«قوة الساحل» أُسّست بمبادرة فرنسيّة ومستقبلها رهن بالتمويل والهواجس

محمد خلف |

تصدرت قوة الساحل أولويات قمة الاتحاد الأوروبي، بعد التحذير الذي أطلقته موريتانيا من إخفاق الأمن الإقليمي في مواجهة تنامي العنف الجهادي إثر استهداف جنود فرنسيين بهجوم جديد في مالي أدى الى مقتل أربعة مدنيين وجرح أكثر من عشرين، بينهم أربعة جنود فرنسيين.


أكثر من خمس سنوات مرت على نجاح العملية الفرنسية (سيرفال) في دحر الجماعات الجهادية وطردها من تمبكتو، إلا أن تدمير سلطة القاعدة في عاصمة شمال مالي لم يُعد السلام الى المدينة ولم يوصل الدولة الى حل سياسي شامل ومستقر. في كتابه «من نواكشوط الى تمبكتو على حافة الموت» يقول أيمن السيسي: «لم تكن وقائع الانقلاب في باماكو، عاصمة بالي غريبة، وكذلك أحداث انفصال شمالي مالي وإعلان قيام دولة جديدة فيها مفاجئة، حيث تكثر في أفريقيا الانقلابات العسكرية ومحاولات الانفصال».

تشكّل منطقة الساحل والصحراء واحدة من المناطق الجيوسياسية الدولية التي تشهد صراعاً مريراً بين المجموعات الإرهابية من جهة، ودول المنطقة مدعومة بالقوى الدولية الكبرى من جهة ثانية. ولمواجهة تنامي نفوذ التنظيمات الإرهابية في هذه المنطقة، اتفقت حكومات دولها الخمس (بوركينا فاسو، مالي، النيجر، موريتانيا وتشاد) على إنشاء قوة إقليمية مشتركة قوامها خمسة آلاف عسكري وبتمويل يصل الى 423 مليون يورو، منها 8 ملايين من فرنسا، زادت بمبلغ 50 مليون يورو إضافية بعد قرار القمة الأوروبية الأخيرة في بروكسيل. ويأمل القادة الأوروبيون بأن تساعد هذه الأموال في وقف تدفق اللاجئين، ومواجهة هدف الجهاديين جعل منطقة الساحل منصة للهجمات الإرهابية على أوروبا.

تعتبر المملكة العربية السعودية أكبر ممولي هذه القوة بعد تعهّدها تقديم 100 مليون يورو، فيما قدمت الإمارات العربية المتحدة 30 مليون يورو، والولايات المتحدة 60 مليون دولار.

في العام 2017، أعلنت أهم الجماعات الجهادية وأكبرها في الصحراء الكبرى ومنطقة الساحل والصحراء، الاندماج وتأسيس ما سمي «جماعة أنصار الإسلام والمسلمين» بزعامة أياد أغ غالي الذي جدد بيعته لتنظيم القاعدة. وتضم هذه الجماعة عدداً من التنظيمات، هي «جماعة أنصار الدين» و» كتيبة المرابطين» في مالي برئاسة مختار يلمختار الملقب بـ»الأعور»، وتنظيم «إمارة الصحراء الكبرى» الذي يجمع 6 كتائب تابعة كلها لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي.

تنتشر في المنطقة التي تعرف باسم «إمارة الصحراء» - تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، بمختلف كتائبها وسراياها، بخاصة «كتيبة الملثمين»، والتي تحولت إلى «الموقعين بالدم»، و»سرية الفرقان» و»سرية الأنصار» و»كتيبة طارق بن زياد» وغيرها من المجموعات التابعة لإمارة الصحراء، وكذلك «جماعة أنصار الدين» و»أنصار الشريعة» و»حركة التوحيد والجهاد» - غرب أفريقيا و»حركة أبناء الصحراء للعدالة الإسلامية» و»المرابطون» و»بوكو حرام». كلها جماعات ساهمت في استدعاء التدخل الأجنبي ممثلاً في القوات الفرنسية إلى المنطقة وتعميق الصراع، وتصنيفها من أخطر المناطق في العالم. وتقوم هذه الجماعات الإرهابية التي شكلت اتحاداً مع جماعات الجريمة المنظمة في المنطقة، بعمليات التهريب واختطاف السياح والديبلوماسيين والإعلاميين الأجانب وطلب الفدية بأموال ضخمة بهدف ضمان استمرارية تمويل نشاطاتها وشراء الأسلحة.

فيديرالية الإرهاب الأفريقية

أجرت الوحدات العسكرية التابعة للدول الخمس الأعضاء في قوة الساحل في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، تدريبات عسكرية أولية أطلقت عليها اسم «البقرة السوداء» ونفذتها بدعم من القوات الفرنسية، وذلك في إطار التحضيرات للانتشار والعمل الميداني. ويرى خبراء عسكريون «أن هذه القوة ستواجه المزيد من الأعباء المالية، كونها لا تمتلك من التجهيزات العسكرية والقدرات الاستخبارية ما يؤهلها لمواجهة التنظيمات المتشددة ميدانياً». ووفقا للباحث سيدي ولد عبدالملك، فإن «قوات عملية برخان الفرنسية تمتلك ثماني طائرات ميراج و17 مروحية عسكرية وخمس طائرات من دون طيار، إضافة الى 300 مدرعة، ولديها تعاون أمني واسع مع مجموعات أهلية فاعلة في المنطقة، إلا أنها ومع ذلك عجزت عن تحقيق انتصار نوعي وحاسم على هذه الجماعات». يقول الخبير الفرنسي في الشؤون الأفريقية تييري بورت، أن الوقت ينفذ، فالدولة المالية تتفكك يوماً بعد يوم، وينفرط عقدها وتتراجع أمام المجموعات الإرهابية». ويضيف «أن قوم (Peuls) يميلون اليوم الى الإرهابيين الإسلاميين على خلاف ما كان العام 2012، ما يعاظم هذا الخطر الذي أصبح يهدد أفريقيا الغربية حيث تعيش هذه الجماعة».

تسكن غالبية هذه المناطق – أي شمال مالي – قبائل الطوارق حيث يمتدون من الشمال الغربي لمالي على الحدود الموريتانية إلى الشمال الشرقي للتشاد على الحدود السودانية، مروراً بالجزائر والنيجر وليبيا، وتمتد بعض قبائلهم إلى السنغال وبوركينا فاسو ونيجيريا جنوباً. طبيعة السكان وتعرّضهم للعدوان الفرنسي حركا صلة القرابة لدى طوارق دول الجوار من الجزائريين والليبيين للوقوف لوجيستياً وعسكرياً ضد القوات الفرنسية، وهو ما يهدد الوحدة الترابية الجزائرية في شكل مباشر، في حال طمع الطوارق في تحقيق حلمهم الكبير في إقامة دولة الطوارق الكبرى، والتي تمتد من موريتانيا غرباً إلى ليبيا والتشاد شرقاً مروراً بالجنوب الجزائري.

كانت فرنسا في مقدمة البلدان التي أدركت أهمية المواجهة المبكرة للتنظيمات الإرهابية في تلك المنطقة، فكان تدخلها العسكري في مالي عام 2012. وأعقب ذلك قيامها بعملية عسكرية في المنطقة تحت اسم «برخان» عام 2014. إلا أنه مع تزايد وتيرة الإرهاب وتشعّب ضرباته بما أثر سلباً في قدرة فرنسا منفردة على مواجهته، سارعت الى طرح مبادرتها لتشكيل قوة عسكرية مشتركة من جيوش الدول الخمس أعضاء مجموعة الساحل الأفريقي، وعقدت في سبيل ذلك قمة باريس في كانون الأول (ديسمبر) 2017، والتي شارك فيها عشرون زعيماً لقادة دول أفريقية وأوروبية، من ضمنهم رؤساء دول الساحل الخمس، إضافة إلى ممثلين عن الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والاتحاد الأوروبي باعتبارهم شركاء، كذلك المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، لتدارس تعزيز القوات المشتركة التي ستتكلف بمحاربة الإرهاب في تلك المنطقة. الا أن هذه القوة المشتركة، وفق تأكيد الرئيس الفرنسي ماكرون، ليست بديلة من الوجود الفرنسي في المنطقة في المدى القريب والمتوسط، إذ قال: «إن باريس لا تعتزم سحب القوات الفرنسية»، حيث تعمل هذه القوة بالتنسيق مع القوات الفرنسية المؤلفة من أربعة آلاف جندي وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في مالي. وأشار ماكرون الى أنها عنصر معاون لهذه القوات. تنقسم هذه القوات الى 7 فرق، اثنتن منها في مالي واثنين في النيجر وواحدة في التشاد وواحدة في موريتانيا وواحدة في بوركينا فاسو. ومقر القوة في مالي، وهي موزعة على 3 وحدات: الشعبة المركزية وفيها مالي وبوركينا فاسو والنيجر، والشعبة الشرقية وتشمل النيجر وتشاد، والشعبة الغربية في موريتانيا ومالي. وإحدى المهمات التي ستنفذها قوة الساحل تتمثل في جمع المعلومات الاستخبارية وتحليلها في مركز خاص أنشئ لتحليل الأخطار، إضافة الى إقامة مركز للإنذار المبكر في موريتانيا.

بؤر صراعات أهلية وتنافس جيوسياسي

يعتبر محور الساحل من أخطر المناطق في الجانب الأمني وأعقدها، وساعدت صعوبة تضاريسه التي لا تختلف عن جبال تورا بورا بأفغانستان، في رسم مشهد من الصعب السيطرة عليه، ولعل هذا ما ساعد المجموعات المتطرفة على تحويل المنطقة إلى قاعدة خلفية ومنطقة آمنة للبقاء في المعادلة السياسية والعسكرية دولياً. وتستفيد الجماعات الإرهابية من غياب الدول المركزية في مناطق التوترات وبؤر الصراعات الأهلية، ما يتيح لها إقامة ملاذات آمنة وتكوين حاضنات من سكان المنطقة من خلال تقديم الامتيازات والإغراءات المالية. وهي تسعى الى تنفيذ مشروعها التوسعي للاستيلاء على بعض المدن الكبيرة، بعد أن كانت تركز، وفق خبراء الجماعات الإرهابية في المنطقة، على «التأقلم مع قوميات منطقة الساحل وتنفيذ عمليات خطف للرهائن الغربيين وتوجيه ضربات قوية لجيوش بعض دول المنطقة».

ورصدت تقارير استخبارية غربية ارتفاع وتائر العنف في الساحل واتساع جغرافيتها، عازية ذلك الى تكاثر هذه التنظيمات المسلحة وإقامتها لتحالفات ميدانية وهجرة الكثير من عناصر «داعش» الى المنطقة، قادمين من سورية والعراق، ونجاحها في إحداث اختراقات أمنية كبيرة في بعض القوميات مثل قومية (الفولان).

أخذت فرنسا على عاتقها هندسة إنشاء هذه القوة الأفريقية بعد أن ظلت حكومات هذه الدول تتردد في تشكيل قوات خاصة بها ضاربة ضد الإرهاب، وذلك بسبب تحديات التمويل وانعدام أو ضعف الوسائل اللوجستية والعسكرية. ويرى محللون أن «قوى إقليمية ودولية تحفّظت على وجود مثل هذه القوة العسكرية».

تواجه حكومات الدول الخمس التي وقفت وراء تشكيل هذه القوة وداعمتها الرئيسية فرنسا، انتقادات لاذعة من الخبراء العسكريين ومراكز بحثية أوروبية لتجاهلها المتعمد تجارب ناجحة لمكافحة الإرهاب في المنطقة. وتحدثت صحيفة «لو فيغارو» الفرنسية عن المعارك التي خاضها الجيش الموريتاني بقيادة الجنرال السابق محمد ولد بن عبدالعزيز خلال الأعوام الأخيرة، وشاركت فيها 8 مجموعات من (قوات التدخل الخاصة) التي تضم ما بين 200 – 300 عسكري موزعين على وحدات صغيرة تنفذ مهمات طويلة الأمد في الصحراء المترامية في موريتانيا على الحدود مع مالي. ويقول بورت أن الاتفاقات المعقودة تجيز قتال جنود الدول الخمس في منطقة تمتد 50 كليومتراً في بلد مجاور، وحق ملاحقة الإرهابيين والتنسيق بين الوحدات القتالية في الدول الخمس، وفرض حصار على الإرهابيين لمنعهم من الفرار الى الصحراء».

تمنّع جزائري وفيتو أميركي

يجهد الرئيس الفرنسي ماكرون لإثبات قدرة باريس على الحسم مع الجماعات الإرهابية المسلحة في الساحل الأفريقي، لكن الصعوبات التي تعترض السياسة الفرنسية في المنطقة لا توازيها سوى صلابة الواقع الذي يزداد تعقيداً منذ بداية الأزمة في مالي العام 1912، وبخاصة منذ اتفاقية الجزائر بين حكومة باماكو والجماعات المسلحة من أجل وقف القتال وإحلال السلام. وما يعقّد التطلعات الفرنسية، سلوك بعض الدول الأعضاء في مجموعة الساحل، مثل موريتانيا وتشاد التي صرح رئيسها بأن بلاده ليست معنية بتشكيل القوة بسبب ما سماه تردد الغرب في تقديم دعم مالي لبلاده لمحاربة الإرهاب وجماعاته، فيما يتسم موقف موريتانيا بالغموض، فهي تغيبت عن التدريبات الميدانية العسكرية الأولية، وتأخرت في تعيين منسقين عسكريين في القيادة العليا المشتركة للعمليات العسكرية للقوة. كما أن الفيتو الأميركي يشل حركة هذه القوة في شكل كبير على مستوى مجلس الأمن الدولي، فواشنطن تبدي تحفظاً كبيراً في شأن هذه القوة، ورفضت طلباً كان تقدم به الأمين العام لمجموعة الدول الخمس في الساحل لمجلس الأمن، لمنح القوة الوسائل اللوجستية اللازمة.

والجزائر تنظر بعين الريبة الى هذه القوة التي ترى كما يقول الباحث سيديولد عبدالمالك، «ذراعاً عسكرية لفرنسا في المنطقة».

ويعزو مراقبون العمر السياسي الطويل الذي تمتع به الإسلامي المالي الى الرعاية الجزائرية. ويقول المحلل الفرنسي تييري أوبيرليه، أن الجزائر قدمت ملاذاً له في أراضيها بعد محاولات فرنسية شبه ناجحة لتصفيته جسدياً.

ويضيف: «تعتبر الجزائر أن النشاط الفرنسي والأميركي الأمني والعسكري في المنطقة يضر بمصالحها ونفوذها. ويشير الى «أن الجزائر هي البلد الوحيد في هذا الشطر من أفريقيا الذي يتمنع عن محاربة الجهاديين خارج حدوده.

يتخوف المراقبون من تحديات جدية من شأنها أن تترك تأثيرها في مستقبل هذه القوة، في مقدمها أن الدول الخمس المشاركة في القوة لا تملك إمكانات مالية تجعلها قادرة على استكمال التمويلات اللازمة، على أن أكبر التحديات يتمثل في سيادة نزعات ومشاعر الكراهية بين الأعراق والقوميات والقبائل في المناطق التي ينبغي أن تنتشر فيها وحدات هذه القوة، فجيوش النيجر ومالي وتشاد مسكونة بعداء تاريخي مع شعوب المنطقة، إذ إنها لعبت أدوراً كبيرة في قمع الثورات الانفصالية التي قادتها قوميتا العرب والطوارق في المنطقة.