الصحافة المصرية اجتازت بنجاح غير مدوٍ اختبار قانون جديد

القاهرة – رحاب عليوة |

فتح القانون الأخير لتنظيم الصحافة في مصر باباً للتساؤلات عن القوى التي تمتلكها الصحافة في مصر، وفاعلياتها في الدفاع عن قضاياها فضلاً عن قضايا المجتمع، ففي غضون عامين، توضع جماعة الصحافيين في مأزق هو الثاني، يجعلها في موقع صدام مع إحدى السلطات، وفيما أنفقت جماعة الصحافيين أوراقها التصعيدية كافة في أزمة أيار (مايو) 2016، ولم تجن تقريباً من مطالبها آنذاك شيئاً، سلكت النقابة في الأزمة الأخيرة اتجاهاً مختلفاً نحو الحوار وتقويض التصعيد الذي انتهجه فصيل فيها، وكانت المحصلة تحقيق نتائج رآها بعضهم عظيمة وآخرون عدّوها كارثية... وما بين التيارين يُطرح التساؤل: أين تكمن قوة الصحافة المصرية الآن وصداها؟

للإجابة، لا بد من استرجاع الأزمة وتسلسلها وصولاً إلى النتائج، والأزمة بدأت مع موافقة البرلمان المصري على مشروع قانون لتنظيم الصحافة قدمته إليها الحكومة في حزيران (يونيو) الماضي، ثم أحاله البرلمان إلى مجلس الدولة، وهو جهة قضائية لمراجعة القوانين قبل إصدارها، تمهيداً للموافقة عليه نهائياً بمجرد عودته من مجلس الدولة مرحباً به، هنا تصاعدت أصوات أعضاء في مجلس نقابة القوانين، معلنين رفضهم المشروع بصورته الحالية، وسط تهديدات بتقديم استقالات جماعية.

ودارت الاعتراضات حول عدد من المواد في مقدمها المادة «29» وكان نصها: «لا يجوز الحبس الاحتياطي في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر أو العلانية في ما عدا الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو التمييز بين المواطنين أو الطعن في أعراض الأفراد»، إذ اعتبرت النقابة المادة تفتح باباً لحبس الصحافيين احتياطياً في حين أنهم رفضوا حبسهم سوى بصدور حكم بالإدانة.


وحتى قبل إصدار البرلمان قراره بالتصويت على المشروع والموافقة عليه مبدئياً، لم يطرأ أي صدع في النقابة، إذ اجتمع مجلسها بمجرد طلب البرلمان رأيها في القانون، ووافق بكل أعضائه على التحفظ عن عدد من المواد أرسلوها تفصيلاً إلى البرلمان، لكن بمجرد الموافقة المبدئية من دون أخذ الملاحظات الصحافية في الاعتبار، بدأت أزمة بين النقابة والبرلمان، وكانت أزمة علنية، وأخرى مكتومة بين فصيل في مجلس النقابة يتزعمه النقيب الحالي عبدالمحسن سلامة وهو أيضاً رئيس تحرير جريدة الأهرام القومية، إذ رأى الحوار وسيلة وحيدة لتنفيذ مطلب النقابة، وفصيل آخر من 6 أعضاء في المجلس توجهوا نحو التصعيد. هنا بدأ التصعيد بالفعل من عضو آخر هو أبو السعود محمد ببيان ناري عبر صفحته على «فايسبوك» يعلن الاستقالة من المجلس اعتراضاً على توجه السلطة إلى تكبيل حرية الصحافة، وهنا تبعه الـ6 الآخرون: جمال عبدالرحيم، حسين الزناتي، محمود كامل، عمرو بدر، محمد سعد عبدالحفيظ، ومحمد خراجة» بالتهديد بالاستقالة الجماعية حال مرر القانون، كما دعوا إلى عقد جمعية عمومية طارئة بناء على طلب موقّع من 183 عضواً، علماً أن القانون يوجب الدعوة إلى جمعية عمومية طارئة بطلب من 100 عضو فقط.

وعلى رغم تصريحات صدرت من مجلس النواب في غضون ذلك، تؤكد دستورية القانون على صورته الحالية وإقراره بمجرد وصوله من مجلس الدولة ما زاد من غضب الفصيل التصعيدي داخل النقابة، جاء قرار مجلس الدولة بعدم دستورية صياغة بعض المواد، ليعيد الأزمة إلى النقطة صفر ويفتح طريقاً لحلها إذ أوجب إعادة مداولة القانون أمام البرلمان.

وهنا كانت الفرصة سانحة لنقيب الصحافيين في التحرك، وغداة توصيات مجلس الدولة اجتمع مع رئيس لجنة الإعلام في البرلمان، ثم عقب يومين التقى وزير الدولة لشؤون البرلمان، كما استبق سلامة اجتماع الجلسة العامة للبرلمان لإعادة مداولة القانون بلقاء رئيس البرلمان الدكتور علي عبدالعال، وسط بيانات من النقابة تشير إلى «الأجواء الودية» كل مرة. وبالفعل خلال الجلسة العامة بدل البرلمان صيغ بعض المواد التي أبدت النقابة تحفظها عنها وفي مقدمها المادة «29» وأعلن رئيس لجنة الإعلام خلال الجلسة: «الصياغة الماضية أفضل، لكننا استجبنا لرغبة نقابة الصحافيين وطلب النقيب وضع المادة الدستورية بدلاً من الصيغة الماضية، وسط تأكيدات من رئيس البرلمان احترام حرية الصحافة والتأكيد على أهميتها في المجتمع لنهضته. وجاء تعديل المادة لينص على «لا توقع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر أو العلانية، أما الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو بالتمييز بين المواطنين أو بالطعن في أعراض الأفراد، فيحدد عقوباتها القانون».

هكذا بدت الصحافة منتصرة، صحيح أنه انتصار غير مدوٍ إذ جاء عقب تجاهل مبدئي، وقبل صدام وشيك، لكنه على أية حال حفظ ماء الوجه.

لكن على النقيض عدت جبهة رفض القانون في المجلس أن التعديلات «لا تلبي طموحات أو مطالب النقابة»، وأصدرت بياناً شديد اللهجة يصف القانون بـ «إعدام الصحافة»، ويطالب بعقد الجمعية العمومية الطارئة للنقابة.

وقال عضو نقابة الصحافيين جمال عبدالرحيم لـ «الحياة»: القانون سلب الصحافة ما منحها إياها الدستور من امتيازات، ففيما ينص الدستور على أن تشكيل الهيئات الثلاث المسؤولة عن الإعلام (عقب إلغاء وزارة الإعلام) وهي المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والهيئة الوطنية للإعلام والهيئة الوطنية للصحافة كهيئات مستقلة، جاء القانون لينص على اختيار رؤساء الهيئات من جانب رئيس الجمهورية ونحو نصف أعضائها من السلطة التنفيذية ما يضع للأخيرة سطوة على الإعلام.

وأضاف: «بخصوص المادة 29، فهي تعد ردة عن قانون الصحافة السابق لعام 1996 الذي نص صراحة على أنه «لا يجوز حبس الصحافيين احتياطياً في قضايا النشر»، على عكس المادة الأخيرة التي وضعها البرلمان بزهور استجابته للنقابة في حين أن الأمر ليس كذلك، فالمادة تتيح أيضاً الحبس الاحتياطي».

عملياً، القانون تمت الموافقة عليه نهائياً في تموز (يوليو)، وينتظر توقيع رئيس الجمهورية لنفاذه رسمياً، هل انتهت الأزمة؟

تبدو كما لو أنها انتهت، إذ إن مؤشرات عدة وابتهاج من قبل الكثيرين في مقدمهم النقيب ذاته بالتعديلات، وآراء أكاديمية مستبشرة بالقانون، ترسخ ما يبدو أنه «شهر عسل» بين الصحافة والسلطة، لكن في الجانب الآخر لا يزال التصعيد يملك نافذة.

«الجمعية العمومية الطارئة» هي النافذة، إذ ما زال أعضاء النقابة متمسكين بمطلب الـ183 عضواً لعقدها، وكان يفترض أن تتم الدعوة إليها في 17 تموز (يوليو) الجاري، عقب اجتماع لمجلس النقابة، لكن «قبل ساعتين فقط من عقد الاجتماع فوجئنا بقرار من النقيب بتأجيل عقد الاجتماع لحين وصول نسخة من القانون إلى النقابة لمناقشته خلال الاجتماع» وفق عبدالرحيم الذي علق: «البعض عد القرار هروباً من الاجتماع وتسويفاً للأزمة، خصوصاً أن القانون منشور على كافة مواقع الأخبار (المحلية)».

في المقابل، عد أستاذ الصحافة في كلية الإعلام جامعة القاهرة الدكتور محمود علم الدين قانون تنظيم الهيئات الصحافية والإعلامية الجديد، انتصاراً عظيماً للصحافة والإعلام، لتضمنه مواد غير مسبوقة، تخضع أنشطة إعلامية عدة لم يطاولها التشريع من قبل إلى التقنين.

ويقول علم الدين لـ «الحياة»: الثلاثة قوانين التي تم إقرارها تحت اسم قوانين تنظيم الصحافة والإعلام تتسم بالتوازن والإنصاف، وفيها قدر كبير من المكاسب والضمانات للصحافيين والإعلاميين، لتأكيدها مجموعة من الحريات، فضلاً عن أشياء جديدة تبرز للمرة الأولى، منها الاعتراف بالصحافة الإلكترونية في إطار منظومة الصحافة ما يمهد لانضمام العاملين فيها إلى نقابة الصحافيين من دون قيود، كما أنه وضع شروطاً جديدة لإصدار الصحف هي إيجابية لضمان جديتها، منها أن يكون 50 في المئة من أعضائها نقابيين، ويفرض وضع تأمين لإصدار الصحف عده البعض كبيراً لكنه ضروري لضمان حقوق العاملين عند إغلاقها، كما أنه ينظم في شكل دقيق العمل في الصحافة القومية».

وكان اعتراض جبهة رفض قانون الصحافة على فتح القانون باباً لدمج المؤسسات الصحافية القومية أو غلقها، لكن أستاذ الإعلام دافع عنه قائلاً: «كل المؤسسات الصحافية في العالم من الممكن أن تتعرض لإغلاق أو دمج، وتضمين ذلك في قانون لا يعني أنه سينفذ غداً».

وتابع علم الدين: «القانون تطرق للمرة الأولى إلى إطلاق القنوات الفضائية في تشريع إعلامي وهو الأمر الذي كان يخضع من قبل إلى هيئة الاستثمار، كما أنه تطرق إلى تنظيم المحتوى ومسؤولية المحتوى». وثمن المسار التفاوضي الذي انتهجه نقيب الصحافيين، قائلاً: «القانون أظهر التعدد في الآراء والسعي نحو التوافق وتقليص مساحات الخلاف، لكن الصدام لن يفيد أحداً».