تهديد الذات العربية... الوجود والعدم

خالد عزب |

يبدو أن العرب من الخليج إلى المحيط أصبحوا تحت تهديد الانعدام والوجود. ومن هنا، يمكن أن ندرك مدى عدم إيمان الأجيال الصاعدة بفكرة الرابطة العربية، حتى لو كانت روحية. الإشكالية الحقيقية تكمن في أننا ظللنا منذ القرن الـ19 نُحمّل الآخر سبب تأخرنا وفشلنا، في حين مثّل هذا الآخر بتهديده واحتلاله المباشر سبباً لإيقاظ الوعي بالذات، ومثال ذلك أن حلم استرجاع العربية في الجزائر، صار واقعاً، وأُنشئ مجمع اللغة العربية في القاهرة في عشرينات القرن العشرين وعياً بأن اللغة مكون أساسي للهوية الوطنية، حتى صارت الصحافة في العراق تشكل الوعي، والملكية في المغرب تحيي التراث الموحد للمغاربة.


هنا تبلور مشروع عربي صار هو مسار الصيرورة وحركة تستقطب الآمال وتوظف أكبر قدر ممكن من القدرات والفاعليات لمصلحة الفكرة، التي صارت فعلاً مقاوماً أدى إلى التحرير ثم إلى بناء الدولة والمجتمع عبر التعليم، أساساً. وهكذا اختلط ما هو سياسي بما هو رمزي وأسطوري، ليشكل أيديولوجية عربية حالمة، سرعان ما سقطت مع هزيمة 1967، وسرعان ما استعادت جانباً منها مع حرب 1973.

لكن الهدوء وإعادة البناء مع تطورات العصر سرعان ما اصطدما بجموح بعض القادة العرب، وصراعات أفضت إلى إقفال الحدود ونزعات وطنية أدت إلى معارك في ملاعب كرة القدم. وتجاوز هذا خطاباً ثقافياً عقلانياً عربياً، لم يجد صدى سياسياً. وظلت الشعوب العربية حالمة آملة، إلى أن جاء طوفان العولمة الثقافية عبر شبكة الإنترنت لتقض مضاجع العرب، فنتج منها: تصاعد خطاب العنف عبر شبكة الإنترنت ضد الدولة الوطنية ومؤسساتها، في ظل عدم مواكبة هذه الدولة متغيرات العصر من حيث الخدمات أو الشفافية، وعدم وجود رؤى واضحة للمستقبل، إذ إن الغموض سيد الموقف والأمل لدى الأجيال الجديدة بات في الهجرة، بل حتى في ظل الوفرة في بعض الدول. استقطاب حديّ لدى الأجيال الجديدة بات واضحاً حين نشوب خلاف أو حتى هزيمة في مباراة لكرة القدم، وتزايد النعرة الوطنية التي تصل إلى حد التطرف.

وعلى رغم هذا، بات الإنترنت مجالاً للتفاعل العربي - العربي في صورة غير مسبوقة، بحيث راحت الأجيال المؤمنة بوحدة المصير، تعمل بعيداً مِن السياسة وألاعيبها. من هنا، نرى مجموعات على وسائل التواصل الاجتماعي للمؤرخين والأطباء وعلماء الاجتماع في تفاعل يصل إلى حد تبادل الخبرات والمعرفة... والهدايا، ليشكلوا أداة جديدة لبناء الذات العربية في ظل ضعف أداء المؤسسات الرسمية العربية، أو خلافات الدول العربية، حتى أن بعضهم صار يقيم ندوات ونشاطات عبر هذه الوسائط تتجاوز فكرة الموازنات.

لكن هذه الذات العربية تقف ضعيفة أمام تراجع اللغة العربية كأساس مشترك في ظل تغلغل التعليم غير الوطني، فالإنكليزية في مصر ودول الخليج صارت لغة الكثير من المنتديات. ولو عاد طه حسين إلى الحياة وقيل له إن إعلانات الشوارع في مصر باللغة الإنكليزية لأصابه الذهول. ولو رأى سعد زعلول أسماء أحياء ومدن وشوارع بلغات غير العربية في الدول العربية، لماتَ كمداً. بل إن أبا القاسم الشابي لو شاهد حال العربية في تونس لطالب بنسيان شعره ومات بالسكتة القلبية. إذاً، هذه الهوية باتت مهددة في وجودها، وأصبحت المراجعة حاجة ملحة لإعادة بناء الذات العربية، وهي مسألة لا فرار منها من أجل مواكبة معطيات عصرنا وتحدياته.

* كاتب مصري


الأكثر قراءة في الرأي