ارتفاع الطاقة الإنتاجيّة الشرق الأوسطيّة بعد تذبذب سنوات لزيادة التحديات الجيوسياسيّة

وليد خدوري |

استطاعت الصناعة النفطية العالمية منذ تأسيسها، زيادة طاقتها الإنتاجية لتلافي ارتفاع الطلب المستقبلي على رغم التحديات الجيوسياسية. ودليل حي على هذه الظاهرة، زيادة الطاقة الإنتاجية في المنطقة أخيراً، وفق التقرير البحثي في حزيران (يونيو) للشركة العربية للاستثمارات البترولية (أبيكورب) ومقرها الدائم الدمام، السعودية.


تأسست «أبيكورب» في 1975، من أعضاء منظمة الأقطار العربية المصدرة للنفط (أوابك)، الذين شاركوا في تمويلها من خلال شراء أسهمها. يشير التقرير الى استطاعة العراق زيادة إنتاجه، رغم معركته لتحرير الأرض من «داعش». كما استطاعت إيران زيادة إنتاجها بعيد رفع العقوبات على إثر التوقيع على الاتفاق النووي في 2015 . وارتفع الإنتاج الليبي الى 1 مليون برميل يومياً للمرة الأولى منذ 2013. كما أن التخطيط لزيادة الطاقة الإنتاجية أشار الى زيادات مستقبلية واعدة، مع ارتفاع عدد الحفارات العاملة في المنطقة، وإعلان الكويت والإمارات تخصيص 220 بليون دولار لتطوير قطاع الطاقة بحلول 2022. لكن زادت الأمور تعقيداً مع فرض عقوبات أميركية جديدة على إيران، ما يعني خلق وضع جيوستراتيجي جديد يتطلب طاقة إضافية أعلى لمواجهة الخفض الجديد في طاقة «أوبك». فمن دون توفير طاقة إنتاجية فائضة جديدة، سيطرأ خلل جديد في الأسواق إذا لم يتم احتواؤه.

تقلصت الإمدادات من دول شرق أوسطية عدة منذ نشوب الربيع العربي في كانون الأول (ديسمبر) 2010، وصاحبت ذلك العقوبات على إيران التي خفضت الصادرات. وتوقفت الصادرات كلياً من سورية واليمن، بينما انخفض الإنتاج من ليبيا من نحو 1.5 مليون برميل يومياً في 2011 الى نحو 220 ألف برميل يومياً. لكن في الوقت نفسه، ارتفعت الأسعار وزادت الإمدادات، تحديداً من الولايات المتحدة. في الوقت نفسه، أدى كل من زيادة الأسعار (100 دولار للبرميل) وزيادة الإمدادات، الى حدوث خلل في الأسواق (انخفاض الطلب وزيادة الفائض النفطي في الأسواق)، وتدهورت الأسعار في كانون الثاني (يناير) 2016.

لكن، على رغم انخفاض الأسعار وزيادة التحديات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، استمر تدفق الإمدادات إيجابياً من المنطقة حتى أوائل 2015. فمع رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران في 2016، ازداد الإنتاج الإيراني من 2.9 مليون برميل يومياً أثناء فترة العقوبات الى 3.6 مليون برميل يومياً بعد رفعها. كما رفع العراق إنتاجه، على رغم التحديات الداخلية، وتحديداً طرد «داعش» والخلافات مع حكومة إقليم كردستان.

استطاع العراق زيادة الإنتاج من الجنوب خلال 2016 الى نحو 4 ملايين برميل يومياً. لكن تصاعدت الخلافات مع حكومة الإقليم بعيد دحر «داعش»، فخسر الإقليم في تشرين الأول (أكتوبر) 2017 نحو 280.000 برميل يومياً من مجمل إنتاجه البالغ 610.000 برميل يومياً.

واستطاعت ليبيا زيادة إنتاجها الذي تراوح في نطاق 300.00 - 700.000 برميل يومياً. فقد ارتفع الإنتاج الى 900.000 برميل يومياً خلال النصف الثاني من 2017، ومن ثم 900.000 برميل يومياً، وازداد خلال الربع الأول لعام 2018 الى أكثر من مليون برميل يومياً.

ورفعت السعودية إنتاجها نحو 500 ألف برميل يومياً في 2016. كما رفع العراق إنتاجه نحو 350.000 برميل يوميا خلال 2016. وحافظت مجموعة دول مجلس التعاون على معدل إنتاجها القياسي ولم تخفض الإنتاج سوى بعد اتفاق «أوبك» للتخفيض في تشرين الثاني 2016.

لقد هيمنت فترة من ازدياد الإمدادات في الأسواق لسنوات عدة. الأمر الذي أدى الى تقليص أخطار التحديات الجيوسياسية في حينه. لكن تغيرت الصورة منذ الربع الثاني لعام 2014، حيث ازداد العرض على الطلب في شكل ضخم. فاختل التوازن في الأسواق بفائض للعرض مقداره 1.5 مليون برميل يومياً منذ النصف الثاني لعام 2016 وحتى عام 2017، على رغم بداية تقلّص الفائض خلال 2017. نتج من هذا الفائض في الإمدادات، ارتفاع المخزون التجاري النفطي لدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من نحو 640.2 مليون برميل في أيار (مايو) 2014 الى ذروتها 3110 ملايين برميل في تموز (يوليو) 2016. وأدى ازدياد فائض المخزون هذا الى الضغط على الأسعار وتدهورها الى أقل من 30 دولاراً.

لعبت عوامل عدة دورها في الوقت نفسه، في ازدياد الأسعار. فارتفع الطلب العالمي على النفط من 95.2 مليون برميل يومياً في كانون الثاني 2016 الى 98.5 مليون برميل يومياً بنهاية 2017. كذلك، لعب تقنين الإنتاج 1.8 مليون برميل يومياً من جانب «أوبك» وحلفائها، تحديداً روسيا، دوراً في عودة فائض المخزون النفطي الى مستواه المنشود. من ثم، أدى تقلص كل من فائض المخزون والطاقة الإنتاجية من جهة، وازدياد التحديات الاستراتيجية من جهة أخرى، الى زيادة الحذر في الأسواق.

وخلص تقرير «أبيكورب» الى الاستنتاجات التالية: ازدادت الإمدادات من الأقطار العربية الأعضاء لمنظمة «أوبك» خلال الفترة ما بين الربع الثاني لعام 2014 ونهاية 2016. وانخفضت الإمدادات فقط بعد اتفاق «أوبك» وحلفائها، الذي بدأ تنفيذه في الأول من كانون الثاني 2017.

تغيرت أساسيات السوق خلال 2017. فارتفع الطلب على النفط واستطاع التحالف النفطي للسعودية وروسيا تخفيض فائض المخزون النفطي العالمي الى مستواه المعهود للسنوات الخمس الماضية، ما أدى الى توازن العرض والطلب في الأسواق واستعادة الأسعار حيويتها.

ازدادت الأخطار الجيوسياسية في الشرق الأوسط، تحديداً مع انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الاتفاق النووي الإيراني، الأمر الذي سيؤدي الى مخاوف الأسواق من اضمحلال الطاقة الفائضة وارتفاع الأسعار. والشرق الأوسط هو المنطقة الوحيدة ذات الطاقة الفائضة التي تستطيع تعويض النقص الناتج من مقاطعة الصادرات الإيرانية.

لم يستطع النفط الصخري الأميركي أن يشكل بديلاً كافياً لتعويض النقص ومن ثم المخاوف من خلل جديد في الأسواق. فهناك نقص واضح في الولايات المتحدة للحصول على الأنابيب اللازمة لنقل النفط الصخري. ويحاول الرئيس ضغوطه على «أوبك» لزيادة الإنتاج. ما قد يدفع أقطار «أوبك» الى زيادة الإمدادات بهدف توازن الأسواق وتفادي ازدياد الطلب على العرض.

* كاتب عراقي متخصص في شؤون الطاقة.