صراع الحدود يحجب صراع الوجود

غازي دحمان |

أصبحت حدود سورية، من البوكمال على حدود العراق، إلى نصيب على حدود الأردن، مركز الحدث السوري ومستقطب فعالياته، وفي المرحلة المقبلة سيأخذ النقاش حول حدود الجولان الجزء الأكبر من القضية السورية، سواء عبر المفاوضات الماراتونية التي تخوضها روسيا مع إسرائيل، أو حتى من خلال فعاليات المنابر الدولية، على اعتبار أن الأمم المتحدة موجودة في هذه المنطقة.


وإذا أضفنا إلى هذه الإشكاليات الحدودية، الإشكاليات الأخرى حول معبر التنف والقاعدة الأميركية على حدود العراق، ومعبر باب الهوى على الحدود التركية، فيمكن الجزم بأن القضية السورية من هنا إلى سنوات مقبلة ستكون قضية حدود بامتياز، فمن غير المتوقع أن يتم حل إشكاليات هذه الحدود والمعابر في فترة زمنية قصيرة، حتى لو وجدت إرادة سياسية من الأطراف، على رغم صعوبة توافرها في ظل حالة عدم الثقة بين الأطراف الإقليمية والدولية.

ويشكّل التركيز على صراع الحدود فرصة لنظام الأسد، ومن خلفه روسيا، باعتباره يظهر القضية السورية بمظهر قضية دولة تسعى الى الحفاظ على سيادتها والسيطرة على حدودها في وجه تنظيمات متمردة وخارجة عن القانون، خصوصاً أن الخبرة الدولية عن التمرد تتركز دائماً في حصول مثل هذه المظاهر في الغالب عند حدود الدولة المستهدفة، حيث تكون قبضة السلطة المركزية ضعيفة، لبعد الأقاليم الحدودية من المركز، وكذلك لوجود مصالح وتداخلات إقليمية وتصفية حسابات بين الأنظمة الحاكمة في الإقليم، حيث تصبح المناطق الحدودية مسارحها الطبيعية.

ومنذ بداية الثورة السورية، سعى نظام الأسد إلى تصويرها على أنها شكل من أشكال التمرد تقوم به جهات وأطراف خارجة عن القوانين، شيء أقرب إلى المافيات، وتتلقى الدعم والمساندة من دول الجوار الإقليمي التي بدورها لها غايات ومصالح في السيطرة على الحدود والمناطق القريبة منها، ولم يستثنِ نظام الأسد من هذا التوصيف حتى لبنان، الدولة التي يقبض أصدقاؤه فيها على ناصية الأمن، وقد ذهب نظام الأسد إلى اتهام مكونات اجتماعية وأحزاب سياسية بالتواطؤ على أمنه واستثمار الحدود لهذه الغاية، على رغم أنه لم يسبق لتلك الأحزاب أن كانت لها خبرة في مجال العسكرة والعمل المسلح، على الأقل في العشرين سنة الماضية، ولا تملك البنى اللازمة لإنتاج ذلك.

على ذلك، فإن صراع الحدود يمكن توظيفه على شكل انتصار ناجز على أعداء خارجيين استخدموا أدوات محلية كواجهة لهم، كما يحاولون إثارة قضايا غير حقيقية في سياق حربهم ومؤامراتهم، ولا شك أن نظام الأسد، ومنظومته الإقليمية، من الذين يدعون أنهم يواجهون حرباً كونية تخوضها ضدهم أكثر من مئة دولة، سيسعدهم تحويل القضية السورية إلى قضية حدود وصراعات خارجية، فذلك يظهرهم بمظهر المنتصر على الإقليم بدوله وأنظمته ومقدراته، كما أنه يخفي كل عيوب وأعطاب السيادة التي يرزح تحتها نظام الأسد نتيجة تسليمه قراره لأطراف خارجية عديدة، تبدأ من روسيا وإيران، ولا تنتهي عند ميليشيات من نمط حزب الله وشركات المرتزقة الروس.

يطمح نظام الأسد إلى تحويل قضية الحدود إلى مخرج لتبرير جرائمه، أو بالأحرى نسيانها، وإعادة تأهيله مجدداً في المجتمع الدولي، ليس فقط تلك التي ارتكبها على مدار السنوات السابقة، إنما تلك التي لا تزال في طور الإعداد والتخطيط، فما ارتكب قد ارتكب، وجرى تصدير رواية، يعتقدها الأسد وأعوانه، مناسبة لما جرى، بخاصة الحرب على الإرهاب والجماعات السلفية المتشددة، التي اشتغلت في الغالب، بقصد أو من دونه، بما يناسب رواية الأسد عن الحدث.

اليوم، يرغب نظام الأسد في إعادة هندسة سورية، اجتماعياً وسياسياً، بعد أن انتهت الحرب لمصلحته، وهذه عملية معقدّة لاشتمالها على مستويات متعددة، اقتصادية وسياسية واجتماعية، تشمل إنتاج طبقات اجتماعية من العدم، وترسيخ انفراط التركيبة السابقة، بحيث يتيح له ذلك إيجاد مساحة لموضعة أنصاره ومواليه ضمن التراتبية الاجتماعية الجديدة، عبر الاستيلاء على أمكنة خصومه، أولئك الذين ناصروا الثورة ضده، فلا يكتفي الأسد بحال الإفقار التي وصل إليها المجتمع السوري وشرائحه، والتي باتت تصل إلى أكثر من سبعين في المئة من المجتمع السوري، كما لا يكتفي بما حصلته بطانته وأزلامه من اقتصاد الحرب، بل يرغب في إنتاج عملية مستدامة تعمل آلياً في تصعيد الفئات الاجتماعية وتهميشها، وفق معايير الولاء والخصومة.

على الصعيد السياسي، يطمح الأسد الى صناعة سورية غير قابلة للثورة، والمطالبة بالتغيير لعقود طويلة مقبلة، سورية تعتبره باعثاً لحياتها من موت مؤكد، ومنقذها من خراب حاصل، بحيث ينطبع في ذهن أجيالها لعقود وعقود، وهذا يستدعي ممارسة السلطوية الفردية إلى أبعد حدودها، واجتثاث كل فكر ينادي بأقل من ذلك أو يخالفه، ولا شك أن هذه رغبات إيران وروسيا، ليس لأن لهما مصالح طويلة الأمد في سورية، بل لأن أي مطالب تغييرية ستشكل تهديداً لمصالحهما في سورية، وبالتالي فهما معنيتان وملزمتان بالتورط مع نظام الأسد في خططه لهندسة المجتمع السوري.

لا شك أن هذه صفات حرب الوجود، المادي والمعنوي، التي سيتابع الأسد خوضها، لكن في المرحلة المقبلة لن يتسنى لأحد تسليط الضوء عليها وستجري في العتمة، كما أن أدواتها لن تكون البراميل المتفجرة ولا طلقات المدفعية، بل القوانين والدستور والسجون، غير أن عبور هذه المرحلة يستلزم إطالة حروب الحدود وتكبير حجرها حتى ينسى، كل صاحب ذاكرة، حرب الوجود الفظيعة التي يديرها الأسد ضد السوريين.

* كاتب فلسطيني