«فاتن حمامة» ترفع الراية البيضاء أمام «فضّة المعداوي»

القاهرة - هبة ياسين |

تدور أحداث مسلسل «الراية البيضاء» (1988) حول سعي تاجرة ثرية ومتسلطة تدعى فضة المعداوي، لشراء فيلا أثرية يملكها سفير متقاعد هو مفيد أبو الغار، وتحويلها إلى مبنى ضخم، وتَستخدم في سبيل ذلك أساليب ملتوية، حتى ينجح مسعاها.


بعد مرور نحو ثلاثين عاماً، لم يعُد هناك «أبو الغار» الذي رفض حتى النهاية الاستسلام لتسلط الجهل والفساد، لكن الوقائع تتكرر بتفاصيل وأشخاص وأماكن مختلفة، وتظل القصة التي سطّرها أسامة أنور عكاشة أشبه بالتنبؤ بالمستقبل، إذ أرَّخ لفترة صعود أثرياء الانفتاح الاقتصادي الذين لا يعنيهم التاريخ، ويسعون إلى الربح المادي فقط، في ظل تواطؤ مسؤولين.

وهكذا صار أمراً معتاداً في القاهرة والإسكندرية وغيرهما من المدن الكبرى في مصر، هدم أحد المباني التاريخية، من دون أن تُعرقل ذلك قوانين باتت حبراً على ورق، بما فيها دور سينما عريقة أُغلِق بعضُها وطاولَه الإهمال، ليصبح «أطلالاً خربة» تسكنها الأشباح أو تتحوّل إلى مكب نفايات، ومن ثم تنشأ ذريعة هدمها لتحل مكانها أبراج سكنية ومراكز تجارية تناطح السحاب.

وانضمت أخيراً إلى القائمة «سينما فاتن حمامة» المطلة على النيل في حي مصر القديمة (جنوب القاهرة)، إذ أُزيلت تمهيداً لإقامة برج سكني شاهق. تلك السينما تميّزت بكونها تعمل صيفاً وشتاءً، فضلاً عن ارتباطها بأحداث تاريخية، إذ قصدها الرئيس الراحل أنور السادات عشية اندلاع ثورة 23 تموز (يوليو) 1952، وافتعل شجاراً وحرّر محضراً في مخفر الشرطة للتنصل مِن المشاركة في الثورة في حال فشلها. يحدث ذلك رغم أن مصر لم تحظ بلقب «هوليوود الشرق» من فراغ، فهي صاحبة تاريخ طويل في السينما، ولما يزيد على قرن من الزمان، إذ شهدت الإسكندرية أول عرض سينمائي في كانون الثاني (يناير) 1896، بعد شهر واحد من أول عرض في العالم شهدته باريس.

وتُعد السينما من أبرز أشكال القوى الناعمة في مصر ما قبل 1952 وبعدها، إذ لطالما كانت مصدراً رئيسياً من مصادر الدخل القومي، ووسيلة تأثير ثقافي عميق في محيطها العربي من المحيط إلى الخليج. ومن هنا، تبدو الخسارة فادحة مع استمرار انحسار دور العرض السينمائي وما يواكبه من انحسار في كم الأفلام التي تُنتج في مصر سنوياً، في وقت تتجه بلدان عربية أخرى، منها المملكة العربية السعودية على سبيل المثال، إلى دعم إنتاجها السينمائي والتوسع في إنشاء دور العرض وفق خطة طويلة المدى.

لم تكن «فاتن حمامة» الأولى، إذ سبقتها عشرات دور العرض، وأشهرها «علي بابا» و «أوبرا»، في القاهرة، و «ريالتو» و «سان ستيفانو» في الإسكندرية، و «ركس» و «عدن» في المنصورة. وكشف تقرير للجهاز المركزي للمحاسبات عن انخفاض عدد قاعات دور العرض السينمائي ليصبح 221 فقط عام 2015، والمؤكد أن هذا العدد تقلّص كثيراً خلال السنوات الثلاث الأخيرة.

وبرّر رئيس جهاز التنسيق الحضاري محمد أبوسعدة لـ «الحياة»، هدم «سينما فاتن حمامة» بقوله إنها ليست تراثية، و»الجهاز» لديه قائمة مسجّلة بمجموعة من دور العرض التي تمثل قيمة تراثية يجب الحفاظ عليها، منها «ديانا» و «ريفوللي» و «كايرو» و «ميامي» و «مترو» و «كريم» و «الشرق» في السيدة زينب. وأضاف أنها مجموعة مسجّلة ضمن قوائم وفقاً لمعايير، من بينها أن يكون المبنى ذا طبيعة معمارية تميزه عن المباني الأخرى، وأن يمثل حقبة زمنية تراثية أو تاريخية، مثل مباني القرن التاسع عشر، موضحاً أن المباني التراثية تخضع لدرجات في التصنيف، والأساس هو الحفاظ على النسيج العمراني للمدينة.

لكن رئيس لجنة السينما في المجلس الأعلى المصري للثقافة المنتج محمد العدل أبدى أسفه على هدم «سينما فاتن حمامة»، واعتبره «خسارة على مستوى التاريخ والسينما»، بينما رأى رئيس جهاز التنسيق الحضاري السابق سمير غريب أن المشكلة تكمن في تواصل هدم أبنية تاريخية منذ نحو عشرين عاماً، بينها دور سينما ومئات القصور والفيلات، في ظل تقصير حكومي في تطبيق القانون.