أطوار الشرطة والمجتمع في أميركا... من السينما والتلفزيون إلى تسجيلات الـ «سمارتفون»

ديدييه كومبو |

يشعر المرء أنه ملم بشؤون الشرطة الأميركية وأنه أليف بها من كثرة الأفلام والمسلسلات التي تابعها وكانت تتناولها. ولكن الشرطة الأميركية ليست جهازاً واحداً وهي بالغة التعقيد: 18ألف جهاز شرطة وثمة قوانين خاصة بكل جهاز منها. فالشرطة الأميركية هي «شرطات»، ويسوغ الجمع حين الكلام عليها النموذج السياسي الأميركي. فالدستور الأميركي يعتبر أن الشرطة هي شأن محلي. والأميركيون سعوا إلى تعدد أجهزة الشرطة. فهم يرون أن مثل هذا التعدد هو مرآة أمينة لإرادة الشعب، على خلاف أجهزة الشرطة المركزية والملكية في القوى الكولونيالية الأوروبية السابقة. ففي سبيل تفادي توسل سلطة مستبدة بالشرطة، يؤطر الدستور امتيازاتها وواجباتها. وأبصرت النور أول شرطة مدينية أميركية في الساحل الشرقي، في بوسطن ونيويورك، على وجه التحديد، في منتصف القرن العشرين في وقت اتسعت مساحة هذه المدن، ولم يعد في إمكان سكانها السهر على شؤونها. فالولايات المتحدة دولة فيديرالية غير مركزية. لذا، نشأت أجهزة الشرطة أول ما نشأت على الصعيد المحلي مع تباين مناطقي بين المدن والمقاطعات أو الولايات. والشرطة الفيديرالية، الـ «أف بي آي»، لم تبصر النور قبل 1908.


وعلى ما تقدم، عدد أجهزة الشرطة في الولايات المتحدة يبلغ 18 ألفاً، والشرطة البلدية هي الأكثر عدداً، ولكنها لا تشمل أجهزة الشرطة كلها: «الشريف» المنتخب في كل منطقة، وشرطة المنتزهات وشرطة وسائل النقل، والجامعات. وهذه الأجهزة لا تتولى الحراسة فحسب بل هي أجهزة شرطة فعليه مؤهلة اعتقال المخالفين. وثمة مروحة واسعة من وكالات الشرطة المحلية المختصة بالمواد المخدرة على سبيل المثل أو شؤون المهاجرين أو السلاح، إلخ. وعدد القوات الفيديرالية ضئيل، قياساً إلى أجهزة الشرطة في البلاد. فهي تعد حوالى 30 ألف عميل... أي ما يضاهي عديد شرطة نيويورك فحسب، أو عديد الشرطة الفيديرالية لشؤون الهجرة. وهذا العدد متواضع ولا يكفي لإحكام قبضة النظام والتشدد مع المهاجرين على نحو ما يشتهي دونالد ترامب. فأجهزة الشرطة المحلية غالباً ما تتردد في فرض قوانين الهجرة لأسباب عقائدية (أيديولوجية)، وهذه حال بلديات وعمدة نواحٍ وولايات ديموقراطية مثل كاليفورنيا التي ندبت نفسها ملاذات آمنة للمهاجرين، أو لأسباب واقعية. فاعتقال المهاجرين يقتضي النأي عن شطر من السكان، وخسارة القدرة على الاطلاع على ما يجري فعلاً في الميدان، وتقويض قدرة الشرطة على حفظ الاستقرار والهدوء.

ولا تحتكم الشرطة الأميركية إلى وسائل العنف المشروعة على ما هي حال أجهزة القوة في الدول الأوروبية. فالدفاع عن الجماعة يتصدر التزامات المواطنة. ويرى الفرنسيون أن مثل هذا التصدر هو ذورة الفردية، ولكن الواقع أكثر تعقيداً. ففي الغرب الأميركي، سبقت لجان الحماية والمراقبة تشكيل قوات الشرطة. وإلى اليوم، يرص الجيران صفوفهم لمراقبة الأحياء. وفي الجنوب، درج أسياد الرقيق على تنظيم دوريات للحؤول دون التمرد وقمع عمليات الفرار. وبعض منها انضم إلى حركة «كو كلوكس كلان» العنصرية، إثر هزيمة الجنوب. ويرى محامو الحقوق المدنية أن هذه الدوريات قدوة تحتذى في الشرطة المعاصرة. وتتحدر من هذه القدوة تجاوزات الشرطة اليوم. وأجهزة الشرطة الخاصة تشكلت في العقود الأخيرة. ولكن منذ 1850، كانت وكالة بينكيرتون تسد عجز القوى الفيديرالية عن التدخل في كامل الأراضي الأميركية. وكان في عداد تحرييها كاتب الروايات البوليسية داشييل هاميت.

والعالم كله يعرف مديرية الشرطة النيويوركية NYPD، وشرطة لوس أنجيليس أو الـ «أف بي آي». ويعود الفضل في ذيوع صيت هذه المديريات والأجهزة إلى السينما أو التلفزيون. ولكن صور الشرطة الأولى لم تبث في الأفلام من دون تشذيب تولته السلطات. ففي 1924، كتب رئيس مديرية شرطة نيويورك، سيناريو فيلم صامت عن الشرطة يمنح مديريته الدور الأبرز. ومدير القوات الفيديرالية، إدغار هوفر في عهد الرئيس فرانكلين روزفلت، لمّع صورة الشرطة الفيديرالية، فشارك في إخراج أفلام ومسلسلات على الراديو. ومع انتشار أجهزة التلفزيون، شاركت مديرية شرطة لوس أنجيليس في إخراج سلسلة بوليسية ذاع صيتها، Badge 714، وبثت بين 1951 و1959. ويفتتح كل موسم من هذه السلسلة بعبارة « الفيلم الذي ترونه هو قصة حقيقية». وحينها فتحت المديرية أرشيفها أمام التلفزيون، ولكنها رهنت بث الحلقات بموافقتها المسبقة. والمنعطف جاء مع «ديرتي هاري» في 1971. فإلى حينها، كانت الأعمال التلفزيونية والسينمائية البوليسية تحت مجهر السلطات، وكان الشرطي شخصية غير فاسدة ومستقيمة. ولكن مع المفتش هاري صار رجال الشرطة في نزاع مع سلم هرمي يصدع بتوازنات سياسية. وصارت الشرطة غير منزهة. وفي الثمانينات، أخرجت سلسلات مثل NYPD blues رجال الشرطة على هيئة جديدة: هم رجال يتحدرون من أسر مثل الواحد منا. فلرجال الشرطة عائلات ومشكلات مع الإدمان وقصص حب، في وقت تقتصر حياة المفتش في Badge714 على الإطار المهني، وعمله وواجباته في سلك الشرطة. وشيئاً فشيئاً، خرجت صورة رجال الشرطة عن طوع قبضتهم، وصارت أكثر قتامة وتشاؤماً ودقة. وفي عام 2000، قدمت سلسلة «ذي واير»، الذائعة الصيت، صورة بالغة الواقعية عن الشرطة. وبلغت من الواقعية مبلغ تدريسها في صفوف البحوث الاجتماعية الجامعية.

ولم تعد صور الشرطة الأميركية في العالم من بنات عالم الخيال فحسب. فعدسة مقيم في المنطقة سجلت ضرب شرطة لوس أنجيليس رودني كينغ في 1991، وجالت الصور هذه العالم وافتتحت عصراً جدديداً من صور الشرطة. واليوم، مع ذيوع الأجهزة المحمولة، يعمل رجال الشرطة الأميركية أمام العالم كله. ويحظر الدستور الأميركي منع تصوير أعمال الشرطة، ولا يجيز مصادرة الصور. لذا، جهز رجال الشرطة بكاميرات تصور ما يجري من وجهة نظرهم. وهذا التسجيل، من جهة، يحمل الشرطة على التزام المسؤولية وعدم انتهاك القوانين، ولكنه من جهة أخرى، هو في مثابة دليل قد يستخدم لإثبات وجهة نظر الشرطي أو إدانته. ونشر صور انتهاكات الشرطة على نطاق واسع، ساهم في اندلاع انتفاضات، وساهم في تعداد أدق لأعداد ضحايا الشرطة. فإلى 2015، كان جهاز الـ»أف بي آي» وحده من يصدر أعداد القتلى إثر التعاون مع السلطات المحلية: فتزوده هذه بالبيانات ويتولى جمعها. ولكن منذ أعمال الشغب في فرغسون، تتولى صحف على غرار واشنطن بوست تعداد الضحايا من تلقاء نفسها استناداً إلى مصادر متنوعة منها الصحافة... وفي وقت كانت أعداد ضحايا الشرطة في تقارير الـ «أف بي أي» لا تزيد عن خمسمئة أو أربعمئة قتيل سنوياً، أحصت الصحافة ألف ضحية إلى 1200 ضحية سنوياً. والرقم هذا ضخم. فهو يفوق، على سبيل المثل، عشرة أضعاف نظيره في فرنسا. وسلطت حركة «بلاك لايفز ماتر» الضوء على الجانب العرقي من عنف الشرطة. ففي وقت تبلغ نسبة الأفارقة الأميركيين 13 في المئة من مجمل السكان، هم 25 في المئة من قتلى الشرطة. وأكثر من ترديهم الشرطة هم من الشباب السود قياساً إلى النساء والمسنين السود. ولكن ضحايا الشرطة ليسوا أفارقة أميركيين فحسب، فثمة لاتينيين (يتحدرون من أميركا اللاتينية) وبيض. وتتقاطع مشكلتان اجتماعيتان: المسألة العرقية والعنف المسلح. وعلى رغم أن ما تذهب إليه حركة «بلاك لايفز ماتر» مبسط، إلا أن القول إن الشرطة هي في مثابة قوة احتلال في أحياء السود، لا يجانب الصواب. ولكن العنصرية ليست فحسب وراء عنف الشرطة. ففي أجهزة الشرطة البلدية حيث السود هم الغالبية، على ما هي الحال في ديترويت، يُردى «الملونون» كذلك، ولا ينجون من عنف الشرطة. ويبدو أن جرح العبودية لم يندمل بعد في أميركا. فثمة أحياء غارقة في حلقة مفرغة من عنف الشرطة وعنف الجانحين. وتنتشر هناك الأسلحة النارية. وعليه، ليس مفاجئاً شعور الشرطة بالخطر واستلالها سلاحها على الفور وتلقيمه. فحادثة مرورية تافهة قد تنتهي إلى مجزرة.

* خبير في شؤون المجتمع الأميركي، صاحب» الشرطة الأميركية» (غاليمار 2018)، عن «ليبيراسيون» الفرنسية، 13/7/2018، إعداد منال نحاس

الأكثر قراءة في الرأي