الشاشات تستحضر «ثورة يوليو» المصرية محبة وإلهاماً وأيضاً عداوة وازدراء

السيسي وقياديون مصريون في أحد الاحتفالات (أ ف ب)
القاهرة – أمينة خيري |

يشعر المتجوّل بين القنوات المصرية وبعض القنوات العربية هذه الأيام، بأن الشاشة فقدت ألوانها أو عادت بمحتوياتها إلى عقود طويلة مضت، أو أنها باتت أرشيفاً مصحوباً بحاضر سردي.


سرد وقائع وتحليل أبعاد ثورة تموز (يوليو) عام 1952 لم يكن حاضراً أو منتشراً أو فارضاً نفسه كما هي الحال هذه الأيام. فمع كل دقة على الريموت، يجد المشاهد نفسه متنقلاً بين تسجيل لخطبة مشهورة للرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر، أو متابعاً لوثائقي نادر عن أحداث وحوادث خمسينات القرن العشرين وستيناته، أو مستمعاً لتحليل خبير استراتيجي أو محلل عسكري أو متابع سياسي عن سنوات حكم ناصر وما لها فقط، أو ما عليها فقط، وفي قنوات نادرة ما لها وما عليها. لكن تظل ذكرى إحياء ثورة 23 تموز تقف في أماكن متناقضة من بعضها بعضاً على الشاشات لتترجم المشهد العربي الآني بعد 66 عاماً من قيام الثورة.

الثورة المتجسّدة كلاسيكياً والمكررة نفسها درامياً في مثل هذه الأيام من كل عام، ما زالت حاضرة. دقات متتابعة على قنوات الأفلام وأخرى تبثّ الدراما في غير أوقات الـ»توك شو»، والحوارات تشير إلى بث متواتر لأفلام الثورة. فمن «رد قلبي» حيث ابن الجنايني يحب إبنة الباشا منهياً عصر الإقطاعيين ومعلناً عهد ذوبان الطبقات وسقوط الأرستقراطية، إلى «غروب وشروق» حيث حياة التخلص من استبداد الملكية عبر قصة غرام ثم انتقام مع إبنة رئيس البوليس السياسي وتأجج مشاعر الوطنية للتخلص من استبداد الملكية، إلى «الأيدي الناعمة» وترسيخ لقيمة العمل وتجميل للأيدي الخشنة الملطخة بشحم الماكينات وتقبيح للأيدي الناعمة المرتكنة على تاريخ الأجداد حيث ثروات من دون عمل، وحياة من دون تعب يجول المشاهدون جولتهم السنوية المعتادة لتذكر قيم ثورة تموز وتمجيدها، وهو ما يستدعي إعادة إحياء كراهية الملكية ونبذ أفرادها.

لكن، على رغم ثبات ما تبثه الشاشات من محتوى درامي يثني على الثورة والجمهورية ويصب النقمة على الملكية، فإن ما يصول ويجول في أروقة المشاهدين لم يعد ثابتاً على سابق عهده. فمنهم من استغل الثورة مع الفوضى خلال السنوات السبع الماضية في إعادة التنقيب في بحور التاريخ، فوجد نفسه معيداً تقويم الملكية، ومنهم من وجد في هامش الحرية الإعلامية الموقت والمذبذب فرصة ذهبية لصبغ ذكرى الثورة بأيديولوجية مسبقة أو تلوينها بروح انتقامية تولدت، وهلمّ جرا.

فقد جرى العرف الجمهوري على مدار عقود سابقة، على تمويه صور الملك في الأفلام الأبيض والأسود، وذلك كناية عن تبجيل الثورة وتأسيس الجمهورية وكراهية الإقطاع والتسفيه من الملكية. وقبل أيام قليلة، عُرض فيلم «غزل البنات» وظهرت صورة الملك واضحة بائنة بعدما تخلصت من شخبطات «وطنية» تصورت أن تمويه الصورة المعلقة على الجدار يمحو سنوات الملكية.

سنوات الملكية المنسية أعادت طرح نفسها بين فئات من العرب، وهو الطرح الذي انعكس حيناً عبر سرديات بعضها شخصي وبعضها الآخر عبر وسائل إعلامية حاولت سرد مناقب الملكية، واتضح حيناً آخر في أعمال درامية قليلة حاولت تجسيد عصر الملكية من دون ضغوط التلقين المدرسي بأن ذاك العصر كله موبقات، أو توجهات سياسية قوامها أن الملكية كلها سيئات.

هذه الأيام ومع حلول الذكرى الـ66 لثورة تموز (يوليو) 1952 تعكس الشاشات وما تحويه من سبل شتى لإحياء الذكرى، ما ألمّ بالعالم العربي من تغيرات وما كشفت عنه التبدلات من تحزبات وأيديولوجيات وأيضاً مقدار غير قليل من الانتقامات.

وعلى مدار السنوات الخمس الماضية، وتحديداً منذ تخلَّص المصريون من حكم الإخوان، دأبت جموع من المواطنين المصريين على التوجه إلى قبر جمال عبد الناصر حاملين في مناسبات ميلاده ووفاته وثورته باقات من الزهور ولافتات عليها شعار فضائية معادية ومكتوب عليه «ربما رصاصة تقتل إنساناً لكن كاميرا كاذبة تقتل أمة».

قتل الأمة أو إحياؤها لا يتم عادة عبر كاميرا واحدة، لكنه قابل للحدوث عبر كاميرات عدة بزوايا مختلفة وكلمات كثيرة وتحليلات وتعليلات من مشارق الأرض ومغاربها.

وما البرامج والوثائقيات التي تطعن في عهد الرئيس الراحل عبدالناصر وتصور عصره وتحلل علاقته بجماعة الإخوان المسلمين باعتبارها بداية الصراع الحقيقي بين الجيوش من جهة والجماعات الإسلامية من جهة أخرى، أو تحميله مغبة شعور جماعة مثل الإخوان المسلمين بالظلم والاضطهاد المستمر، إلا نموذجاً لإحياء ذكرة ثورة تموز من منطلق ربيع التغيير الثوري الذي تحول خريف التمكين السياسي المتنكر في جلباب الدين.

جلباب آخر هو جلباب القومية العربية المغدورة والمهدورة تدق على أوتاره المهزوزة شاشات أخرى هذه الآونة. فبين اتهامات بتقصير عربي في ملف القضية الفلسطينية وتلميحات بأن الانغماس في قضايا الفتن الأهلية والفوضى العربية والدواعش وأبناء عمومهم أنست العرب القضية الأصلية، يتم بث خطب ومقاطع مصورة لناصر وهو يتحدث عن غزة وأهلها، والقضية وحتميتها، وفلسطين وعروبتها.

شاشات أخرى لا تتعمق كثيراً في هذا الملف، بل تعرج إلى ناصر باعتباره القائد العربي الذي وقف في وجه الغرب ولم يأبه لغضب الأميركيين، وهي مشاعر تدق على أوتار حساسة هذه الأيام. وثالثة تمعن في إذاعة أغاني الثورة التي منع بثها في عهود سياسية سابقة، وأبرزها أغنيات لعبدالحليم حافظ مثل «يا جمال يا حبيب الملايين» و»إحنا الشعب» و»حكاية شعب» و»مطالب شعب» وغيرها. ويلمح بعضهم إلى أن كثيرين من المصريين هذه الآونة يجدون الكثير من أوجه التشابه بين عهد ناصر والعهد الحالي من حيث التحديات والمصاعب. كما يلمح بعضهم إلى أن القيادة السياسية الحالية تحبذ هذا التشابه، وهو ربما ما يفسر الإمعان في حوارات ونقاشات التشابه عبر برامج التوك شو والحوارات.

المثير هو أن فئة أخرى من الشاشات العربية تمضي قدماً في تغطياتها اليومية من دون إشارة من قريب أو بعيد الى الذكرى الـ66 لثورة تموز. وإذا كانت شاشات معادية لفكر عبدالناصر أو توجهاته التي حجمت نشاط جماعة مثل الإخوان المسلمين تحيي الذكرى بكثير من الشماتة وبعض من كراهية، وأخرى محبة ومؤيدة له تحتفي بالثورة باعتبارها العلامة الفارقة في تاريخ الأمة والقائد الذي يظل ملهماً لمن يجيء بعده بعقود، فإن التجاهل التام أيضاً ملغم بالإسقاطات السياسية ومحمل بالدلالات الأيديولوجية.

هكذا طبيعة المناسبات على الشاشات بحسب الأحداث والتغيرات.