أشياء من نافذة سفر

alialqassmi@hotmail.com
علي القاسمي |

علمتنا المطارات أن نكون أكثر أناقة وميلاً للصمت، نمر على الوجوه بتأمل دقيق ونطالع التفاتاتهم ونعرف أن وراء كل مسافر قصة ما، هذا التأمل كافٍ للاعتراف بأننا شعوب تحب الحياة وتأنف العزلة وتميل لمصافحة الآخر، لكن بيننا من يحب أن نعيش مشتعلين متناحرين أن حمل أحدنا في يده ورده لزم على من يقابله أن يشعل عود ثقاب.


في رحلات السفر نبدو منضبطين للقدر الذي نحلم به خارج هذه المطارات، شيء ما يلتحف أرواحنا في هذه الأمكنة، لا أميل بالنسبة العالية للقول بأن حبنا للسفر هو من يجعلنا نبدو بهذا البهاء النسبي الملحوظ، فهناك من تصطحبه المطارات وهو محمل بالحزن والوجع والفراق والهم والخيبات المتكررة، لم ولن تكن المطارات عبوات أكسجين دائمة، هي مزيج من المتضادات والنقائض، لكن الشيء الوحيد الجاذب اللافت فيها تمددنا في ممراتها بـ«بسلوكيات» تستحق التقدير وهدوء مغرٍ، وكأننا نشير لقدرتنا على إحداث التغيير في مجمل أشيائنا، لكننا لا نعرف التغيير إلا حين يحدث أن تذهب بنا اللحظات والأوقات للسماء.

أكتب بالطبع من ساحة مطار، نصف ساعة ونغادر من جغرافيا لأخرى، نختلف في الوجهات وحجم حقائب السفر والمشاعر ومؤشرات الضغط والنبض، بينما نتفق في أن الطوابير تحترم والأوقات كذلك وأن ثمة تفاصيل تخصك في ورقة سفرك تكون جديرة بأن تمضي معها على تطابق تام وإلا كنت في خانة الارتباك والإرباك والقلق. الكتابة وأنت على مقربة من سفر تثيرك وتغريك، تمنحك شعوراً مختلفاً في أن خط سيرنا نحو أن نعيش في كنف مجتمع مختلف وسلوك آسر وانضباط مقنع ليس إلا رهنا لقوانين صارمة ومساواة في التعاطي مع الوجوه، وأن نؤمن في أن المحطة الأخيرة سنصل لها جميعاً على رغم الفروق التي نمارس من خلالها فوقيتنا وصراخنا وشعورنا الدائم في أن الطريق الذي نسلكه لا يجب أن يسلكه غيرنا، أو على الأقل لا نرغب في أن يسبقنا إليه أحد. ليست الظواهر المحيطة بنا في مشوار سفر ظواهر متفائلة 100 في المئة، لكن ثمة ملامح تجبرك على التوقف والتأمل والتحليل والتساؤل؛ هل الخوف من السفر إن آمنا بتوافر الخوف ومشتقاته كافٍ لارتداء عباءات الهدوء ورسم الابتسامة والانشغال مع الذات والإيثار في بضع خطوات وشيء من السلوكيات؟ صحيح أن المطارات الأنيقة ترسم فينا حباً للأناقة والمطارات المنضبطة تعكس فينا التعاطي معها بالانضباط ذاته، إنما عشنا برفقتها مستويات منخفضة من الأناقة والانضباط ولم نكن نرضى لحظتها ومع هذا التدني إلا الحضور والوجود بكتلة من الألق الممكن ورد الفعل الأقل ضجيجاً وإزعاجاً، حربنا الاجتماعية دوماً لا تخرج عن رغبات المسار والممر والنافذة، وحرصنا على أن نبدو بالشكل الجاذب ولو لزمن يسير هو زمن الوصول والمغادرة، حكاياتنا ودوائر خلافاتنا لا تخرج عن فُتات الممر والنافذة، وللأسف فنحن نبلع في الأعلى ما تجود به الممرات والنوافذ، مؤمنين أن هناك مساحة كافية لكل الحقائب التي نحملها بغض النظر عن محتوياتها، في السماء ثمة ترتيب متقن للمسارات والممرات والنوافذ ولو من لوازم الأدب ومتطلبات الوضع، فيما تتورم الفوضى أرضاً وجدليات أي منا يجب أن يكون على الممر ومن هو الذي يستحق اللجوء إلى حضن «نافذة»!

alialqassmi@