ثلاثة مسارات حاسمة لتهدئة ما بقي من البلقان

سكوبيه في حالة استرخاء في انتظار الاستفتاء (الحياة)
سكوبيه - محمد م. الأرناؤوط |

بعد «الاتفاق التاريخي» بين اليونان و «جمهورية مقدونيا» اليوغوسلافية السابقة أو «فيروم» FYROM حول التوصل إلى اسم جديد للدولة التي استقلت عام 1991 وقُبلت في الأمم المتحدة بهذا الاسم الموقت، إلى أن تتفق مع اليونان التي كانت تعتبر «مقدونيا» من تراثها القومي وترفض أن تستأثر جارتها بهذا الاسم، جاء الاتفاق بعد حوالى ربع قرن من التفاوض والتوسط الدولي، ليؤكد على أن الديبلوماسية البديلة للنزاع المسلح قادرة على إنجاز اختراقات وتفاهمات ما كانت لتتم لولا الشجاعة التي أبدتها الحكومتان الحاليتان في أثينا وسكوبيه، وسط معارضة قومية يمينية شرسة هنا وهناك تريد للأمور أن تبقى كما كانت.


«الاتفاق التاريخي» بين أثينا وسكوبيه، كما توقعت «الحياة» (عدد 13/6/2018) أشاع الشعور بالارتياح وفتح المجال أمام استكمال ثلاثة مسارات مهمة لتهدئة ما بقي في البلقان.

«مقدونيا الشمالية»

كان الاعتراض أو الفيتو اليوناني على اسم الدولة الجديدة منذ 1991 هو العقبة الكبرى للدولة الجديدة للانضمام لاحقاً إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي، ولذلك جاء «الاتفاق التاريخي» بين الدولتين مشروطاً بـ «أن تلتزم اليونان بسحب الفيتو على نضمام جارتها (مقدونيا الشمالية) إلى الاتحاد الأوروبي وإلى حلف الأطلسي، على أن تقوم «مقدونيا الشمالية» بتمرير الاتفاق على البرلمان في سكوبيه (وهو ما تمّ في 17 حزيران/ يونيو المنصرم) وأن تلتزم بعقد استفتاء حوله في خريف هذا العام.

وبالفعل فقد تحركت الأحداث بسرعة قياسية بعد جمود استمر سنوات طويلة. فقد دعت القمة الأوروبية الأخيرة سكوبيه إلى بدء المفاوضات مع ي لأجل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في مطلع 2019، كما أن قمة الناتو الأخيرة وجهت دعوة رسمية إلى «جمهورية مقدونيا الشمالية» لأجل لانضمام إلى الحلف لتكون بذلك الرقم 30 بعد الجبل الأسود (مونتنيغرو) التي انضمت في 2017 وسط معارضة روسية قوية. كانت فرحة رئيس الحكومة زوران زائيف كبيرة حين دُعي إلى بروكسيل لتلقّي الدعوة من الأمين العام للحلف، حتى أنه قبّل القلم الذي وقّع به الأمين العام الدعوة الموجهة لبلاده.

أجواء سكوبيه توحي بالاسترخاء بعد هاتين الدعوتين من بروكسيل، ولكنها أيضاً توحي بالتحديات الكبيرة. فالمعارضة اليمينية العنيفة (التي يمثلها «الحزب الديموقراطي للوحدة القومية المكدونية») تحاول أن تعرقل الاستفتاء وتطالب بانتخابات برلمانية مبكرة، كما أن هناك اتهامات لموسكو بدعم غير مباشر (من خلال رجال أعمال روس) للمعارضة اليمينية التي تعتبر «الاتفاق التاريخي» مع اليونان»خيانة قومية». ومن هنا فقد وجّه رئيس الحكومة زوران زائيف رسالة هادئة وقوية إلى موسكو قال فيها: «على روسيا أن تعي أنه لا خيار لمقدونيا سوى الاتحاد الأوروبي والناتو». ولكن السؤال الكبير: هل ستفرّط روسيا بانضمام»جمهورية مقدونيا الشمالية» الأقرب إليها إلى الناتو بعد أن عارضت وموّلت محاولة انقلاب في الجبل الأسود (مونتنيغرو) في نهاية 2016 للحيلولة دون انضمام هذه الجمهورية الأبعد إلى الناتو؟

في هذه الأجواء وصل إلى سكوبيه يوم 17 الجاري يوهانس هان مفوض التوسع في الاتحاد الأوروبي ليشيع روح التفاؤل والمضي في «الاتفاق التاريخي». ففي المؤتمر الصحافي مع رئيس الحكومة زوران زائيف قال هان موجهاً الحديث إلى كل القوى السياسية والاجتماعية في البلاد: «لديكم رنديفو مع التاريخ، ولذلك لا يوجد لديكم وقت لتضيعوه».

اليونان وألبانيا

في اليوم ذاته وجهت بروكسيل دعوة لألبانيا إلى البدء في مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في 2019، وهو ما تبعته زيارة أخرى لمفوض التوسع الأوروبي إلى تيرانا لحث الحكومة الألبانية على الاستعداد للمفاوضات المضنية حول الملفات التي على رأسها محاربة الفساد ومكافحة الجريمة لمنظمة.

وإذا كانت بروكسيل أجلت دعوة سكوبيه إلى بدء المفاوضات للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي إلى حين استكمال الاتفاق مع اليونان، فأنها تصرفت كذلك مع ألبانيا في انتظار الإعلان عن «اتفاق تاريخي» بين ألبانيا واليونان التي لا تزال في «حالة حرب» مع ألبانيا منذ 1941! فقد كانت بروكسيل وجهت أكثر من مرة ملاحظة مشتركة للدول المذكورة أنها لن تقبل بانضمام أية دولة في حالة نزاع مع دولة مجاورة.

وكانت ألبانيا تعرضت للاحتلال الإيطالي في1939 وأقيمت فيها حكومة متعاونة مع الاحتلال بعد أن تم إلغاء كيانية ألبانيا المستقلة. وفي 1941 شاركت قوات ألبانية ضمن الجيش الإيطالي الذي هاجم اليونان، ولكن اليونان التي أعلنت»حالة الحرب» نجحت في رد الهجوم وحتى احتلال مناطق في ألبانيا الجنوبية. ومع أن الحدود عادت إلى ما كانت عليه واعترفت أثينا لاحقاً بالحكومة الشيوعية الجديدة، إلا أن البرلمان اليوناني لم يلغ بعد قانون «حالة الحرب» الذي تشمل ألبانيا، وذلك بسبب مطالب يونانية أخرى تتعلق بالحدود البحرية والأقلية اليونانية في ألبانيا والأقلية الألبانية في اليونان التي أجليت بالقوة إلى ألبانيا في 1944 ويصل تعدادها الآن إلى حوالى ربع مليون نسمة.

وأعلن وزير الخارجية الألباني ديتمير بوشاتي في الأسابيع الماضية أكثر من مرة عن قرب الإعلان عن هذا «الاتفاق التاريخي» الذي سينهي حال الحرب» بين البلدين.

ضوء أخضر لكوسوفو في انتظار «اتفاق تاريخي» آخر

كان يوم الأربعاء 18 الجاري «يوماً تاريخياً» طال انتظاره منذ سنوات في كوسوفو، بعد كانت كوسوفو حتى الآن الدولة الوحيدة في البلقان المحرومة من نظام الشنغن. فبعد انضمام صربيا والبوسنة والجبل الأسود إلى نظام الشنغن في 2010، بدأت بروكسيل في 2012 في تحديد فترة انتقالية تنتهي في 2015 لضم كوسوفو إلى هذا النظام بعد انجاز عشرات الشروط. ولكن في 2015 كانت كوسوفو دخلت في أزمات داخلية حول اتفاقية ترسيم الحدود مع جمهورية الجبل الأسود لم تنته إلا بتدخل أوروبي- أميركي في ربيع 2018.

وبناء على ذلك جاء اليوم الموعود في 18 الجاري حين ذهبت كل الرئاسات الكوسوفية (رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان ورئيس الحكومة) إلى بروكسيل لتستمع إلى تقرير مفوض الشؤون الداخلية والهجرة ديمتريس أفراموبولوس وهو يهنىء كوسوفو بحصولها على الضوء الأخضر الذي يحتاج لاحقاً (حتى نهاية العام) إلى إقراره من البرلمان الأوروبي والقمة الأوروبية.

وارتبط هذا التأجيل أيضاً بأمل أن تواصل كوسوفو وصربيا التفاوض للتوصل إلى «اتفاق تاريخي» آخر بين الدولتين. وبالفعل فقد عُقد في اليوم نفسه في بروكسيل، وفي حضور مفوضة الشؤون الخارجية فيدريكا موغريني، لقاء قمة جمع بين الرئيسين الصربي والكوسوفي الكسندر فوتيتش وهاشم ثاتشي. وتدل الصورة التي تجمع بين الرئيسين المتجهمين بعد اللقاء على صعوبة التوصل إلى تنازلات أو حل وسط.