«تويتر» تضرب تجار الشهرة

فهد الدغيثر |

«إعلامية بقناة الجزيرة صنفتها مجلة Forbes الأميركية في ٢٠٠٦ من بين النساء الأكثر تأثيراً في العالم العربي. فازت في استفتاء CNN عام ٢٠١٥ بلقب إعلامية العرب الملهمة». هذا هو نص «البايو» الذي وضعته إحدى مذيعات قناة «الجزيرة» في صدر حسابها في موقع «تويتر». كان يتابعها قبل أسبوعين أكثر من ١٠ ملايين مغرد. اليوم بالكاد يصل إلى ٦٠٠ ألف بعد أن طبقت شركة التواصل برنامجاً يزيل الحسابات الوهمية التي تباع في كل مكان. هذه المذيعة وهي بالمناسبة «متحجبة» ويفترض أن تكون أكثر ورعاً، ليست وحدها بالطبع فقد اكتشفنا، وكنتيجة للإجراء نفسه أن قناتها «الجزيرة» برمتها مارست هذا التزوير أيضاً واشترت متابعين بالملايين في السابق ليهبط العدد في ما بعد بنسبة ٦١ في المئة.


لا أتوقع من المؤسسة الموظفة لهذه المذيعة وأقصد قناة «الجزيرة» أن تتخذ إجراء عقابياً بحقها طالما أن المؤسسة نفسها مارست الجريمة ذاتها. لاحظوا هنا أن مهنة القناة والمذيعة مرتبطتان بالثقة والصدقية والأمانة و «المهنية»، ولذلك عند حديثنا عن هذه الممارسة فإن هناك فروقاً كبيرة في الذنب والخطيئة بين طفلة تريد الشهرة مثلاً وتنفخ حسابها في «انستغرام» وبين مؤسسة وأفراد يفترض أن تكون مهمتهم مواجهة الغش وفضح من يمارسه وتنبيه المشاهدين عنه. ما فعلته هذه القناة ومذيعتها يشبه تماماً فعل ذلك المدعي العام أو القاضي الذي يقيم الدعاوى ويحكم على المتهمين بالبغاء وممارسة تجارة المخدرات ويحاضر في مرافعاته عن الفضيلة والقيم من مكتبه اللامع أو من مقعده المرتفع في منصة المحكمة ثم يمارس هذا السلوك بنفسه في الظلام بعد انقضاء فترة الدوام.

التعديل الذي لجأت إليه «تويتر» لم يكن منه مناص، إذ انتشرت ظاهرة تضخيم عدد المتابعين من طريق الشراء إلى الحد الذي أدخل الشكوك لدى المعلنين في صدقية الموقع. المذهل هنا أن هذه الظاهرة وهي معروفة لدى المغردين المهتمين، كانت تمارس من بعض الدجالين والأطفال ومن بعض توافه البشر ممن يلجأون لشراء القصائد الشعرية ليشتهر بها كشاعر ونحو ذلك. لم يخطر ببال أحد أن الشيخ تميم بن حمد آل ثاني نفسه وهو رئيس دولة، قد يلجأ لها وقد فعل مع الأسف، إذ هبط عدد متابعيه بعد إلغاء المعرفات الوهمية بشكل مفزع (من أكثر من مليونين ونصف إلى مائتي ألف فقط) من دون أي تعليق أو تبرير من ديوانه.

المؤسف أيضاً أن أكثر من تم ضبطهم متلبسين هم من منطقتنا العربية. لم أقرأ عن وجود آخرين حول العالم تزيد أعدادهم عن أصحاب الحسابات الوهمية المكتشفة في قطر وحدها على سبيل المثال، نسبة إلى عدد سكانها. أحد تجار المجوهرات القطريين كان يشتري حسابات وهمية ويظهر عدد متابعيه فوق الستة ملايين متابع. وعلى رغم توزيعه الهدايا المجانية والإغراءات الأخرى لجذب المتابعين فقد هبط الرقم بنحو ٦٠ في المئة.

الحقيقة لا يوجد فارق بين من يشتري متابعين لحسابه في «تويتر» أو «انستغرام» وغيرها من المواقع ومن يشتري شهادة جامعية مزيفة أو وهمية، لأن الهدف واحد وهو التضليل والتزوير. هنا تصبح المشكلة أخلاقية وتعبر عن تدنٍ مروع للقيم والمبادئ، وطالما أن هذا الجرم يمارس بواسطة عدد لا بأس به من الشخصيات العامة والمسؤولين في بعض الدول، فهل تكتفي الأجهزة الرقابية في الدول العربية بالجلوس في كراسي المدرجات وتتفرج فقط أم نتوقع منها اتخاذ الإجراءات العقابية بحق المزورين حماية للمجتمع من تضليلهم. في السياق ذاته، هل نتوقع من مجلة Forbes الأميركية الرصينة سحب اسم مذيعة «الجزيرة» التي صنفتها المجلة من بين الأكثر تأثيراً في العالم العربي، هذا على افتراض حقيقة وصحة ما وضعته المذيعة نفسها في صدر صفحتها، بعد انكشاف سلوكها وممارساتها المخجلة؟

الدنيا مليئة بالفرص وهذا الإجراء من شركة «تويتر» يثبت انحياز الشركة إلى الصدق والشفافية وكسب الثقة حتى مع ما يسببه ذلك من نقص كبير في عدد المشتركين. علينا أن نستفيد مما حدث وأن نمارس الأدوار المنوطة بنا وذلك بالارتقاء بمفهوم جرائم التزوير والغش وإعادة تعريفها وتعريف عقوباتها، وألا يقتصر فهمنا لتعريف المزور بأنه من يقلد العملة أو يشتري الشهادة الجامعية فقط. في هذا الاتساع المعرفي والتواصل على مستوى الكرة الأرضية بين الشعوب لا بد من هذا التطوير وتوفر المرونة في تعديل الأنظمة والعقوبات مع تكثيف المراقبة المتقدمة. لا بد أيضاً من رفع جاهزية واستعداد الجهات القضائية وتنمية قدراتها للوقوف سداً منيعاً أمام ضعفاء النفوس وإصدار الأحكام الملائمة على مرتكبيها والتشهير بهم صيانة للقيم وترسيخاً للمبادئ الكبرى. هذه مسؤولية جماعية علينا جميعاً لخلق بيئة نزيهة خالية من الدنس والابتزاز وهو ما نطمح أن يتحلى به هذا الجيل وأجيال الغد. ولنتذكر بأن من يمارس هذا التزوير يملك الإمكانات لفعل ما هو أخطر لذا فالسكوت عن سلوكه قد يدفعه إلى المزيد من النهب والتفنن في الغش والتدليس وتتسع في ما بعد دائرة المتضررين.

* كاتب سعودي