المنتخب المغربي لكرة القدم نموذجاً لمسالك الهوية الرياضية

الدار البيضاء - خديجة الفتحي |

تشكّل الرياضة إحدى أفضل الطرق لاستكشاف ظواهر إزدواجية الإنتماء الثقافي أو الوطني. نموذج المنتخب المغربي لكرة القدم الذي يضم بين صفوفه أكثر من 20 لاعباً مزدوج الجنسية، والتي تطرح عدداً من الأسئلة في عالم يتحكمّ فيه انتماء تضبطه قواعد إدارية واجتماعية وعاطفية، فبمجرد ما يتحقق النجاح من خلال أداء مميز، أو ميدالية أو كأس، تسعى مختلف القوى السياسية والهيئات الرياضية إلى غنم الفوائد الممكنة وسط الرأي العام. وحين يختار لاعب جنسيته الرياضية بغض النظر عن مساره الميداني في الأندية الأوروبية، تصبح مسألة المواطنة بين الهنا وهناك على محك النقاش السياسي والإعلامي ووسائل التواصل الإجتماعي، ما يجعل بعض المواهب في حيرة من أمرها حين تستدعى من طرف الناخب الوطني في بلد المنشأ أو بلد الأجداد، فكيف لمن أختير أن يرتاح وكل الراحات عذاب، أمام ضغط عالٍ ومرتفع على اللاعبين يمارسه المحيط الاجتماعي والنادي والصحافة والجمهور. وتبعاً لاختياراتهم يُرحب بهم في أرض وتضيق عليهم أخرى، يثلجون صدر جمهور بلد تعذّب بالانتظار، وينعته الآخر بالغدر والتخوين.


خطابات تتكرر، تخبو وتخرج عن صمتها، خصوصاً في المناسبات الرياضية الكبرى، التي تشدّ أنفاس الناس وتحترق فيها أعصابهم على غرار لحظات في مونديال روسيا 2018 الذي أختتم أمس، وتداعياتها النفسية والإجتماعية على الشعوب.

ومن قبيل ذلك، أن المرء لا يستطيع مثلاً أن يقيس لا بملعقة القهوة أو الموازين المعدة للأحجام الكبيرة، الإحساس والمتخيّل الفردي والجماعي للجمهور المغربي والبلجيكي، وهم يتابعون هدفي الثنائي المغربي الأصل، مروان فلايني وناصر الشاذلي، في مباراة بلجيكا واليابان، واللذان أسهما في بلوغ «الشياطين الحمر» مراحل متقدّمة وصولاً إلى الدور نصف النهائي.

هذه الأيقونات بإنجازاتها وتبليلها للقميص البلجيكي عرقاً، ربما قد تلعب دوراً في تذويب الصور النمطية حول أبناء المهاجرين المغاربة والعرب عموماً، والإسهام في تخفيف حدة إحساس المجتمع البلجيكي بالارتفاع الجامح للعنف، الذي يقترن لديه بهذه «الطائفة» من أبنائه، الذين تنعتهم خطابات بـ «الهمجيين» والشباب المجرّدين من الإنسانية ومن دون ضمير، وبدائيين إجتماعيين، يحرقون السيارات ومستوعبات القمامة ويهاجمون الشرطة ورجال الإطفاء، ويدمّرون أحياءهم الخاصة، أحياء أفرزت منحرفين وإرهابيين أمثال صلاح عبدالسلام ذو الأصول المغربية المخطط الرئيس لتفجيرات بروكسل وباريس.

وها هنا بالمغرب، سيجد الجمهور، خصوصاً فئة الشباب، في هدفي مروان فلايني وناصر الشاذلي، عزاءه في إقصاء «أسود الأطلس» من المونديال، وفخراً كذلك بأبناء جلدتهم. فخر وجد ترجمته في وسائل الإعلام المغربية عبر عنوان أبرز: «بلجيكا تتأهل للربع بأقدام مغربية»، غير أن الحدث السعيد سيفجر في الوقت عينه، مواجع لدى الجمهور المغربي بسبب تفريط القائمين على الشأن الكروي في طاقات ومواهب محترفة في الخارج أمثال فلايني.

وسيعبّر عنها مجدداً رواد وسائل التواصل الإجتماعي، عبر نقاش حاد وهجوم لاذع على «الإطار الوطني» فتحي جمال، الذي اتهموه، بـ «طرد اللاعب المغربي الجنسية مروان فلايني من صفوف المنتخب الوطني المغربي»، بدعوى أنه لا يتوافر فيه «البروفايل» المناسب لإرتداء «القميص الوطني»، وذلك في الفترة التي كان فيها جمال مشرفاً على المنتخب خلال استعداداته لتصفيات دورة بكين الأولمبية عام 2008.

تفاعلات وجدت لها صدى في وسائل اعلام محلية ودولية، ومنها قنوات رياضية مختصصة، استوضحت جمال الذي قال: «مروان لم يكن جاهزاً ولا في المستوى المطلوب حينها، وكان هناك لاعبون أفضل منه، مثل كريم الأحمدي الذي يشغل المركز عينه، لذ طلبنا منه الإنتظار بينما كان لفلايني رأي آخر».

وبالعودة إلى قصة هذا اللاعب التي أسالت مداداً كثيراً في زمنها وحتى الساعة، يشار إلى أنها بدأت مع الأب عبداللطيف فلايني، الذي اصطدم خلال احترافه كرة القدم كحارس مرمى في ناديي حسنية أغادير والرجاء البيضاوي بمعوقات كثيرة لتحسين ظروف ممارسته، ما جعله يترك الكرة وحلمه الوردي للحاق ببلجيكا، ليعمل سائقاً، ليعيش بعدها حكاية نجله مروان الذي يرتدي اليوم قميص «الشياطين الحمر» في إنكلترا مع مانشستر يونايتد وفي بلجيكا مع منتخبها الأول. فخلال العام 2007 سيحمل الأب أوراقاً وصوراً ومقاطع فيديو الابن مروان، ليجول بها على الهيئات الرياضية طارقاً الأبواب من أجل إيجاد فرصة صغيرة لنجله كي يحمل ألوان قميص المنتخب المغربي.

ولم يجد عبداللطيف لطلباته مجيباً، فاستسلم وعاد أدراجه نحو أرض المهجر بلجيكا، ليبادر الإبن مروان لاحقاً ويتقدّم للمشاركة مع المنتخب الأولمبي في تصفيات «بكين 2008». لكن المدير الفني فتحي جمال وجد أن قامة مروان لا تصلح لكرة القدم، الواقعة كانت مثار سؤال مقدّم برنامج في إحدى القنوات الرياضية الفرنسية، بثّ قبل إنطلاقة مونديال روسيا، فكان جواب مروان ديبلوماسياً، «إذا لم أكن أصلح لمنتخب المغربي، فأنا أليق بالمنتخب البلجيكي».

باب أرحب

قصة أخرى للاعب من أصول مغربية توزّعت به السبل بين اللعب للمنتخب المغربي أو الإسباني، إنه منير حدادي، ابن مهاجر فقد مقوّمات كرامة العيش في بلده واختار الهجرة السرية بحثاً عن حياة أفضل، فبعد حياة البؤس التي عاشها والد حدادي إبن مدينة الفنيدق (شمال)، سيرهن حياته ومصيره بالكامل بمصير راكبي «زوارق الهجرة غير النظامية»، ذلك الزورق الذي حشر فيه والد حدادي نفسه مع 40 من المهاجرين السريين قصدوا الضفة الأخرى، حيث انطلق صوب حياة أفضل، ستكون محرّكاً ومحرّضاً للحدادي الأب على استبدال الإنتماء المغربي لطفل من صلبه بانتماء إسباني. فهذا الطفل الذي رُزق به سيفتح له باباً أرحب، بعد أن إكتشفه خوسيه لويس كولومو ومعه غارسيا باميينتا، ليلتحق بنادي برشلونة. كولومو وبتكليف من مدرّب المنتخب السابق فنسنتي ديل بوسكي اتصل بوالدة حدادي وقال لها: «عليه أن يحلق رأسه على الطريقة الإسبانية» (يعني أن يغسل دماغه من فكرة اللعب للمغرب). لو فعل عكس هذا كان سينتهي حلم بقائه في صفوف بارسا، وسيدفن موهبته»، كما تروي الوالدة، كما نقلت وسائل إعلام.

وخاض حدادي 15 دقيقة مع المنتخب الإسباني ولم يستدعَ بعدها إلى صفوفه. وأخيراً جدد رئيس الإتحاد المغربية محاولة ترتتيب ملفه لدى الاتحاد الدولي ليتمكن من الدفاع عن الوان وطنه الأم، لكن من دون جدوى. وفي واحدة من المظاهر التي تعكس غرابة الرابط الذي يسيطر على مشاعر اللاعب المغربي الذي ينشأ ويتربّى في أوروبا، وفق ما أوردته وسائل إعلامية محلية، حالة اللاعب أنور غازي الذي سبق وأعلن جهاراً في تصريحات عدّت امتداد لما أدلى به زملاء له، اختاروا الولاء للمنتخب الهولندي على حساب نظيره المغرب.

«غازي قال إنه استشار محيطه ومقربين يثق بهم كثيراً، وخص بالذكر النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو لحسم وجهته واختياره، وخلص بعدها إلى أن اللعب لمنتخب المغرب سيكون بمثابة خيانة للبلد الذي احتضنه وساهم في شهرته». ويضيف المصدر ذاته، باختصار مسؤولون كثر في فرق أوروبية غالباً ما خاطبوا اللاعب المغربي بمدلول العبارة التالية «لا تأكل الغلة وتسب الملة»، أي لا تلعب لمنتخب بلد لم يطعمك من جوع ولم يأويك من برد وخوف.

ضيق الخيارات

«بين أن تلعب في المرحلة النهائية من كأس العالم وخطر الإقصاء منذ الدور الأول لكأس أفريقيا ليس هناك من خيارات كثيرة»، تلخص هذه المقولة للاعبين مغاربة دوليين عنصر الهيبة الذي يكتسبها اللاعب في أندية وفرق أجنبية، بل وجعل مساره المهني ذا مردود مجزٍ. كما تضيق هذه الخيارات حين يدمن منتخب بلده الأصلي على الفشل حالة المغرب في العقدين الأخيرين وكذلك الجزائر، وإن كانت الإحصاءات والأرقام تضع ظاهرة الجنسية المزدوجة للاعبي كرة القدم في الدوريات الأوروبية، من أبناء المهاجرين المغاربة على رأس اللائحة أفريقياً وعربياً.

ومع ذلك هناك استثناءات كثيرة لبت نداء القلب، لكنها ستثير في الوقت عينه نقاشاً حول الهوية الوطنية للفرق، (19 لاعباً جزائرياً مزدوجو الجنسية في كأس العالم سابقاً، وأكثر من 20 بالنسبة للمغرب حالياً).

هذا النقاش الذي لم تسلم منه أيضاً فرق أوروبية وفي مقدمها الفرنسية، حيث تركز النقاش الإعلامي على صدام الثقافات وفشل الإختلاط. وقد أثارت النتائج السيئة لفرنسا خلال كأس العالم في جنوب أفريقيا عام 2010 ردود أفعال لها علاقة بلون البشرة بلغت الجمعية الوطنية. و «هذا الخلط منح طابعاً راديكالياً للخطابات المتعلّقة بانغلاق المجتمعات المحلية على نفسها، لأسباب تتعلق بالحمائية أكثر ما تتعلق بالاعتزاز الوطني» وفق جان فرانسوا ديانا (أستاذ محاضر في جامعة بول فيرلين في ميتز– فرنسا).

وإذا كانت فرنسا اليوم منتشية بإنجازات عثمان ديمبلي وأصدقائه، خصوصاً من ذوي البشرة الملوّنة، فإن مصطلحات النبذ والوصم والإقصاء ستخبو في الفضاء العمومي الإعلامي، عكس فترة «جنوب أفريقيا 2010».

وفي المقابل، فإن هولندا المتحسّرة على فشلها في التاهل غلى مونديال 2018، ستصف بعض الأيقونات التي اختارت اللعب للمنتخب المغربي بالخيانة، حالة حكيم زياش الذي لا يزال يحمل في ذاكرته معاناته مع الإعلام ومع الجمهور. ونستحضر بالمناسبة أنه حين أهدى في آخر مراحل الدوري السابق إصابة لفريقه أياكس أمستردام، توجّه نحو الجمهور للاحتفال، لكن الأخير رماه بعبوات المياه، سخطاً على قراره. وإذا كان يترتب على خيارات اللاعب في بلاد المهجر التهديد بالطرد وتجميد وضعه داخل ناديه أو التضييق الشديد على منافذ تحليقه صوب آفاق إحترافية أرحب، فإن بلده الأصلي لن يتسامح معه في حالة رفضه اختيار اللعب لمنتخبه الوطني، خصوصاً وأن قرارات اللاعبين في مثل هذه الحالات كثيراً ما تتسم بالحيرة والتردد.

ونستحضر حالة ناصر الشاذلي، لاعب توتنهام الإنكليزي، الذي لبّى نداء بلده الأصلي لكن سرعان ما تراجع عنه، وقال في مقابلة أجرتها معه صحيفة الـ «غارديان» البريطانية، إنه «شعر بارتياح بالغ لدى زيارته معسكر المنتخب البلجيكي، على نقيض إقامته في معسّكر لأسود الأطلس تخللتها بعض الحيرة والتردد». وزاد: «كنت على وشك اختيار المغرب، قبل أن يدعوني مدرب بلجيكا لزيارة المعسكر، حينها أيقنت تمام اليقين برغبتي في اختيار المنتخب البلجيكي». وأضاف في السياق ذاته : «لا أزال أحب المغرب، لكن كان هناك شيء لم أكن متأكداً منه، في المغرب كان ثمة ضغط كبير علي، عكس بلجيكا التي تركت لي حرية الاختيار».

وفق سياقات زمنية، ترتفع فيها الأصوات كلما سحب بلد أوروبي موهبة أو لاعباً من المنتخب المغربي، وتُوجه سهام النقد إلى اللاعب وأسرته ومحيطه، وتتجاوز هذه الأصوات أحياناً مداها المسموح به لتطعن في وطنية اللاعب وشعوره القومي بالإنتماء لبلده وكونه مارس فعلاً يرقى للجرم والخيانة. لكن في سياقات زمنية أخرى، تصدر خطابات حول الهوية مفارقة للأولى.

وبالعودة إلى المباراة التي جمعت المغرب وتنزانيا في 9 تشرين الأول (أكتوبر) 2010، فقد ضمت تشكيلة «أسود الأطلس» 8 لاعبين يحملون يحملون الجنسية الفرنسية و3 الجنسية الهولندية، حينها كتبت صحيفة «فوتبول»: «هذا الوضع يهدد مستقبل المنتخب الوطني لكرة القدم لأن لدى اللاعبين معايير للاختيار لا تتطابق مع مثيلتها في بلدانهم الأصلية. وقد أظهرت التجربة الأخيرة أن عدداً من مواطنينا يرفضون أو يترددون في اختيار المغرب»، كما شجب اختيار اللاعبين المغاربة ذوي الجنسية المزدوجة البقاء في بلد الإقامة مثل خالد بلحروز، وإبراهيم أفولاي (هولندا) ويونس كابول (إنكلترا).

وسيتجاوز الشجب الحد المسموح به، حين سيصف موقع «يابلادي» الإلكتروني المنتخب الوطني بـ «المرتزقة»، بالقول «علينا الإكتفاء الآن بفريق من المرتزقة، لنقلها بصراحة الحل لن يأتي من الخارج، تجديد كرة القدم لم يأتِ سوى من الداخل، يجب أن لا نتوهّم (...)». لقد أصبح من المسلمات أن ترتبط سمعة بلد معين وفي شكل كبير، بالنتائج والإنجازات التي يحققها رياضيوه خلال الإستحقاقات الدولية الكبرى. لكن الاختيارات الصعبة والمؤلمة لرياضين إرتدوا قمصان بلدانهم الأصلية لأجل هذه الغاية، لا يصبح لها مفعول سحري إلا إذا قدمت نتائج إيجابية، وإلا علّق عليها الفشل، وينطبق المر ذاته على من اختاروا اللعب لبلد المنشأ والولادة. إنها مفارقات ستظل ملتصقة بمسالك الهوية الرياضية.