ثلاثة أطفال في مصر قتلهم النفاق... ونظرية الستر

حيث حصلت الجريمة (فيتو)
القاهرة – أمينة خيري |

صفحات الحوادث عامرة بما لا يلذ أو يطيب يومياً. أخ يقتل أخته لشكه في سلوكها، طالبة ثانوية عامة تنتحر لضعف مجموعها، حادث سير يقتل ويجرح العشرات، سائق «توك توك» يغتصب فتاة، واللائحة الطويلة المتنوعة لا تنتهي. ومع طولها وتنوعها واستمرارها في الضخ على مدار الساعة، لم تعد الغالبية تتوقف كثيراً أمام هذا المحتوى «الثري». هذا الاعتياد فيه استثناءات. وما الصدمة التي تلم بملايين المصريين هذه الأيام إلا استثناء موجعاً ومفجعاً.


«سيدة المريوطية» كما باتت تُعرف في مصر انتقلت بين ليلة وضحاها من الحياة على الهامش شأنها شأن ملايين النساء غيرها إلى بؤرة الضوء وقلب الحدث وحديث الجميع. الغالبية العظمى تصب لعناتها وتوجّه سهام الغضب وتحليلات سوء الأخلاق وتدنّي السلوك وتفاقم الإهمال لها. وعلى رغم أن أسلوب حياتها كان معروفاً لكل من حولها حتى أيام قليلة مضت، وعلى رغم أن أحداً لم يوجّه إليها أياً من هذه الاتهامات، إلا أن العثور على أطفالها الثلاثة أجساداً ميتة على الرصيف وملفوفين في أكياس قمامة سوداء وبقايا سجاد قديم، أجج أحكامهم وأشعل حججهم.

الحجة الوحيدة التي وجدت صدى لدى بعضهم كانت حجة الفقر والعوز، أما ما عدا ذلك فآذان مسدودة وعيون مغلقة وقلوب موصدة. الأم متعددة العلاقات الجنسية تحت بند الزيجات العرفية أنجبت أبناءها الثلاثة من ثلاثة أزواج مختلفين، يعملون جميعهم في مجال الطرب الشعبي، وذلك بعدما هربت من بيت أهلها قبل 15 عاماً. وجدت من وافق على نسب إثنين من الصغار له فتزوجته لكنه أساء معاملتها فتركته وهربت، وبقي الثالث ابن العامين غير مسجّل أصلاً.

تتحدّث بملامح بلاستيكية وثبات غريب. وعلى رغم إنها تحرص على ارتداء عباءة وطرحة سوداوين، إلا أنها تشرح ما جرى من دون تردد أو حرج. تعمل في ملهى ليلي مع صديقة لها دعتها للإقامة معها في شقتها بدلاً من الشارع. تتركان البيت بعد الظهر للتوجّه إلى عملهما في الملهى وتعودان صباح اليوم التالي. تقول: «كنت أترك ابني الكبير ليرعى الصغيرين وكنت أغلق عليهم باب الغرفة لأنه شقي. وفي يوم الحادث عدت صباحاً من العمل لأجد آثار دخان أعلى باب الغرفة. فتحت الباب فوجدت آثار حريق والعيال الثلاثة ميتة ومرمية على الأرض». وتتابع شارحة: «خفت أن يقبض علي بتهمة الإهمال، فلففت كلاً منهم في بقايا سجاد قديم ووضعته في كيس بلاستيك مخصص للقمامة وأغلقته. واستوقفت وصديقين توك توك ووضعنا فيه العيال، ثم رمينا الأكياس على الرصيف».

التفاصيل الدقيقة لما جرى صدمت كثيرين. بعضهم صدِم لأن أماً تحللت من مشاعر الأمومة بهذا الشكل ووجدت لديها من رباطة الجأش ما يسمح لها بلف الصغار و «رميهم» في الشارع، إضافة بالطبع إلى تفاصيل ترك ابن الخامسة ليرعى أخويه، وعملها في ملهى ليلي وزيها الملتزم. وبعضهم الآخر على رغم علمه اليقيني بأن المجتمع فيه كثيرات من أمثال «سيدة المريوطية»، إلا أنهن «لا يصلن إلى درجة التخلّص من الأطفال بهذه البشاعة».

وتتحدّث زينب (عاملة منزلية) عن هذه البشاعة مختزلة النواحي الأخلاقية والسلوكية للسيدة رابطة بينها وبين ما وصفته بـ «العقاب الإلهي» الذي وجد حائط صدّ. تقول: «مشيها البطال (السيء) استوجب عقاب السماء بموت صغارها، لكن واضح إنها متحجّرة تماماً فتخلصت من الصغار بإلقائهم في الشارع وكأنهم حيوانات ضالة».

ولدى سؤال زينب إن كانت تفاصيل سيدة المريوطية استثناء يندر أن يحدث، تجزم: «لا في منها كثيرات، ولكن ربنا حليم ستار لا يفضحهن. وطالما السلوك البطال لا يظهر على السطح، فلندع الخلق للخالق».

وبين الخُلق المفقود والأمل المعقود فجوة كبيرة. فالخلق الذي تتحّدث عنها زينب وقطاع عريض من المصريين، ومنهم جيران «سيدة المريوطية» ممن كانوا على الأرجح على دراية شبه كاملة بتفاصيل حياتها، يقفون موقف الجلاد والسجان. لماذا؟ لأن أمرها افتضح من جهة، ولأن الطريقة التي تخلّصت بها من صغارها بشعة. يقول أستاذ علم النفس الدكتور محمد شوقي أن المجتمع في ظل تراكم المشكلات والمصاعب الحياتية من اقتصاد وسكن وصحة وتعليم وغيرها، يغض الطرف عادة عن سلوكيات بعينها طالما تدور في الخفاء. «لكن ما أن يحدث شيء غير متوقع يجعل هذه التفاصيل غير الأخلاقية تظهر على السطح، حتى يبادر إلى النقيض الآخر حيث يملأ الدنيا صخباً حول الأخلاقيات المتدنية والسلوكيات المتدهورة. ويصل الأمر إلى أقصاه حين تتعلّق هذه التفاصيل بامرأة وحياة جنسية وعلاقات متعددة وعمل في الدعارة أو ملهى ليلي، وكأن المجتمع يتطهّر أو يغسل ذنب تجاهله الإرادي وقت كانت التفاصيل تحت السطح بهذا الصخب المبالغ فيه».

صخب لا يخلو هذه الآونة من شمّاعة الفقر والعوز. آلاف التعليقات تدور في فلك الفقر الذي من المؤكّد دفع السيدة إلى هذه النوعية من الحياة، وتحجّر مشاعرها، وإنجاب أطفال لا ذنب لهم، ولو عاشوا لما كان لهم مستقبل. يقول شوقي إن «الملائكة الصغار لو عاشوا لانضموا إلى جيش سائقي الـ «توك توك» أو عملوا في التسوّل أو أي من المهن البعيدة من عين القانون وذراعه. ويكفي أن الصغير لم يكن مسجلاً في دوائر النفوس، فهو رسمياً لا وجود له، أي لا مدرسة ولا علاج ولا رعاية». ويضيف أن «الفقر يتحمّل أحياناً ما لا طاقة له به. في مصر ملايين الفقراء، لكن لا يعملون جميعاً في الدعارة، أو ينتهجون الزواج العرفي أسلوب حياة، أو ينجبون من دون حساب. أعتبر أن حالة سيدة المريوطية استثنائية، إن لم يكن في صعوبة حياتها وقسوتها، ففي تركيبتها الشخصية وردود أفعالها».

وتجد خبيرة علم النفس الدكتور نجلا نجيب سيدة المريوطية مصابة باختلال نفسي واضح، إذ إن «كثراً يكونون مصابين باختلالات الشخصية الحدية حيث المشاعر غير السوية وربما الإفراط في إقامة علاقات جنسية. غالبية أولئك المرضى في مصر يعيشون حياتهم من دون أن يعرفوا أو يتنبه أحد إلى مرضهم النفسي هذا. قد يعتقد بعضهم أن مزاجهم حاد أو أسلوب حياتهم فج أو تصرفاتهم قاسية، لكنهم في حقيقة الأمر مرضى يستحقون العلاج».

وترى نجيب أن «الفقر هنا يتدخل في تشخيص المرض. فبينما قد يتم التعامل مع سيدة المريوطية باعتبارها متهمة، فإن غيرها ممن ينتمي إلى طبقات اقتصادية واجتماعية أعلى قد يعتبر مريضاً يحق له العلاج ما يخفف من الأحكام الصادرة في حقه».