احتجاجات طهران: قنبلة الغضب ولعبة المرشد

أحمد أمير محمد |

لقد امتلأ المجال الافتراضي بمقاطع الفيديو والأخبار حول الاحتجاجات القائمة في مدن إيران المختلفة منذ أواخر الشهر الماضي وما تبعها من رود الفعل، وذلك للمرة الثانية في فترة لا تتجاوز السبعة أشهر.


وقد بزغت الاحتجاجات هذه المرة من سوق طهران الكبير «بازار بزرگ تهران»؛ الذي يعدّ العصب التجاري في إيران، وتفيد الأخبار أن تجار السوق الإيرانية قاموا بإضراب عن العمل، وأغلقوا محالهم التجارية؛ اعتراضا على غلاء الأسعار والوضع الاقتصادي المتدهور الذي تعانيه إيران، واحتجاجاً على الانهيارات المتواصلة التي أصيبت بها العملة الإيرانية أمام الدولار، فقد بلغ سعر الدولار الاثنين 25 حزيران (يونيو) 2018 (أول أيام اندلاع المظاهرات) تسعة آلاف تومان في سوق الصرافة، كما شمل الإضراب كل من أسواق المجوهرات، وسوق الصاغة، وسوق «باجنار»، وسوق منتجي الأحذية في «جهار سوق الكبير»، وسوق «الكيلو»، و«سبزه ميدان»، و«سراي ملي»، و«سراي بوعلي»، و«15 خرداد».

ونقلت مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الإيرانية مشاهد الاحتجاجات من داخل السوق وخارجها، ويندد فيها المتظاهرون بشعارات من قبيل: «الموت للديكتاتور»، و«عدونا هنا ... تكذبون وتقولون عدونا أميركا»، و«اترك سورية وفكر في أحوالنا»، وكثير من الشعارات المعادية للحكومة والرئيس الإيراني حسن روحاني وفريقه الاقتصادي.

وتفيد أخبار أخرى أن التجار في مدن عدة، مثل: مشهد وكرج وقشم وبندر عباس وشهريار، أقدموا أيضاً على الإضراب والمظاهرات.

ومن أنشط وسائل الإعلام الداخلية التي تغطي أحداث المظاهرات في السوق، هي: وكالات الأنباء المقربة للحرس الثوري، والتيار الأصولي المتشدد، مثل: وكالة أنباء تسنيم وفارس؛ ومن هنا يتطلب تحليل الوضع القائم العودة قليلاً إلى احتجاجات شهر كانون الثاني (يناير) الماضي التي بدأت من 28 كانون الأول (ديسمبر) 2017 وامتدت نحو ثلاثة أسابيع، وشملت جميع أنحاء إيران، ويتطلب كذلك إمعان النظر في الشكوك التي أعرب عنها المحللون السياسيون، إذ تفيد بعض الشواهد احتمال أن بداية هذه الاحتجاجات كانت على يد المعارضين المتشددين للحكومة (التيار الأصولي المتشدد)، مثل: ممثل المرشد الإيراني، وخطيب جمعة مدينة مشهد «أحمد علم الهدى»، وصهره رجل الدين البارز عضو مجلس الخبراء، إبراهيم رئيسي؛ لأن الاحتجاجات بدأت من مشهد، وهذا ما يجعلنا نتساءل: هل التيار المتشدد هو من فتح باب احتجاجات السوق التجارية في المدن المختلفة؟ لقد اتسع نطاق احتجاجات شهر (كانون الثاني (يناير) بسرعة، وعلى رغم احتمال أن التيار المتشدد هو من فتح أبوابها، إلا أن شعارات المحتجين استهدفت هذا التيار في المقام الأول، وأكد أغلب المعارضين في الداخل والخارج وحتى بعض مسؤولي الحكومة أن محور الاحتجاجات كان استياء الشعب الشديد من المنهج السياسي والاقتصادي لنظام الجمهورية الإسلامية خلال العقود الأربعة الأخيرة.

ما لُب الموضوع هذه المرة؟ ماذا يعني إغلاق السوق؟ هل تمدد الاحتجاجات إلى الشوارع والتنديد بشعارات تستهدف كل نظام الحكم، لا يتشابه مع اضطرابات الاحتجاجات المذكورة آنفاً؟ هل يرغب المرشد الإيراني في أن يعبر روحاني الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي خطط لها المرشد نفسه بواسطة أصابعه وممثليه وحراسه؟ هل الهدف هو استسلام روحاني لسياسيات التيار المقابل قدر المستطاع؟ أو لم تكن حكومة روحاني قد أصبحت حكومة صورية تماماً خاصةً في فترتها الثانية؟

يساور النشطاء الاقتصاديون والجامعيون الإيرانيون القلق أكثر من أي وقت مضى، فيقول بعض الإصلاحيين إن «حل المعضلة الاقتصادية يكمن في إقبال كل نظام الحكم على خيار صعب ومؤلم وهذا لن يحدث»، وتعتقد شخصيات مثل فائزة هاشمي ابنة رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام سابقاً، بأنه «لو لم تظهر الحلول، فمن الممكن أن تتجه الدولة نحو حافة الانهيار»، وقالت في حوار مع فايننشال تايمز: «وصلت الأزمة إلى ذروتها من كل الأبعاد وينظر النظام إلى كل شيء على أنه عادي. أشعر بأن روحاني ترك زمام الأمور في الدولة».

ويشير المحلل السياسي مرتضى كاظميان إلى بعض الدلائل التي يمكنها إثبات فكرة تورط المتشددين في احتجاجات السوق، ومن ضمنها التصريحات التي أفاد بها الأمين العام للمجمع الإسلامي للتجارة والسوق أحمد كريمي، الذي قال فيها: «لم نر على مدار 40 عاماً مثل هذا التحرك الذي أغلق السوق، لكنه حدث اليوم، ويبدو أن سبب ذلك يكمن فقط في سوء الإدارة بداخل الدولة».

على رغم كل هذا، لو يحلم المرشد الإيراني بسقوط حكومة روحاني، فليس أمامه الآن حيلة غير الحفاظ على روحاني، لكن هدفه الوحيد هو إجبار الحكومة على التراجع وإحداث بعض التغييرات لصالح المتشددين، لكن إلى أي مدى سيتراجع روحاني؟ وماذا يمتلك المرشد الإيراني من إمكانات للحفاظ على بقائه من دون الانصياع لسياسات روحاني التفاعلية، وتوجهه نحو الانفتاح مع دول العالم؟ لو استطاعت الاحتجاجات تمزيق رداء الأصولية، واستهدفت نظام الحكم بأكمله، فما هي عواقب ذلك؟

* باحث في الشؤون الإيرانية.