لم ينس المخاوف والغضب اللذين تراكما على مدى الأعوام الماضية، ولا يمكن أن تزول في غضون يوم واحد، ولا في غضون سنة.

كما اعلن ماكرون انه «لا يوجد اي سبب إطلاقاً لكي تكون العلاقة بين الجمهورية والاسلام صعبة»، مؤكداً انه «اعتباراً من الخريف، سيتم وضع اطار وقواعد» لتسيير شؤون المسلمين في فرنسا. وحرص على الايضاح ان ثمة «قراءة متشددة وعدائية للاسلام ترمي الى التشكيك بقوانيننا كدولة حرة ومجتمع حر لا تخضع مبادئهما لتعليمات ذات طابع ديني».

وتغيّب عن الجلسة نواب وأعضاء مجلس الشيوخ المنتمين إلى «فرنسا غير المنصاعة» (أقصى اليسار) والحزب الشيوعي وبعض المنتمين إلى حزب «الجمهوريين» اليميني، تعبيراً عن معارضتهم نهج ماكرون وأسلوبه.

وتوقف ماكرون عند انتقادات هؤلاء النواب له ووصفِه بأنه متعجرف مشغول بشخصه وعازم على إضفاء صبغة ملكية على أدائه، مستغرباً الاعتراضات على عودته إلى فرساي لمخاطبة أعضاء الجهاز التشريعي، وعبرهم الفرنسيين، خصوصاً أنه وعد بأن تكون عودته هذه سنوية، ليتسنى للجميع الاطلاع على ما أنجزه، ومحاسبته إذا اقتضى الأمر.

وأقر ماكرون بأنه لم يوفق دائماً بكل ما قام به، لكنه أكد رفضه الاستسلام، واستمراره في محاولة دفع الأوضاع وتحسينها. ولفت إلى الثمار الأولى لسياساته، معرباً عن إدراكه للتفاوت بين ما تحقق وما هو مرتقب ويتطلب المزيد من الوقت.

وسبق الخطاب سيل من الانتقادات السياسية والإعلامية التي استهدفت عدم تجانس الإصلاحات التي يعتمدها، وسرعة وتيرتها التي تجعلها غير واضحة أو مفهومة لدى المواطنين، إلى جانب كون مجمل هذه الإصلاحات صبت لمصلحة الميسورين، في حين أن القدرة الشرائية لم تتحسن، والمداخيل تراجعت.

في هذا الإطار، أعاد ماكرون عرض ما أُنجز على مدى العام الماضي، وأتاح إطلاق الاستثمار والعمل على خفض العجر في الموازنة، ورفع العوائق التي شلّت سوق العمل في السابق. وتابع أن الأساس بالنسبة إليه هو تعزيز الأوضاع الاقتصادية، لافتاً إلى أن إجراءاته لم تهدف إلى تحسين أحوال الأثرياء وإنما إطلاق ديناميكية إنتاجية جديدة.

وفي ردٍ على الذين يأخذون على سياسته افتقارها إلى العدالة الاجتماعية، وتُقدر نسبتهم بثلاثة من كل أربعة فرنسيين، قال ماكرون إنه لاقتسام الكعكة ينبغي أن تكون هناك كعكة، وللدفاع عن حقوق العاملين ينبغي أن تكون هناك مؤسسات إنتاجية، وهو من هذا المنطلق عمِل على تخفيف الأعباء على الاستثمار لجذب المستثمرين إلى فرنسا مجدداً وإنعاش سوق العمل. وتعهد معالجة عدم المساواة من الجذور لتحرير الطاقات المختلفة بعيداً من أي تمييز عبر التحصيل العلمي والعمل بما يعيد فرنسا إلى مجتمع الأنوار.

وشجب ما وصفه بإشاعات غير صحية يجري تناقلها عن إجراءات مرتقبة تُنسب إليه، مؤكداً أن هدفه الرئيس هو وضع فرنسا على درب النمو المستديم من دون ترك أحد على حافة الطريق.

وخيّب ماكرون أمل الذين توقعوا أن ينطوي خطابه كلاماً على خطوات موجهة إلى الأوساط غير الميسورة، وأصر على شمولية نهجه كونه لا يطمح إلى مجرد إصلاح أو تغيير، إنما إلى تحوّل شامل وإعادة تأسيس كاملة على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، من خلال إصلاح المؤسسات الذي يفترض أن يناقش ابتداء من اليوم.

وأثبت ماكرون مجدداً، من خلال شرحه المسهب، براعته الكلامية ووضوح أفكاره وتصوره، لكن السؤال هو إن كان نجح في الإقناع، وفي تحسين صورته، خصوصاً بعدما ذكر أن كلفة تنظيم اجتماع الجهاز التشريعي في فرساي تبلغ حوالى ٣٠٠ ألف يورو.