كيف يمكن مواجهة التغيّر في الأعمال والأسواق؟

إبراهيم غرايبة |

تمثل الطبيعة المتغيرة للعمل وإعداد الناس لوظائف المستقبل أصعب التحديات التي تواجهها الدول والمجتمعات والأسواق. وقد خصص البنك الدولي تقريره الأخير عن التنمية في العالم لطبيعة التغير بالعمل في السنوات المقبلة، يقول جيم كيم يونغ رئيس البنك الدولي إننا نواجه أزمة وجودية حول مستقبل العمل.


على رغم وضوح وواقعية التحديات في الأعمال والموارد والأسواق وعمق تأثيرها فإن الاستجابات المقترحة لدى المنظمات الدولية ومراكز الدراسات والتفكير مستمدة من أفكار عامة في بناء بيئة اقتصادية اجتماعية تعليمية تساعد الأفراد والمؤسسات على استيعاب التحولات وإدارتها بكفاءة، أو بناء المهارات الأساسية العامة التي تساعد في إدارة التحديات، إذ أنه ليس لدى أحد في واقع الحال إجابة واضحة أو قدرة كافية على التنبؤ والاقتراح. ليس لدينا سوى الخيال وعمليات تفكير واستماع طويلة ودؤوبة، والنية الحسنة!

تحتاج وظائف المستقبل إلى مهارات معقدة وسوف يكون رأس المال البشري مورداً أكثر قيمة من أي وقت مضى، وتتطلب مهارات وقدرات في التفكير النقدي والتعاون والعمل المتواصل، ما يعني بالضرورة أن المؤسسات التعليمية والتدريبية يجب أن تغير في طبيعة عملها ومحتواها. لكنها تحولات على رغم جذريتها وضخامتها ومخاوفها وتحدياتها تحمل وعوداً جديدة بالرفاه وتحسين الحياة، فإذا كانت التكنولوجيا الجديدة تلغي وظائف وأعمالاً قائمة فإنها تنشئ أعمالاً أخرى جديدة.

يبدأ الاستثمار في التعليم والتدريب لعمل المستقبل من الطفولة المبكرة، وتصعد أيضاً لمواجهة هذه التحديات قيم العدالة وتكافؤ الفرص باعتبارها الضمان الأساسي لنمو الأعمال وتطويرها وحكم الأكفأ، فلم تعد العدالة فقط قيمة مؤسسة للحكم والمجال العام، لكنها أيضا مورد عظيم لتنظيم وتطوير الكفاءات والأعمال وتقدمها، وفي ذلك فإن الضرائب والموارد العامة في حاجة إلى إعادة تنظيم عادل وكفؤ، لأجل أن يساهم الأغنياء في تطوير المؤسسات والأسواق والأعمال ويتاح لجميع الطبقات فرص الارتقاء والتعلم المستمر والتدريب، ولأجل ألا تضيع الكفاءات والفرص الواعدة بسبب الفقر والبطالة والظلم والتهميش.

لقد كان الخوف من الآلة وتأثيرها السلبي على الإنسان هاجساً للمفكرين والفلاسفة منذ قيام الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر، لكن التكنولوجيا كانت على الدوام مؤسسة للديموقراطية والحريات والعدالة كما الرفاه وتحسين الحياة، ولئن حذر ماركس من أن الآلة تزيد التحكم الرأسمالي بالطبقات الاجتماعية والاقتصادية فقد تحسنت الصحة ومعدلات عمر الإنسان وتطور التعليم تطوراً هائلاً، وتضاعفت المعرفة إلى حدود ومجالات غير مسبوقة.

تتلخص فكرة تغيير طبيعة العمل في مسألتين: حلول التكنولوجيا محل المهارات الروتينية والأقل تقدماً، وزيادة الطلب على المهارات الإنسانية المتقدمة. وتغير أنماط وتنظيم المؤسسات والشركات، حيث يمكن العمل من بعد ومن خلال الشبكة. ومن الاقتراحات المقدمة في تقرير البنك التوسع في تسهيل وصول جميع الناس إلى الإنترنت بتكاليف معقولة، ويمكن الاقتراح هنا على الحكومات التوسع في المساحات المشاعية للإنترنت، مثل الجامعات والحدائق والساحات والمحطات العامة. وبالطبع يظل أساسياً وملحاً تطوير المرافق والخدمات الأساسية مثل الطرق والمدارس والمستشفيات والمراكز والأندية الاجتماعية والثقافية.

وفي تغير أنظمة العمل التي صارت تبتعد عن المؤسسية والعقود والانتظام، نحتاج إلى التفكير في أنظمة جديدة وأكثر تقدماً وشمولاً وعدالة للضمان الاجتماعي والتأمين الصحي، وفي الوقت نفسه فإن سوق العمل على هذه النحو غير المرئي تساعد على التهرب الضريبي، إذ لا توجد إحاطة كافية بالدخول الناشئة عن أعمال غير مسجلة أو غير منظمة. كما نشأت شركات عالمية وأخرى جديدة خارجة عن قواعد التنظيم والتسجيل، فعلى سبيل المثال تعمل شركات مثل غوغل وفيسبوك في الأسواق الوطنية من غير ضرائب أو مشاركة اقتصادية او اجتماعية. وبطبيعة الحال يجب التفكير في قواعد اجتماعية واقتصادية جديدة لتنظيم الأعمال والعلاقات والضرائب.

والحال أنه ليست لدينا استجابة مؤكدة لهذه التحولات الاقتصادية الاجتماعية سوى «الذات الفاعلة» التي تملك المناعة الاجتماعية والذاتية والمهارات والمعارف الأساسية، ما يمكّنها من استيعاب التحولات والأزمات، ولنتخيل على سبيل التمرين والقياس التحولات الكبرى التي صاحبت الثوة الصناعية، والمدن والأعمال والثقافات والعلاقات والطبقات والمهن والأعمال والأسواق والسلع الجديدة والمنقرضة.

* كاتب أردني