إسرائيل تمهّد لنكبة جديدة؟

ماجد الشيخ |

تتجاوز رمزية الخان الأحمر اليوم، كمكان تتم تهيئته لنكبة جديدة، مقارنة بالأمكنة التي تحيط بالقدس، تلك الرمزية التي كانتها القضية الفلسطينية منذ البدء، مروراً بالاحتلالات اللاحقة ومصادرات الأراضي وتطهيرها من مواطنيها وسكانها، وارتكاب المؤسسة الكولونيالية بكل أذرعها وأفرعها، جرائم حرب وإبادة موصوفة، بات العالم اليوم يشاهدها بالعين المفتوحة، على عكس ما كان يجري سابقاً، حين كان العالم يرى ما يراد له أن يراه، بعيداً من الحقيقة وتسجيل الوقائع.


مرة أخرى جديدة، وتحت أنظار العالم، يجري اليوم تكرار نكبة جديدة، حيث تمارس المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة جرائم إبادة وتطهير عرقي وديموغرافي، وترانسفير يبدأ بعائلة أو بعائلتين، ولا ينتهي بمجموعة من العائلات، وربما بعدد من القرى، كامتداد لما جرى في العام 1948 من عمليات ترانسفير كبيرة، شرّدت ما يقارب ثلاثة أرباع سكان الجليل والمثلث. وها هي حكومة الاحتلال بمؤسساتها السياسية والقانونية والقضائية تستعيد سرديات سابقة، من دون أن تجد من يردعها قولاً أو فعلاً.

ولأنها لم تواجه بروادع قابلة لمنع أو وقف النكبة، تواصل المؤسسة الإسرائيلية البحث في دفاترها القديمة، كما في دفاترها الجديدة، عما يمكن أن تسلبه وتصادره من أراضٍ فلسطينية، لم يسبق أن طاولتها أيدي الاحتلال من أرض المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم، بغض النظر عن مواقعها، حيث يجري اعتبار المكان الفلسطيني كله مكاناً قابلاً للاستيطان، لكن في الآونة الأخيرة بدأت مخططات المؤسسات الاحتلالية تستهدف قطع التواصل الفلسطيني، تمهيداً لتكريس إفقاد حلم «حل الدولتين» إمكانية تحققه، وذلك في مقابل الإبقاء على حلم الحل الصهيوني الكامل، وإلحاق أي كيان فلسطيني محدود الصلاحيات وبلا سيادة ومنزوع السلاح، تحت هيمنة الكيان الاحتلالي ومؤسساته الآخذة بالتغوّل في عهد الولاية الترامبية في البيت الأبيض، وقد تجاوزت كل الحدود التي كانت تقف عندها الإدارات الأميركية السابقة، وبوقاحة فاقت كل الحدود الأخلاقية والسياسية.

وأخيراً، بدأ الحديث والإعلان عن مشاريع تهجير الفلسطينيين من القدس، بعد إعلان ترامب اعتبارها عاصمة لـدولة الاحتلال الإسرائيلي، وافتتاح السفارة فيها. وفي هذا السياق، ذكر مركز العدل والتنمية لدراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن الاحتلال في صدد إصدار وإعداد قانون جديد في الكنيست الإسرائيلي، لتهجير وطرد أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين المقيمين في مدينة القدس المحتلة إلى خارجها، وذلك تمهيداً لتغيير الوضع القائم في القدس وفي الحرم القدسي الشريف وبناء «الهيكل» المزعوم.

في هذه الأجواء، بدأت الولايات المتحدة إخضاع القنصلية الأميركية لسلطة السفارة وسفيرها ديفيد فريدمان، علماً أن القنصلية كانت تولت منذ الاحتلال الإسرائيلي عام 67 تنظيم العلاقات والمعاملات لفلسطينيي الأراضي المحتلة تجاه السلطات الأميركية، وضمن ذلك الاتصالات السياسية التي كانت تجريها الإدارات الأميركية مع الجانب الفلسطيني، لا سيما في فترة الانتفاضة الأولى والمراحل الأولية من أوسلو.

وإلى جانب العراقيب وغيرها في النقب، والخان الأحمر في القدس، تؤكد جهات فلسطينية أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تسعى الى استهداف 46 تجمعاً بدوياً في مناطق الضفة الغربية والقدس المحتلة، وأطرافها خلال الفترة المقبلة، بهدف تنفيذ المخطط الاستيطاني الكبير (E1)، الذي بدأ في شكل فعلي بقرار هدم تجمع «الخان الأحمر»، جنوب القدس، حيث تنوي سلطة الاحتلال الاستمرار في عمليات هدم مماثلة، تطاول تجمعات أخرى من بينها تجمع «أبو النور» الذي هدمت بعض منازله.

ويهدف المخطط الإسرائيلي الذي وُضع قبل سنوات، إلى إفراغ المنطقة المحيطة بالقدس المحتلة، وبعض المناطق في الضفة الغربية المحيطة بالمستوطنات، من الفلسطينيين، بهدف عزل شمال الضفة عن وسطها وجنوبها، وضمها الى القدس المحتلة في شكل كامل، وتوسيع تجمعات مستوطنات أبرزها «معاليه أدوميم». ويقوم المخطط على ترحيل آلاف الفلسطينيين من تلك المناطق التي تعترض على إقامة المخطط الاستيطاني الكبير، وقطع أي تواصل لها مع الأراضي الفلسطينية.

في هذا الوقت، ووسط معركة مفتوحة لهدم بيوت الخان الأحمر، بدأت اللجنة الوزارية للتشريع قبل أيام بمناقشة مشروع قانون يسمح لليهود بشراء الأراضي في الضفة الغربية المحتلة. ويسعى الاقتراح الذي طرحه عضو الكنيست بتسلئيل سموطريتش (البيت اليهودي)، إلى التحديد أنه «يحق لكل شخص الحصول على ملكية الأرض في الضفة».

وجاء في تفسير هذا الاقتراح، أن الوضع في الضفة الغربية اليوم يستند إلى قانون أردني صدر عام 1953، يمنع شراء الأراضي في الضفة من جانب أولئك الذين لا يحملون الجنسية الأردنية أو أي دولة عربية أخرى. وبقي القانون سارياً بعد احتلال الضفة الغربية في حرب 1967.

يُذكر أنه في أوائل السبعينيات، تمت المصادقة على مسار التفافي يسمح لليهود بشراء الأراضي – وهو أمر ينص على أنه يمكن شراء الأراضي من خلال شركة مسجلة في الضفة الغربية، بغض النظر عن هوية مالكي الشركة. ووفقاً لسموطريتش، كان القصد من الاقتراح القضاء على «التمييز» ضد اليهود في شراء الأراضي في الضفة الغربية. وعن ذلك قال: «هذا الواقع الذي يفرض القيود على حق مواطن في إسرائيل في امتلاك حقوق الأراضي في الضفة الغربية فقط لأنه مواطن إسرائيلي، غير مقبول».

وقبل أيام، تناقلت وسائل إعلام عبرية أنباء في شأن مخطط استيطاني تهويدي جديد، يهدف الى تطوير مستوطنات شمال البحر الميت، وذلك تحت لافتات سياحية، عبر البدء بتنفيذ خطة استعمارية رصد الاحتلال لها مبالغ مالية كبيرة. وأكدت تلك الوسائل الإعلامية محاولات سلطات الاحتلال الاستيلاء على مساحات واسعة من اليابسة نتجت من انحسار البحر الميت، يقع معظمها ضمن المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967، وغالبيتها تعود الى ملكية فلسطينية خاصة.

ولهذا الغرض، شكلت الحكومة الإسرائيلية وبإشراف مباشر من مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو ووزارة القضاء الإسرائيلية، طواقم قانونية لفحص الوسائل والأساليب الممكنة للاستيلاء على تلك المساحات عبر تحويلها الى ما يسمى بـ «أراضي دولة» وتعديل وضعها القانوني من خلال ما يسمى «الإدارة المدنية» الاحتلالية.

وأدانت الخارجية الفلسطينية المخطط الاستعماري التوسعي الجديد ضد الحق الفلسطيني في منطقة البحر الميت والأغوار، واعتبرته «انتهاكاً صارخاً للشرعية الدولية وقراراتها، وخرقاً جسيما للقانون الدولي واتفاقات جنيف، وامتداداً للانقلاب الإسرائيلي على الاتفاقات الموقعة»، مؤكدة أن الدعم الأميركي غير المحدود للاحتلال وسياساته ومخططاته الاستيطانية «يشجع سلطات الاحتلال على الإسراع والتمادي في تنفيذ برامجها الهادفة الى تهويد أجزاء واسعة من الضفة الغربية المحتلة».

لم يتبق من حلم «حل الدولتين» سوى الذكرى، وما يجري اليوم على الأرض الفلسطينية، يتنافى بالمطلق مع حق تقرير المصير، لشعب شُرِّد من أرضه التاريخية.

* كاتب فلسطيني