«نداء إلى القيصر» من تولستوي الغاضب: في الحرية نجاتك

ابراهيم العريس |

هناك نصّ كتبه ليون تولستوي في العام الأول من القرن العشرين، لن يكون من السهل اليوم العثور عليه في أي من رواياته أو كتب مذكراته أو دراساته الفكرية. ومع ذلك، هو أعنف نصّ كتبه عن الحرية، مستخلصاً إياه من المواقف التحررية العديدة التي كان عبّر عنها في مختلف إبداعاته ومواقفه السابقة، لكن أيضاً في استخلاص وتدخل في أحداث عايشها بالفعل، بل كان واحداً من المنادين بها ميدانياً. ففي العام 1901 وعلى رغم تقدمه في العمر، لم يتوانَ صاحب القامة الشامخة في تاريخ الأدب العالمي ومؤلف «الحرب والسلم» و»البعث»، عن الانضمام من فوره وقد تجاوز السبعين من عمره، الى الطلاب والشبان الثائرين على سياسة القيصر، في تحرك سيُعرف تاريخياً بكونه «البروفة» العامة التي كانت إرهاصاً بثورة العام 1905 الروسية التي ستكون بدورها «بروفة» عامة لثورة العام 1917، التي ستكون حكايتها حكاية أخرى بالطبع. أما هنا، فلنبقَ عند تلك الثورة التي افتتحت القرن العشرين وثوراته، والتي لعب فيها تولستوي ذلك الدور العملي الذي توجّهه، كما سنرى بعد سطور، بذلك النداء الذي وجهه الى القيصر.


> ففي أواسط شهر آذار (مارس) 1901، كانت أعمال عنف طالبية قد اندلعت في موسكو وانتقلت منها الى العديد من المدن الروسية. وكانت أعمال العنف تلك قد اتخذت منحى خطيراً، حين وجدت السلطات الحكومية أنه لم يعد ثمة مفر من التدخل والقمع بكل قوة، وإلا فإن الأحداث ستتفاقم أكثر وأكثر. فالوضع كان قد وصل الى ما يشبه نقطة اللاعودة، حيث لم تتردد قوات الأمن في استخدام البنادق آملة بأن يؤدي جرح، وربما قتل، عدد من الطلاب الثائرين الى إرهاب الطلاب وجعلهم يتراجعون. وكانت الحركة الطالبية قد اندلعت وعنّفت في شكل خاص، بعد أن أعلن وزير التربية بوغولوبوف، عن إجراءات تعسفية جديدة تشمل الرقابة المتزايدة على الطلاب داخل الجامعات. كان موقف الوزير استفزازياً بينما كان الطلاب يتحركون من أجل الحصول على مطالب تتعلق بالحرية والكرامة، لذلك لم يستغرب المراقبون أن يؤدي ذلك الى اغتيال الوزير المعني على يد طالب ثار غضبه إثر تصريح أدلى به ذلك الوزير وحمل فيه على الطلاب متهماً إياهم بالعمل لمصلحة قوى أجنبية، وبالرغبة في إثارة الفوضى في البلاد.

> ومن نافل القول أن اغتيال الوزير بوغولوبوف أدى الى نتيجتين معاً: أولاهما دفع السلطات الى زيادة حدة عنف القمع الذي تمارسه قوات أمنها، وثانيتهما جعل الطلاب أقدر على التحرك بعد أن اعتبروا مقتل الوزير انتصاراً لهم. وهكذا أطلّ الأسبوع الثالث من شهر آذار (مارس) من ذلك العام وقد ارتفعت حدة الحركة الطالبية، لا سيما في موسكو حيث أقام الطلاب المتاريس وراحوا يستفزون السلطات الأمنية، وسط مناخ راح فيه العديد من المثقفين والفنانين ينضمون الى الطلاب. ولئن كان هؤلاء قد فوجئوا في شكل إيجابي بتدفّق المثقفين لدعم صفوفهم - وهو أمر ما كان لهم أن يستغربوه على أي حال بالنظر الى أن الجسم الثقافي الروسي في ذلك الحين كان تقدمياً وذا نزعة تحررية بالكاد وقف ضدها أي مثقف جاد في البلاد - فإن مفاجأتهم الأكبر كانت حين ظهر في صفوفهم وعلى غير توقّع ذلك الشيخ الذي كان ناهز الثالثة والسبعين من عمره، وأنهكه المرض والتعب، لكن ذلك لم يثنه عن الانضمام الى الطلاب في متاريسهم، على الرغم من البرد وتساقط الثلوج. وكان ذلك الشيخ الكاتب الكبير ليون تولستوي، صاحب «الحرب والسلم» و«آنا كارينينا»، الذي لم يكن على الطلاب الثائرين أن يفكروا طويلاً قبل أن يتعرفوا إليه، فهو بطلّته المهيبة والعزم البادي في حركاته وعمره المتقدم، كان يشكل حالة فريدة من نوعها في الحياة الاجتماعية والثقافية، بل حتى السياسية الروسية والعالمية في حينه. ومن هنا، لم يكن غريباً أنه في الوقت الذي راح الطلاب يهتفون للشيخ الثائر ويحيّونه، راحت أجهزة الشرطة القيصرية تصدر حوله تلك التقارير التي تبلغ قيادات الأمن الموسكوفية، يوم 20 آذار، عن وجوده فوق المتاريس دعماً للطلاب.

> مهما يكن من أمر، من الواضح أن تلك الأحداث أتت بالنسبة الى تولستوي مناسبة يعبّر فيها، من ناحية عن تأييده للطلاب الثائرين - وهو على أي حال ما كان قد فعله طوال حياته من دون تردد وإن كان تأييده للتحركات التحررية قد اقتصر قبل ذلك على الكتابة والتعبير الإبداعي والفكري، لكنه الآن انتقل الى مستوى مختلف من النضال - ومن ناحية ثانية عن غضبه على السلطات الرسمية، لا سيما الكنسية التي كانت في الشهر الفائت قد أصرت على حرمانه «من رحمة الكنيسة»، في وقت كان المرض يشتدّ عليه. وقد رأى تولستوي في ذلك الحرمان ظلماً ما بعده ظلم. فهو لئن كان في رواية «البعث» قد هاجم الكنيسة، وليس الدين بالطبع، فإنه ما لبث أن عاد الى حماها مستغفراً في شكل من الأشكال، وأمضى السنوات العشرين التالية من دون أن يتعرّض للكنيسة. غير أن ذلك لم يشفع له في وقت كانت السلطات ترى أنه قد يشكل خطراً كبيراً الآن بسبب إعجاب الطلاب به. لكن بدلاً من أن يؤدي ذلك الحرمان، بما فيه من منع تداول كتبه، الى إخافته، جعله ينتفض، بخاصة أن ألوف الطلاب راحوا يؤمون بيته خلال الأسابيع التي تلت صدور القرار بحرمانه. وهكذا حين انتفض الطلاب ضد السلطات القيصرية، شاء تولستوي أن يرد التحية لهم بأحسن منها، فحمل أمراضه وتعبه وسنوات عمره المتقدمة، وتوجّه الى المتاريس، مشاركاً الطلاب تمرّدهم، وظل يعتلي المتاريس طوال أسبوع بكامله، حتى أربك السلطات وشرطتها. فهي كانت عاجزة عن إلحاق أي أذى به، هو الذي كان يحظى بسمعة عالمية أعطته حصانة أكيدة.

> وبالتالي، أحسّ تولستوي بقوته وراح يخطب يومياً في الطلاب، مندداً بالسياسات الرسمية القمعية وبالتصنيع الذي ينزع عن الطبيعة جمالها، وبهراوات رجال الشرطة التي تخبط رؤوس الطلاب من دون هوادة. وهو اختار ذلك الوقت بالذات لكي يذيع على الملأ بياناً رد فيه بعنف على «قرار المجمع المقدس». وخلاصته، وفق ما جاء في كتاب عن تولستوي وضعه الكاتب المصري محمود الخفيف في واحد من الكتب المميزة التي وضعها مؤلف عربي عن تولستوي خلال الحقبة الليبرالية من الفكر العربي، أنه «لن يدين إلا بما يعتقد أنه الحق، وما يملك أن يذعن لغير ما اطمأن إليه قلبه وعقله قائلاً: «إني أحب الحق أكثر مما أحبّ أي شيء آخر في هذه الدنيا، والحق عندي حتى الآن هو ما يطابق المسيحية كما أفهمها، وإني لأتعلق بهذه المسيحية، وبقدر تعلقي بها يكون هدوء نفسي وسعادة روحي، وبهذا الهدوء وهذه السعادة أقترب من الموت».

> غير أن تولستوي لم يكتفِ يومها بهذا البيان، بل إنه وبالتوازي مع ذلك، أذاع ما أسماه «نداء الى القيصر» والى حكومته، يدعوهما الى المساواة بين شتى فئات الشعب وأخذ نداءات ومطالب الشبان، لا سيما الطلاب منهم، بالاعتبار، لكن «فوق ذلك كله وقبل ذلك كله»، الى احترام حرية العقيدة وحرية التعليم، «فإن في ذلك السلامة والأمن»،. والحقيقة أن تولستوي كان واضحاً كل الوضوح في كلامه هذا، فهو لم يكن يبتغي المساعدة عل قلب نظام الحكم، بل مساعدة هذا على التخلص من الممارسات التي تدفعه الى الهاوية والى اكتساب عداوة الشعب بأكمله بدءاً بأجياله الجديدة. وهو ختم يومها نداءه موجهاً كلامه الى القيصر قائلاً له: «إذا فعلت هذا، ستكون قد أنقذت كل ما يمكن إنقاذه. فيه وحده يصبح مقامك آمناً وتصبح قوياً حقاً».

> ومن نافل القول أن ذلك الموقف الواعي والحكيم، والثوري في الوقت نفسه، الذي وقفه ليون تولستوي (1828 - 1910)، كان استثنائيا واعتبر الشعار الأساس لتحركات الطلاب الروس في حينه. عبره اعتبر الطلاب الروس، في تلك الأيام الصعبة، تولستوي زعيماً لهم، وهو غرف من تلك الزعامة حتى الثمالة، وكان منظره «مهيباً ورائعاً» وفق وصف أحد المراسلين الأميركيين الذي كان يعاين الأمور ميدانياً، «حين كان يقف فوق المتراس صارخاً وغاضباً متحدياً رجال الشرطة، فيما كانت تعليمات حكومتهم واضحة: إياكم وإيذاء هذا الرجل مهما فعل، لأن إيذاءه سيجر غضب العالم كله على الحكومة الروسية، ويعطي لحركة الطلاب زخماً عالمياً لا يمكن لنا أن نجابهه».