الأنموذج الكوري

رائد العسكر |

في 17 آذار (مارس) الماضي كانت لي تجربة السفر إلى كوريا الجنوبية، التي تعد من أسرع البلدان نمواً وتطوراً والعضو في مجموعة العشرين الاقتصادية، ضمن وفد يمثل المملكة العربية السعودية، وكانت الزيارة ناجحة بكل المقاييس وكانت النتائج متميزة، وكان الجانب الكوري مرحباً للغاية ومنفتحاً للتعاون على الصُعد كافة.


جمهورية كوريا أو كوريا الجنوبية مرّت بمنعطفات تاريخية عدة قبل أن تصل إلى ما هي علية الآن، فمع نهاية الحرب العالمية الثانية في 1945 تم تقسيم شبة الجزيرة الكورية من قبل القوى العظمى إلى منطقتي نفوذ، أدت إلى قيام حكومتين متوازيتين؛ حكومة موالية للشيوعية في الشمال وأخرى موالية للولايات المتحدة في الجنوب، ومن ثم قامت الحرب الكورية في شبة الجزيرة الكورية عام 1950 في محاولة من الشمال لضم الجنوب، قسمت على إثرها شبة الجزيرة الكورية إلى دولتين؛ كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، يفصل بينهما نطاق منزوع السلاح بطول 250 كيلو متر وعرض 4 كيلو متر، كما خضعت كوريا الجنوبية لاستعمار اليابان لمدة 26 سنة من عام 1919، ومن ثم لاستعمار الولايات المتحدة لمدة أربع سنوات، ولم تحصل كوريا الجنوبية على استقلالها إلا في 1947، كذلك يجب ألا يغيب عن البال أن كوريا الجنوبية لا تمتلك ثروات معدنية أو نفطية طائلة، إذ إن 90 في المئة من الثروات الطبيعية تتركز في كوريا الشمالية.

يبلغ عدد سكان كوريا الجنوبية 50 مليون نسمة، في حين أن عدد الأجانب بها يزيد عن مليون نسمة، في مساحة لا تتعدى 100,140 كلم مربع، فيما تضم العاصمة (سيؤول) وحدها أكثر من 10 مليون نسمة، وخلال الزيارة كان لافتا لي معاني ورموز العلم الوطني الخاص بكوريا الجنوبية، فالعلم الوطني الكوري يطلق علية اسم "تاي كوك كي"، وهو نوع من المبادئ في الفلسفة الشرقية لديهم، وتنقسم الدائرة التي تقع في منتصف العلم إلى جزأين متساويين، بحيث يمثل الجزء الأحمر العلوي قوى كونية إيجابية يطلقون عليها اسم «ليانغ»، فيما يمثل الجزء الأزرق السفلي قوى كونية متجاوبة يطلقون عليها اسم «الليين»، وتجسد القوى مفاهيم الحركات المستمرة والتوازن والانسجام التي تميز المجال اللامتناهي، وتحاط الدائرة بأربعة مجموعات من الخطوط في زوايا العلم الأربعة التي ترمز كل منها على التوالي إلى عناصر كونية أربعة هي السماء والأرض والنار والماء.

كوريا الجنوبية لديها تجربة اقتصادية متميزة، إذ انتهجت الرئيسة السابقة مفهوم الاقتصاد الإبداعي، واستمر العمل بتلك الاستراتيجية في عهد الرئيس الحالي، والتي نتج عنها قفزات اقتصادية هائلة، وإذا علمت أن حجم التبادل التجاري لجمهورية كوريا الجنوبية تجاوز حجم الواحد تريليون دولار أميركي تعلم حينها حجم النجاح في تلك الخطة، وتعد الصين والولايات المتحدة واليابان من أبرز الشركاء التجاريين لسيؤول.

وعن العلاقات بين سيؤول والرياض، فإن المملكة افتتحت سفارتها عام 1974 لتكون أول سفارة عربية تؤسس لعمل وعلاقات ديبلوماسية مع سيؤول، وقد احتفل البلدان في 2014 على مرور 50 عاما من العلاقات بينهما، وكان لقائنا بالسفير السعودي في كوريا رياض المباركي متميزا من حيث شرح أوجه تلك العلاقات وأهميتها، كما شهدت العلاقات الثنائية تطورا ملحوظا في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والصحية والعسكرية والتعليمية والسياحية، وتعد المملكة رابع أكبر شريك تجاري لجمهورية كوريا بينما تعد جهورية كوريا خامس أكبر شريك تجاري للمملكة، وللمملكة العربية السعودية تاريخ حافل في دعم ومساندة كوريا بعد حربها مع كوريا الشمالية في مد يد العون ودعم الاقتصاد الكوري وإعطاء امتياز للشركات الكورية في المملكة، وقد مرت العلاقات السعودية الكورية ببعض الفتور إبان الموقف الكوري من حرب الخليج عام 1990 إلا أنه سرعان ما عادت الأمور إلى طبيعتها.

وكان من أميز المواقع التي زرتها هو المعهد الكوري لأبحاث الفضاء، إذ شاهدنا التطور الهائل في المجال السيبراني، وشاهدنا الدقة في التصوير الفضائي لدرجة أنهم يتابعون مشاريع لهم في أنحاء العالم بتفاصيل مبهرة، فضلاً عن الاستخدامات الأمنية والعسكرية، واطلعنا على الاتفاقات المعتمدة مع دول العالم والشراكة بينهم وبين تلك الدول.

وكنت محظوظا -إن صح التعبير- في لقاء المدير العام لإدارة السياسة الدولية في جامعة الدفاع الوطني، إذ طرحت عليه السؤال التالي: «كيف تقرؤون مستقبل كوريا الجنوبية في ضل تقاطع المصالح بين الدول الفاعلة في المنطقة»، وجاوب بما نصه: «نحن حددنا العمل باتجاهين؛ الأول نجاحنا بالوصول إلى تكامل مع القدرات الدفاعية الأميركية لصد أي هجمة نووية علينا من كوريا الشمالية، وعملنا في الوقت نفس مع الدول الكبرى على إصدار عقوبات ضد كوريا الشمالية، وقد صدر منها 10 عقوبات من الأمم المتحدة، والثاني فتح حوار مع كوريا الشمالية وقد نجحنا أيضا في ذلك، إذ تعددت الزيارات بين البلدين في الفترة الأخيرة، ونتج عنه ترتيب لقاء في الـ19 من نيسان (أبريل) الماضي بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية وبعده لقاء مع رئيس الولايات المتحدة، وهذا ما تم بالفعل من نجاح الاستراتيجية الأميركية في فرض السلام بالقوة، خلال اللقاء الذي تم بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والكوري الشمالي كيم، ونتج عنه اتفاقات عدة تدفع بالسلام في شبة الجزيرة الكورية والمنطقة.

كما كان لي فرصة زيارة شركة «دابا» والتي تُعنى بصناعة القطع العسكرية وتحقيق الاكتفاء الذاتي لكوريا الجنوبية وبيع منتجاتهم إلى دول العالم عبر شراكات مع دول عدة أهمها الولايات المتحدة، إذ تم توطين وصناعة الطائرات والسفن وحاملة الطائرات وغواصات والدبابات وكل الأسلحة التقليدية والمتطورة.

لقد تطورت الصناعة في كوريا الجنوبية بشكل ملفت، خصوصاً إذا ما علمنا أنه ازداد عدد الصادرات للأسلحة من 250 مليون دولار في 2006 إلى 3,6 بليون دولار في 2014، وأرى أنه من المناسب تطوير التبادل والعلاقات العسكرية بين البلدين خصوصا في ما يخص توطين ونقل المعرفة والصناعة العسكرية إلى المملكة العربية السعودية. ومن أميز المواقع التي زرتها معهد آسان لدراسات السياسات، إذ تم عقد جلسة نقاش مع أعضاء المركز ارتكزت على التطورات السياسية في المنطقة وعلى الدور الأممي في حفظ الأمن والسلام العالمي، كما لمست المخاوف الكورية الجنوبية من كوريا الشمالية وتهديداتها الصاروخية، وفهمت أن الشراكة مع الولايات المتحدة هي الضامن الوحيد لهم في مواجهة الخطر الكوري الشمالي، إذ إن الولايات المتحدة تمد كوريا الجنوبية بمنظومة «الثاد» للدفاع الجوي، أما «سرّهم الدفين» في تغلبهم على الحالة النفسية من تلك الحرب فقد أذاعوا لنا به، إذ إنهم وأثناء تقييمهم للوضع الاستراتيجي والأمني اكتشفوا أنهم لن ينتصروا إلا بالتطور الاقتصادي ومسابقة الدول الاقتصادية في العالم لكي يكون العالم شريك لهم في حفظ الثروة المعرفية والاقتصادية، فكوريا الجنوبية لم تصل لمجموعة العشرين الاقتصادية من فراغ، وإنما من عمل وتخطيط استراتيجي ناجح وبعيد المدى، خصوصا إذا علمت أن كوريا الجنوبية كانت تقبع في المركز 88 في التصدير عام 1990، وأنها انتقلت في 2009 إلى المركز التاسع عالميا، وفي 2014 بلغ الناتج القومي الاجمالي 1,416 ترليون دولار أميركي، كما أن الانفتاح التجاري والاقتصادي لم يقتصر على العنصر التقني، وإنما حتى على العنصر البشري، فكوريا ترحب بكل من يسهم في دفع التقنية والتطور الاقتصادي في البلاد، فلا تستغرب إذا علمت أن أغلب العمال في مصانع سامسونغ الكورية هم من الجنسية الهندية، وقد يكون هذا من أسرار نجاحهم هو استقطاب الأيدي الناجحة للإسهام في نجاح بلد لا يملك الثروات، إلا أنه استطاع أن يفرض نفسه كعضو اقتصادي عالمي وعضو واعد على المستوى السياسي.

لقد كان الأنموذج الكوري واضحا، فهم ينظرون إلى المستقبل بسلام، ويبنون القوة للحفاظ على السلام.

* باحث استراتيجي.