قمة هلسنكي: هكذا تُصنع الأزمات

حسن منيمنة |

في ما يتعدى التبجّح والصبيانية والنكايات والتي لا يكاد أي تصريح للرئيس الأميركي دونالد ترامب يخلو منها، وفي ما يتعدى السيل الجارف من الإساءات والهفوات والإهانات في كلامه وسلوكه، والتي تتحدى القدرة على الاستهجان، ثمة ما يدعو إلى فائق القلق في الأداء المريع لرئيس الدولة العظمى الوحيدة في العالم خلال القمة التي عقدها مع نظيره، بل وفق التبجيل والوقار من دون مقابل من جانبه له. إنه صاحب المقام الأسمى، رئيس الاتحاد الروسي فلاديمير بوتين.


فبدلاً من أن تضع هذه القمة الأسس لتصحيح العلاقة بين الدولتين، فإن من شأن تداعياتها، ما لم يحصل التصحيح السريع (وليس ما يشير إلى أنه مقبل)، أن ترفع حدة التوتر والخطر بين الدولتين وفي الأمن الدولي.

تبقى الولايات المتحدة قوة عظمى على حدة إذا ما أخذت بالاعتبار المعطيات كافة لبلوغ هذا التصنيف: القوة العسكرية الضاربة القادرة على التدخل السريع والفعال، الاقتصاد القوي الموجّه للمسار الاقتصادي العالمي صعوداً وهبوطاً، الحضور السياسي الناشط والحاسم على المستوى الثنائي للدول على مدى الكوكب، الدور القيادي في مؤسسات دولية وإقليمية جامعة على مختلف المستويات، الدور الريادي في الابتكار والتحكم بالإنتاج وتوجيه الاستهلاك، المرجعية المالية العالمية من خلال اعتماد عملتها الوطنية معياراً للتعامل معها ومن دونها. والقائمة تتواصل. أما إذا خُفِّض معيار التصنيف، لتكون القوة العظمى الجهة التي تحظى بالقدرة التنافسية إزاء الولايات المتحدة في بعض هذه الأوجه، فينضمّ إلى عداد القوى العظمى كل من الصين والاتحاد الأوروبي لاعتبارات اقتصادية، وروسيا لاعتبارات عسكرية، من حيث قوتها التدميرية النووية وإن كانت سائر قدراتها وجاهزيتها أقل بأشواط من الولايات المتحدة.

ثمة غرابة إذاً في أن يسعى الرئيس الأميركي الذي يفاخر إلى حد الوقاحة بتغلّب بلاده على سائر العالم، ويعلن أمام الملأ رفضه أي تنازل أو اعتذار في السعي إلى تحقيق مصلحتها وعظمتها، إلى استرضاء الرئيس الروسي بلا مقابل.

المواضيع الخلافية بين الجانبين عديدة. أولها، تاريخياً، الحزم الأميركي في الدفاع عن منظومة الدول الغربية التي تربطها بالولايات المتحدة علاقات اقتصادية وسياسية مستتبة قائمة على التماثل في المصالح والنظم والقيم. ولم يكن هذا الدفاع يوماً عملاً خيرياً، بل إن النفوذ الأميركي على مستوى العالم ككل، وموقع الولايات المتحدة كدولة عظمى قادرة على فرض الاستقرار، نابع من قيادتها لهذه المنظومة. وجزء مهم من التماسك داخل هذه المنظومة يتحقق من خلال الترابط الاقتصادي بين الولايات المتحدة والدول المعنية. ومن هنا، فإن استمرار وجود القدرة التدميرية الفائقة، بعد انتهاء الحرب الباردة، بيد جهة في موقع الخصومة الممكنة أو المتحققة لهذه المنظومة، أي روسيا، دفع الولايات المتحدة إلى الحفاظ على حلف شمال الأطلسي، بل توسيعه، فيما مساعي التواصل مع روسيا لغرض الانضمام إلى هذه المنظومة، اقتصادياً ثم أمنياً، بقيت مستمرة.

مسألة ما إذا كانت هذه الريبة بروسيا، بل السعي إلى المزيد من التطويق لها بضمّ الدول التي كانت تدور في فلكها إلى حلف شمال الأطلسي، هي التي أنتجت العدائية الروسية، أو ما إذا كانت هذه الخطوات قد أثبتت اليوم جدوى الاحترازية التي كانت أساساً لها، بعد أن عادت موسكو إلى عدائيتها، هي مسألة جدلية نظرية لا تبدّل الواقع المتحصّل. بل إن هذه الخطوات المندرجة أميركياً في إطار رؤية مؤسساتية بعيدة المدى، تزامنت مع سياسة مرتبكة للأمد القصير، فبدا من الرئيس السابق باراك أوباما التلكؤ إزاء العدوان الروسي على أوكرانيا، والتفريط إزاء الأزمة السورية والعودة الروسية إلى الشرق الأوسط، والإهمال إزاء تعمّق العلاقة بين روسيا وإيران.

وفي حين اقتنص ترامب في خطابه الانتخابي لغة الإصرار على تصحيح هذه الأخطاء، فإن جهله أو تجاهله لدقة التركيبة العالمية التي تضع الولايات المتحدة في موقع القوة العظمى، وانشغاله إلى حد الهوس بالطعن والتجريح بخصومه، و لا سيما سلفه أوباما، وقناعته بأنه بذكائه الخارق قادر على تجاوز الاعتبارات والآراء كافة المبنية على المتابعة والخبرة، جعلته يلتزم مقاربة ارتجالية غير قابلة للضبط في جميع المواضيع، الداخلي منها والخارجي، في سعي حثيث الى تحقيق وعود انتخابية تسطيحية.

بوتين جاء إلى قمة هلسنكي من موقع المستكمل لنهج واضح لإعادة روسيا إلى موقع القوة العظمى تحت قيادته. ملفاته كانت واضحة المعالم، لتعكس سعة اطلاع فريق عمله وطموحه وقدرة بلاده على التحدّي والنجاح. أما ترامب الفذّ، فبعد زيارة لبريطانيا جمعت ما بين المراسم والسجاليات والاستجمام، وبعد تنكيل بالحلفاء في بروكسل، وصل إلى هلسنكي من دون تحضير ومن دون جدول أعمال. لا بأس، قال أتباعه، هو لقاء تعارف وليس لقاء قمة. أما هو، وبعد مؤتمر صحافي سلّم خلاله بكل موقف ومطلب من الجانب الروسي، فاعتبر أنه حقّق النجاح الأعظم في مؤتمر «القمة» هذا. وهو عاد إلى واشنطن مستغرباً من ردود الفعل إزاء طعنه ببلاده وقادتها ومؤسساتها وإغفاله إثارة المواضيع الخلافية مع روسيا، بل امتناعه عن إدانتها لاعتدائها المعلوماتي المتواصل على الأقل، وإن شاء إهمال مسائل ضم القرم والحرب المستمرة في شرق أوكرانيا، وإسقاط طائرة الركاب الماليزية، والتسميم في بريطانيا.

هذا كله يهون أمام التفاوت الخطير بين القراءة الروسية وما يقابلها أميركياً للقاء القمة. فموسكو تعتبر أنه تمّ التوصل إلى تفعيل اللجان المشتركة والشروع بأخرى، وتم التفاهم على خطة العمل في أكثر من موضوع خلافي، مع الإقرار بأن بعض المسافة يبقى في عدد من الملفات. بل التسريبات من اللقاء تتحدث عن مسعى من ترامب لتشكيل تحالف في الشؤون التجارية مع روسيا للتصدي لخصومه، واضعاً الاتحاد الأوروبي جهاراً في هذه الخانة، إضافة إلى الصين.

ليس هناك من قراءة أميركية مقابلة لذلك، فالرجل لم يفصح عمّا قدّمه أو أتاح المجال من حيث يعلم أو لا يعلم أن يُفهم على أنه قدّمه. لكنه رئيس البلاد ورأس السلطة التنفيذية، ومن شأنه، إن ثابر على استرضاء بوتين، أن يوجّه الوزارات كافة للالتزام بما يبدو بأنه سلّم به لروسيا. من يرضى من طاقمه الرضوخ، ومن يسعى إلى التلطيف، ومن يعترض ويخرج، أمور لا يمكن التكهن بها. غير أن أي اعتراض على هذا الطيش الرئاسي سيصبّ على الفور في خانة سردية «الدولة العميقة»، والتي يسوّقها الإعلام المعادي للولايات المتحدة، بما يبرر لموسكو الاعتراض الساخط المقابل ويرفع من حدة التوتر العالمي. والعواقب لهذه التطورات غير المسبوقة تبقى مجهولة. ما ليس مجهولاً البتة هو أن مستوى الخطر في العلاقة بين الدولتين وعلى صعيد العالم، مرشّح للمزيد من الارتفاع.


الأكثر قراءة في الرأي