مرزوق الغانم في بيروت: لبنان ضرورة عربيّة ودوليّة الحريري: لنؤلّف الحكومة وننفذ اصلاحات موجعة

بيروت - «الحياة» |

شدّد رئيس مجلس الأمة الكويتي مرزوق علي الغانم من بيروت، على أن «لبنان ضرورة عربية ودولية، واستقراره وأمنه ونموه مسؤولية عربية ودولية أيضاً». وقال خلال افتتاح منتدى الاقتصاد العربي إلى جانب الرئيس المكلف تشكيل الحكومة اللبنانية سعد الحريري، وشخصيات مصرفية واقتصادية: «إذا كان نجاح الإصلاح الاقتصادي والمالي في الكويت مرهوناً بالتعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية بصدق وعمق، وبتحمّل القطاع الخاص مسؤوليته التنموية والمجتمعية بكفاءة وشجاعة، فإن نجاح لبنان في الحصول على التزامات الدول والمؤسسات الدولية المشاركة في مؤتمر «سيدر»، مشروط بتنفيذ الالتزام اللبناني المقابل، ليس بالإصلاح الاقتصادي والمالي فحسب، بل، بالإصلاح السياسي المعزّز للتعايش والعدل والمرجعية الوطنية».


أما الحريري، فأعلن أنه «لن يستسلم، وهذا هو الخيار الذي أعمل عليه شخصياً، وثقتي كبيرة جداً بأن المجتمع السياسي اللبناني سيتجاوز مرحلة السجالات التي تسمعون عنها، ليدرك أن مصلحة لبنان وحق اللبنانيين بحياة كريمة، يجب أن يتقدما على كل اعتبار».

وتحدث الغانم عن «رؤية الإصلاح الاقتصادي والمالي في الكويت، التي تستلهم فكر أمير البلاد الذي يطمح الى جعل الكويت مركزاً مالياً واقتصادياً إقليمياً ودولياً»، معلناً «أن خطة الإصلاح الاقتصادي والمالي في الكويت تهدف إلى تحولات رئيسية ثلاثة تتعلق بطبيعة الاقتصاد وقاعدته الإنتاجية وطبيعة القوة البشرية المحرِّكة له». وتابع: «التحولات تتعلق بالانتقال من اقتصاد ريعي يحكمه القطاع العام إلى اقتصاد تنافسي يحركه القطاع الخاص. ومن قاعدة إنتاجية ضيّقة تعتمد على ثروة ناضبة إلى التوسع في قاعدة إنتاجية عريضة تساهم فيها النشاطات المالية والتجارية واللوجستية بنسبة عالية من الناتج المحلي الإجمالي. والتحول الثالث من قوة عاملة تشكل العمالة الوافدة النسبة الأكبر من هيكلها إلى عمالة وطنية تشكل العمود الفقري لهذا الهيكل».

وأشار إلى «أن الرؤية التنموية الكاملة للكويت 2035، يجري العمل على تنفيذها في إطار خطط خمسية متتابعة، وتبلغ تكاليف تنفيذ هذه المشاريع المدرجة في أولاها فقط قرابة 116 بليون دولار، تتوزع على كل القطاعات الاقتصادية، خصوصاً على مشاريع الكهرباء والماء وقضايا الصحة والتعليم. كما تشكل برامج الخصخصة والشراكة بين القطاعين العام والخاص، والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، آليات رئيسية لتحقيقها».

وإذ لفت الى «منظومة تشريعات حديثة ستواكب عملية الإصلاح الاقتصادي والمالي»، قال «إن هذه السياسات والتشريعات تتوجّه نحو الانفتاح الكامل والفاعل، وتسهيل التدابير والإجراءات وإيجاد مناخ استثماري جاذب للاستثمارات العربية والأجنبية».

وتوقّف عند الإصلاح الاقتصادي والمالي في لبنان، قائلاً: «إن برنامج الإنفاق الاستثماري على البنية الأساسية في كل مرافقها ومناطقها، والذي يتضمن أكثر من 280 مشروعاً، يمثل إلى حد بعيد تطلعات لبنان الاقتصادية وطموحه التنموي للمرحلة المقبلة، واستجاب المجتمع الدولي في مؤتمر «سيدر» الى احتياجات التنمية والسلام في لبنان استجابة غير مسبوقة، وفي ظل ظروف اقتصادية ومالية صعبة تسود العالم بأسره».

وعن الإصلاح المالي والاقتصادي في العالم العربي، رأى أن هذا الإصلاح «أشبه بالعمل الجراحي، مؤلم موجع ولكن لا غنى عنه. فالتغيير أول شروط الاستمرار، والتغيير مستحيل مع تمسك كل فريق بخندقه ومكاسبه، ومع بقاء كل مسؤول في منصبه».

وتوقف عند «أحدث تجارب الإصلاح وإعادة الهيكلة من خلال ما يحدث في المملكة العربية السعودية، والتي تتم برعاية مباشرة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وبمتابعة حثيثة من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان». وشدد على «أن الإصلاح في حاجة إلى نفس طويل من الحكومات والشعوب على حد سواء. وهذا النفس لن يكون مجدياً إذا كان قصيراً أو قاصراً أو متقطعاً».

وأسف الغانم الى أن «بعض حكوماتنا لا تصارح شعوبها بالحقائق عن أوجاع الإصلاح وآلامه، وعن فترة التحول وتداعياتها. كما أن هذه الحكومات لا تبين لشعوبها التكلفة المالية والاقتصادية والاجتماعية لتأجيل الإصلاح أو التردد في شأنه، ما يفسر من دون أن يبرر سبب النفس الشعبي القصير في الصبر على مقتضيات الإصلاح وآلامه».

ورأى أن «من الصعب على بعض الحكومات العربية أن تطالب شعوبها بتحمّل تكاليف الإصلاح طوال سنوات التحوّل الجذري، وهي ترى كيف ينتشر الفساد المالي والإداري الذي يستبيح المال العام، ويعيق التغيير، ويشيع أجواء القلق والإحباط واليأس»، مشدداً على «أهمية تحقيق الاستقرار السياسي والأمني والمجتمعي كبوابة لأي عملية تنموية»، وسائلاً عن معنى التنمية والاستثمار في وطن ممزق الأوصال محكم الأغلال، وعن جدوى الإصلاح والانفتاح لدول لا منعة لحدودها وأرضها، ولا حرمة لدم أبنائها ودمع أطفالها.

الحريري

ورأى الحريري في كلمته، «أننا أمام خيار من اثنين: إما الاستسلام للواقع الحالي وللصعوبات التي تواجه لبنان، وإما النهوض بلبنان لتأمين الازدهار لكل اللبنانيين». وقال: «نعلم المصاعب التي تمر بها المنطقة، والأزمات التي تواجه العديد من البلدان العربية، في ظل غياب الاستقرار الأمني والسياسي، وتداعيات الحروب والنزاعات على أوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية، والنتائج التي ترتبت على نزوح الملايين من الأشقاء السوريين إلى الدول المجاورة، والتراجع الكبير في النشاط السياحي، والآثار السلبية لكل ذلك على معدلات النمو والقدرة على استقطاب الاستثمارات، ما يطرح علينا دولاً ومجتمعات وهيئات اقتصادية، مسؤولية التعاون على إنتاج الأطر المشتركة للتفكير في إعداد الحلول، ورسم السياسات القادرة على تطوير وحماية وتفعيل الاقتصاد العربي».

وأضاف: «منطقتنا تحتاج إلى 27 مليون فرصة عمل جديدة في السنوات الخمس المقبلة. والتحدي الأول الذي يواجه البلدان العربية يكمن برفع معدلات النمو، أما التحدي الثاني، فيكمن بجعل هذا النمو نمواً مستداماً يشمل مختلف قطاعات المجتمع، خصوصاً النساء والشباب، وما يعنيه ذلك من إطلاق حيوية لا غنى عنها في الدورة الاقتصادية لبلداننا العربية». وأشار الى «تحدّ يكمن في تنويع مصادر النمو، والذي لا ينطبق على الدول المصدرة للنفط فقط، بل على دول كلبنان والأردن ومصر وغيرها من دول المنطقة العربية. وأكدت التجارب أن تنويع مصادر النمو ضروري لتحصين اقتصاداتنا الوطنية في مواجهة الخضات والأزمات، سواء كانت داخلية أم خارجية. ويتطلب تأمين بنية تحتية عصرية، تسمح بتطوير القطاعات الإنتاجية التقليدية ورفع مستوى إنتاجيتها، كما تسمح للقطاعات والنشاطات الإنتاجية الجديدة، المبنية على المعرفة والابتكار بالازدهار والانتشار». ودعا إلى «تغيير أساليب عملنا كحكومات ومؤسسات عامة، وتطوير تشريعاتنا وإجراءاتنا القانونية والإدارية، لتتلاءم مع حاجات الاقتصاد الحديث وضرورات تحقيق النمو، مع المحافظة على الاستقرار «ماكرو اقتصادي»، وأي زعزعة للاستقرار المالي والنقدي في بلداننا ستكون له تداعيات اقتصادية واجتماعية كبيرة».

وأشار الى خريطة الطريق التي وضعها لبنان «لرفع معدلات النمو وتنويع مصادره وتأمين استدامته، عرضتها الحكومة في مؤتمر سيدر». واستعاد محاورها لجهة «تنفيذ برنامج الإنفاق الاستثماري بقيمة 17 بليون دولار، يمتد على 10 سنوات لتحديث وتطوير البنية التحتية، والحفاظ على الاستقرار المالي من خلال إجراء تصحيح مالي بمعدل 1 في المئة سنوياً على مدى خمس سنوات، وإجراء الإصلاحات الهيكلية والقطاعية الضرورية لضمان الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد، وتطوير التشريعات التي تحكم عمل القطاع الخاص وتحديث إجراءات القطاع العام، ووضع وتنفيذ استراتيجية لتطوير القطاعات الإنتاجية، سواء التقليدية أم الجديدة منها، ورفع قدرة وإمكانات لبنان التصديرية».

وشدّد الحريري على دور القطاع الخاص «الوازن والأساسي، في تنفيذ خريطة الطريق، وأثبت جدارته في تطوير العديد من القطاعات»، لافتاً إلى «إقرار قانون تنظيم الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وإطلاق ثلاثة مشاريع شراكة في قطاعي النقل والاتصالات». ونبّه الحريري الى تفاقم تحديات يواجهها لبنان «إذا لم نحسن التعامل معها. والحل بأيدينا جميعاً كأفرقاء محليين، ويبدأ بالتوقف عن هدر الوقت، ووضع تأليف الحكومة موضع التنفيذ، والمضي قدماً بالإصلاحات المطلوبة مهما كانت صعبة أو موجعة».

وأعرب عن ثقته بأنه «على رغم كل الصعوبات والنزاعات، فإن العالم العربي سيتغلّب على المخاطر مهما اشتدت، وأننا مع البلدان الشقيقة نتوق لمرحلة من الاستقرار وإعادة الإعمار والازدهار والنمو. فكلنا شركاء في عملية النهوض بمنطقتنا».

وتحدث عن «محبة الكويت للبنان والعلاقة التي بين الدولتين والشعبين». وقال: «يا ليت اللبنانيين يحبون لبنان كما يحب الكويتيون لبنان، وكذلك الحال بالنسبة الى كل الخليج، والأمير الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح كان دائماً داعماً للبنان في كل المراحل التي واجهنا فيها حروباً، وهو كان من أول من وقفوا معنا».

وشكر الحريري «حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، فهو لطالما عمل بأمانة لمصلحة هذا البلد، وسط جو سياسي صعب جداً. قد ينتقد بعضهم الحاكم بأن سياساته مكلفة، ولكني أرى أن الخلافات السياسية مكلفة أكثر بكثير، ولذلك ينتهج هو هذه السياسات».