انفجار فقاعة أوهام الـ «سوشال ميديا» بمطرقة الفضائح والسياسة

كتب أحمد مغربي |

انسَ الأرقام، ولو كانت مذهلة وتاريخية. الأرجح أن ما تعانيه شبكات التواصل الاجتماعي زلزال ناتج عن تصادم تيارات كبرى: السياسة (التدخل الروسي في انتخابات الرئاسة الأميركية)، والحرية (فقدان الثقة في البيانات بعد فضائح كـ «كامبردج آناليتكا»)، والحرب التجارية بين ضفتي الأطلسي. الأرجح أن ذلك الزلزال المتعدد الصفيحة التكتونية (بلغة الجيولوجيا) هو أساس الهاوية التي فتحت شدقيها فجأة كأنها وحش أسطوري.


مجدداً، انسَ المال على رغم صحة القول أن أسهم «تويتر» و «فايسبوك» سجلت أرقاماً قياسية تاريخياً في الهبوط، بل جرت معها بورصة «نازداك» المختصة بأسهم شركات المعلوماتية والاتصالات، ثم بورصة «داو جونز» التي صارت الشركات التقنية العملاقة أساساً فيها، في تعبير قوي عن اندماج الحياة المعاصرة بالتقنيات الرقمية.

لنتمهل قليلاً. لا تفسر الأرقام ما يحصل، إذ سقطت أسهم «تويتر» (أمس) بعشرين في المئة (صار يساوي 34.12 دولار) بعد يوم على سقوط سهم «فايسبوك» بمقدار 20 في المئة أيضاً. ثمة مفارقة. هوت «فايسبوك» مع خسائر ضخمة (175 بليون دولار للشركة، و16 بليوناً لمارك زوكربرغ: رئيس «فايسبوك»)، وسجلت الخسارة الأضخم في تاريخ الشركات كلها. على النقيض، سقطت «تويتر» بعدما سجلت أرباحاً بنحو 120 مليون دولار، هي الأعلى في تاريخها! تلك هي القطرة الأولى من المفارقات في حال السقوط الذي تعيشه الـ «سوشال ميديا».

لا تخفي زلازل

مفارقة أخرى تتعلق ببورصتي «نازداك» و «داو»، إذ جرتهما الخسارتان «المتناقضتان» لشركتي «تويتر» و «فايسبوك»، إلى الهبوط، على رغم أن «داو» يعيش نشوة صعود تاريخي قياسي إلى ما فوق 25.4 ألف نقطة، ويزهو «نازداك» بصعوده فوق 7.7 ألف نقطة، وهو رقم قياسي أيضاً، مع ملاحظة أنه دُعِم يوم سقوط «فايسبوك»، بصعود مذهل لشركة «آمازون» التي لامست التريليون دولار في حجمها، وقفز صاحبها جيف بيزوس إلى المرتبة الأولى بين أثرياء العالم!

لماذا سقط «داو» (0.3 في المئة)، ولماذا هبط «نازداك» (1.4 في المئة) على رغم كل تلك السجلات المبهرة؟

الأرجح أنه يجب البحث خارج الأرقام والأموال. لنبدأ من تأثير الفضائح التي ضربت ثقة الجمهور. ربطت «تويتر» و «فايسبوك» بين سياستهما المستجدة في محاربة الأخبار الكاذبة والحسابات الوهمية والمسيئة والمحتوى المتطرف من جهة، وتقلص أعداد المستخدمين الجدد لديهما. ما لا تقر به الشركتان أنهما أجبرتا على ذلك بعد سلسلة من الفضائح، خصوصاً فضيحة «كامبردج آناليتكا» التي كشفت أن «فايسبوك» (وعلى غراره «تويتر») كانت أداة سهلة للتدخل الروسي الإلكتروني (عبر «الأخبار الكاذبة») في الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016، وهو أمر أثار أزمة سياسية ما زالت متصاعدة في واشنطن، وهي تزيد اهتزاز ثقة الجمهور بالديموقراطية الأميركية كلها. مذّاك، توالت الأخبار عن انصراف الجمهور عن الـ «سوشال ميديا»، وعدم اطمئنانه إلى جهود الشركات في محاربة «الأخبار الكاذبة» والمحتوى المتطرف وغيرها. ولعبت أوروبا دوراً، إذ أجبرت الشركات الأميركية على الالتزام بمعايير «جي دي بي آر» في الاتحاد الأوروبي، وهي تحمي بيانات الجمهور على حساب مصالح الشركات. وضربت أوروبا شركة «غوغل» بعقوبة مالية قياسية بدعوى احتكارها، ما ساهم في هز صورة المعلوماتية الأميركية.

وجاءت العقوبة لتذكّر بضخامة الاستثمارات الأميركية في اقتصاد الخدمات الأوروبي، وهو ما يتعمد الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاهله عبر تركيزه على الفجوة في تجارة البضائع بين طرفي الأطلسي. باختصار، انسَ المال. ابحث عن السياسة والحرية والخصوصية للأفراد وبياناتها على الإنترنت و... روسيا أيضاً.

هل تكون عملة «بيتكوين» الساحة المقبلة، عبر صعود مفاجئ أو سقوط متسارع؟