النفط فرصة الإدارة الذاتية الكردية في سورية ... لكنه محرك طموحات خصومها

عماد حسو |
حقل نفطي في دير الزور (الحياة)

ورثت الإدارة الذاتية في شمال سورية مناطق غنية بمواردها الطبيعية المتعددة، ولكنها أيضاً ورثت معها اقتصاداً من النوع المُستَعمر الذي رزح تحت حقبة طويلة من الاستغلال والإهمال. موارد طبيعية ولكن من دون بنية تحتية. وعملت الحكومات المتعاقبة في دمشق كل شيء للاستفادة من موارد الشمال من دون تنمية المنطقة اقتصادياً وصناعياً، وحرمتها من وسائل الاستغلال المستقلة. فهناك قمح ولكن لا مطاحن، وهناك نفط لكن لا مصافٍ، ومع ذلك تمكن الأكراد من إحياء نظام اقتصادي اجتماعي لامركزي من خلال إعادة تنشيط الإنتاج بين اقتصاد السوق والاقتصاد الاجتماعي.


220.000 ألف موظف

تؤكد رمزية محمد وخالد محمود رئيسا «اللجنة المالية في مقاطعة الجزيرة»، أن الإدارة الذاتية باتت لها خبرة تتجاوز الأربع سنين في «روج آفا» وتمتد إلى جميع أنحاء شمال سورية، وهي استطاعت ان تتجاوز عقبات كثيرة في إدارة الجمارك والضرائب وتبادل العملات. يذكر ان اللجنة المالية تدفع رواتب أكثر من 220.000 ألف موظف بين مدني وعسكري (الإدارات المدنية، قوات الأمن والأسايش، وقوات قسد) بالإضافة إلى تمويل البلديات والخدمات الفنية في جميع القطاعات وصولاً إلى مؤسسات الدفاع والشرطة، من «روج آفا» والرقة إلى ريف دير الزور الشرقي بالتنسيق والتعاون من الإدارات المدنية المحلية مع موازنة مخطط لها سابقاً.

يتم تمويل مؤسسات الإدارة الذاتية والمؤسسات المدنية في المناطق العربية المحررة حديثاً من «داعش» (الرقة، ريف دير الزور الشرقي، الطبقة، الشدادية وريف البوكمال)، عبر مصادر (الغاز والنفط والزراعة) وكل ما يتعلق بهذا النوع من المدفوعات النقدية من طريق الجمارك كما المعبر الحدودي مع كردستان العراق (سيمالكا) الذي تم إغلاقه سابقاً في عام 2016 خلال 7 أشهر. والضرائب (الزراعية والتجارية) مع المعابر الداخلية في سورية. ويعتبر النفط أحد المصادر الرئيسية للتمويل، فهو يباع ويستهلك محليًا.

على رغم أن الإدارة الذاتية تعتمد بشدة على المعبر الحدودي مع كردستان العراق لاستيراد قطع الغيار السيارات التي تشكل 90 في المئة من نسبة الاستيراد. وتصدر الإدارة الذاتية الأغنام السورية والفائض الزراعي (القطن والكمون). وتحظر حكومة إقليم كردستان مرور الأدوية وقطع غيار لتجميع المصانع والمعدات البتروكيماوية والأدوات والآلات بسبب العلاقات السياسية غير المستقرة مع أكراد سورية.

ويذكر أن حجم التجارة مع حكومة إقليم كردستان العراق يصل إلى أكثر من 30 مليون دولار سنوياً بحسب أرقام اللجنة المالية للإدارة الذاتية.

يذكر خالد محمود أن الراتب الحالي يبدأ من 60.000 ليرة سورية في بداية المهنة ويصل إلى 80.000 و إلى حد أقصى 115.000 ليرة. وبلغت أرقام الموازنة عامي 2014/ 2015 نحو 17 بليون ليرة سورية (60 مليون يورو لمدة عام واحد) وفي عام 2017 بدأ التخطيط للموازنة لمدة 3 أشهر للاستجابة بشكل أفضل لتقلبات سعر صرف الدولار الذي يمثل مشكلة في عدم استقرار قيمة العملة السورية.

وينوه عبد الكريم ملك الرئيس المشترك لهيئة الطاقة في الإدارة الذاتية، بأنه في البداية 2014 «كان استخراج النفط صعباً بسبب قلة المعدات ونقص الاختصاصيين، لكن اليوم استطاعت الإدارة الذاتية إنتاج أكثر من 30.000 ألف برميل نفط يومياً فقط من مديرية حقول الحسكة (رميلان)»، ويتم تسويق النفط المكرر وزيت التدفئة (المازوت) ووقود الديزل والبنزين في المناطق الخاضعة لسيطرة الإدارة الذاتية من خلال مصاف محلية (المئات من الوحدات الصغيرة)، علماً أن الإنتاج يتم بطريقة بدائية غير مطابقة للمعايير الدولية ما يتسبب في ازدياد مشكلة التلوث في الهواء.

صعوبات كثيرة تواجه الإدارة في مجال الطاقة، أكثرها نقص المعدات وقطع الغيار والتقنين ومشكلة الحدود المغلقة (تركيا وكردستان العراق)، وعدم تقديم الولايات المتحدة الأميركية المساعدة التقنية وتركيزها فقط على الجهد العسكري.

العامل الجيو اقتصادي لروج آفا

يعد النفط في سورية من أهم الموارد الطبيعية، وذروة الإنتاج كانت في أواخر التسعينات، ووصل إلى ما يعادل 610 آلاف برميل في اليوم، وفقًا لورقة من الخزانة الفرنسية مؤرخة في 2011. ومنذ ذلك الحين، انخفض إنتاج الذهب الأسود بثبات بعد وصوله إلى 400,000 الف برميل في اليوم في المتوسط خلال فترة 2010/2008 لينخفض الإنتاج إلى 380.000 برميل من النفط الخام يومياً في بداية الازمة في آذار (مارس) 2011، قبل ان ينخفض إلى 153.000 برميل في اليوم في تشرين الاول (أكتوبر) 2012. وفي اوائل آب (أغسطس)، بعد أكثر من عامين من الحرب، انخفض هذا الرقم إلى 39.000 برميل يومياً، أما الغاز الطبيعي فتمتلك سورية احتياطيات مثبتة منه تبلغ 8.5 تريليون قدم مكعب. وقدرت مجلة النفط والغاز (OGJ) احتياطات سورية المؤكدة بـ 2.5 بليون برميل في 1 كانون الثاني(يناير) 2013، أي أكبر من مجموع جيران سورية باستثناء العراق. توجد غالبية حقول الغاز الطبيعي في سورية في الأجزاء الوسطى والشرقية من البلاد. ويقع جزء منها تحت سيطرة قوات سورية الديموقراطية (قسد) والأكبر والأهم منها هو حقل عمر في شرق دير الزور، بالإضافة إلى حقول الغاز الموجودة في المناطق الكردية، ومنها (حقلا جبيسة والسويدية).

سيكون النفط عاملاً حاسماً بالنسبة إلى الإدارة الذاتية لإنجاح مشروعها السياسي مع الشمال السوري، أي أن الإدارة الذاتية تسيطر على حقول نفطية تصل طاقتها الانتاجية إذا ما تم استثمارها إلى أكثر من نصف مليون برميل يومياً، استطاعت حتى الآن وبإمكانات محلية محدودة استخراج أكثر من 30 ألف برميل يومياً ناهيك بإنتاج الغاز الطبيعي. وعلى هذا النحو، فإن عائدات الإدارة الذاتية متنوعة ولكنها منخفضة بسبب فقدان القدرات التقنية، وبخاصة فقدان القدرة على الوصول إلى الأسواق بسبب الحصار المطبق عليها. تكمن قوة الاقتصاد في في مناطق الإدارة الذاتية في تعدد مواردها الطبيعية من نفط وغاز، وفي الإنتاج الزراعي والحيواني، ما يحقق لها مصادر دخل أكيدة. وإذا تم جمع شمل الشمال السوري مع موارد الطاقة الغنية، على ما تطمح الإدارة، سيصبح هذا الاتحاد قوة اقتصادية وسياسية لا يمكن تجاوزها محلياً. واذا كان عامل النفط محركاً للاقتصاد في الشمال السوري، فإنه من جهة أخرى عاملاً محركاً للنزاعات في المنطقة.