السيستاني محتجاً

مشرق عباس |

لم يكن الأمر يحتمل خياراً ثالثاً، فأما ان يحمل السيد السيستاني يافطة الاحتجاج وينضم الى جموع المتظاهرين في المدن الشيعية ضد حكم الاوليغارشية السياسية الحاكمة، او ان يحمله المتظاهرون مسؤولية فشل حكم جاهد خلال السنوات الماضية لحماية مرجعية النجف منه.


مايدركه السيد عبر مجساته العميقة في المجتمع يختلف عن الاوهام التي يريد السياسيون سماعها، وهو يستمع بعناية، فالمؤسسة الدينية التي يقف على رأسها مازالت تحمل فلسفة الدفاع امام السلطة مهما كانت هويتها، وتصنف نفسها جزءا من شارع تستعين به لحمايتها وادامة زخمها، وهو شارع غاضب اليوم، ومضطهد ومكروب، تم الاعتداء على مقدراته، وتضليله باستخدام الشعارات الدينية، وان الاقلية السياسية التي لم تتوقف عن محاولة التسلق على أكتاف السيستاني لتمارس لعبة الدفاع عن المذهب، تنجح في اكتناز المال وتفشل في حفظ كرامة العيال.

في خطابه الأخير يتحدث السيستاني عن نصائحه المهدرة، فلا يتعامل مع نتائج انتخابات تمت على اساس قانون غير منصف ومفوضية تفتقر الى النزاهة، بل يتجنب حتى الاشارة اليها، ويصطف مع فهم الشعب للانتخابات، كممارسة يتم تفصيلها كل اربع سنوات على مقاسات الاحزاب المتسلحة بالقوة والمال والقسر، لتقود الى النتائج نفسها.

لكنه يطرح في المقابل اساس المشكلة التأسيسية في عراق 2003، ويستخدم نمطاً شديد الوضوح من العبارات، حول القوانين التي يجب تعديلها، وآليات الحكم التي يجب تطويرها، وايقاف حماية الفاسدين الكبار، بل انه يستعير لساناً احتجاجياً صريحاً للقول ان اي تلاعب بمطالب المتظاهرين سواء من السلطتين التنفيذية او التشريعية، بل ومن المحكمة الاتحادية، سيعني ان الشعب سيطور اساليب احتجاجه و»سيكون للمشهد وجه آخر».

اللغة التي استخدمها السيستاني هذه المرة، لم تكن دينية، بل انها تختلف جذرياً عن الاسلوب المعتاد في تقديم النصائح السياسية، وحرص ايضاً ان لاتفهم كأوامر صادرة من جهة عليا، بل تعكس اصطفافه الاحتجاجي مع الشعب كطرف من اطرافه، وليس محتكراً لخياراته.. السيد يدرك جيداً هذه الحقيقة، كما يدرك ان رعب الوسط السياسي العراقي يوم الجمعة، لم يكن بسبب خطبته، بل لأن صوت الشعب ظهر مجسماً وحاسماً ولايمكن التغاضي عنه او تدليسه حزبياً، وان الطبقة السياسية المتمترسة خلف اسوارها لن تقدم اي تنازل الا اذا كانت تحت طائلة هذا الرعب.

لكن العراق يقف في الواقع وسط مفترق خطير في تاريخه، ويتعرض الى ضغوط وتهديدات لاتقل عمقاً عن تهديد «داعش»، يدرك السيستاني ايضاً هذه الحقيقة، وتدركها بعض اصوات المحتجين، وبعض القوى السياسية، والتغيير المستهدف، لايمكن الا ان يكون تحت السيطرة، ومن دون فتح الباب لفوضى عارمة يركبها الساعون الى خطف البلاد.

التغيير من وجهة نظر السيستاني يجب ان يكون من داخل ديناميكية العملية السياسية الحالية التي يتم الاقرار بانها فقدت قدرتها على الاستمرار، وصولاً الى انتاج عملية سياسية جديدة بقواعد عمل وعلاقات جديدة، ومن خلال تنازلات كبرى من كل الاطراف، لايمكن ضمانها من دون ادامة التهديد الشعبي للوضع السياسي برمته.

يكاد هذا الفهم للتغيير، يتطابق مع مطالب تتصاعد بضرورة ايجاد مرحلة انتقالية تقودها حكومة «قوية وشجاعة ومسؤولة وخبيرة» تعمل تحت ظل الزخم الشعبي لاجبار القوى السياسية على تمرير استحقاقات الاصلاح، بما يضمن انتقالاً سلساً وطبيعياً من مرحلة الى اخرى.

هذه الحكومة لايمكن ان تكون حكومة احزاب، بل حكومة الشعب، ودورها لايترجم نتائج الانتخابات، بل نتائج الاحتجاج، وآليات عملها موجهة لضمان كرامة الناس، وحمايتهم من تغول الشركات الحزبية، لا حماية الاحزاب من غضب الشارع، وعمرها يقتصر على اكمال واجبها والخروج بالعراق سالماً من عواصف اقليمية ودولية كبرى تحيق به، والتأسيس لعملية سياسية بقوانين وتقاليد عمل اكثر نضجاً لمواجهة متطلبات المستقبل.

على قادة الاحزاب العراقية ان يدركوا انهم امام مسؤولية جسيمة للمشاركة في التغيير عبر اقرار خريطة طريق آمنة، والتوقف عن مقاومة ارادة الشارع، ولديهم الوقت والفرص للتوصل الى ذلك طوعاً، قبل ان يُفرض قسراً.