الصين أضعف من خوض حرب تجارية مع أميركا

حسن يحيى |

لا تزال الأسواق العالمية تشهد ذعراً بعدما بدأت نذر حرب تجارية تلوح في الأفق، خصوصاً بين الصين والولايات المتحدة الأميركية على إثر الرسوم التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والرسوم التي من المقرر أن يفرضها في وقت لاحق على الواردات الصينية. وحتى الساعة، لا يزال الرد الصيني غير واضح، في حين يذهب البعض إلى القول، إن الصين غير قادرة فعلياً على أذية الولايات المتحدة بشكل فاعل في المدى الطويل، فيما تبدو أميركا قادرة على إلحاق الأذى بشكل أكثر فعالية وقوة بالاقتصاد الصيني.


الصين أكبر المصدرين في العالم، إذ بلغ حجم تصديرها في العام الماضي نحو 2.26 تريليون دولار، بارتفاع نسبته 7.9 في المئة على أساس سنوي. وتقدر الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة بأكثر من 500 بليون دولار سنوياً.

وعلى رغم ذلك، فإن الصين تعد ثاني أكبر المستوردين في العالم، إذ وصلت قيمة وارداتها العام الماضي 1.84 تريليون دولار، بارتفاع نسبته 15.9 في المئة على أساس سنوي، في وقت تشكل وارداتها من الولايات المتحدة ما قيمته 130 بليون دولار فقط من المنتجات.

ويعتمد الاقتصاد الصيني بشكل رئيس على التصدير، وهو ما قد يتضرر بقوة في حال فرض الرئيس الأميركي رسوماً على المنتجات الصينية، إضافة إلى الخلاف مع الاتحاد الأوروبي، ما يعني أن العالم أمام حرب تجارية حامية الوطيس بين أقوى اقتصادات العالم، تهدد معدلات النمو العالمية وتؤثر بطبيعة الحال على التجارة العالمية، وبالتالي على إيرادات الصين من التصدير. هذا التأثير من شأنه أن يخفض النمو وحجم الاستثمارات الواردة إلى الصين، وهو ما لا تستطيع تحمله بسهولة.

وظهرت بوادر قلق الصين من الرسوم الأميركية، فلجأت إلى «التودد» للاتحاد الأوروبي على أمل أن تكسب حلفاء في معركتها التجارية مع الولايات المتحدة، إضافة إلى محاولتها تعظيم التبادلات التجارية مع أسواق أخرى غير أميركا.

والصين قادرة على القيام بالقليل جداً من الخطوات التي يمكنها أن تؤثر بشكل مباشر في الاقتصاد الأميركي، إلا أن هذه الخطوات تؤثر سلباً في اقتصادها في المديين المتوسط والطويل.

وتأتي سندات الخزانة الأميركية في مقدم هذه الخطوات، إذ لطالما كانت الصين أكبر حامل للسندات الأميركية برصيد يزيد على تريليون دولار. وبعدما نقلت وكالة «بلومبيرغ» الأميركية أن مسؤولين صينيين يحضون على تخفيف شراء السندات الأميركية، سارعت السلطات في بكين إلى نفي الخبر جملة وتفصيلاً معتبرة أنه بُني على معلومات مغلوطة.

والحق أن الصين لا تستطيع التخلي مباشرة عن السندات الأميركية، خصوصاً أنها لا تستحوذ عليها لأنها تعد استثماراً جيداً وأكثر الاستثمارات ضمانة في العالم، بل لديها أهداف تجارية في عملية الاستحواذ، ففي وجود فائض مالي هائل ناتج عن انتعاش الصادرات، تحاول الصين استثمار هذا الفائض في السندات الأميركية للمحافظة على معدل منخفض لسعر صرف عملتها، ما يساهم في دعم تنافسية صادراتها.

وتتم هذه العملية من خلال شراء البنك المركزي الصيني معظم الدولارات التي تدخل البلد، ليستعملها بشراء السندات الأميركية ما يعني إعادتها إلى الأسواق الأميركية، وهو ما يحافظ على قيمة «اليوان» في مقابل الدولار.

وفي حال قررت الصين دخول هذه العملية، فإنها معرضة للكثير من الخسائر الاقتصادية، خصوصاً أن التخلي عن السندات قبل موعد استحقاقها يحمل في طياته الكثير من الخسائر المالية التي يمكن أن تستعملها الصين في تنمية اقتصادها بدل إضاعتها هباء لأذية الاقتصاد الأميركي.

ومن الوسائل التي تستطيع الصين استعمالها وقادرة على إلحاق بعض الأذية في الاقتصاد الأميركي، خفض قيمة اليوان أمام الدولار. هذا الأمر يمكن أن يساعد المنتجات الصينية على تخطي أثر الرسوم، فخفض قيمة اليوان 8 في المئة، قد يلغي أثر الرسوم الأميركية، وستشهد الشركات الأميركية ارتفاعاً في قيمة المنتجات الصينية بعد الرسوم بقيمة 2 في المئة فقط.

وتعلم الولايات المتحدة جيداً أن هذا الحل يمكن أن ينقذ الصين من الآثار المترتبة على الرسوم، ما دفع وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشين فوراً إلى تحذير الصين قائلاً إن «وزارته تراقب عن كثب اليوان بحثاً عن أي علامات على تلاعب بالعملة». وقال في إشارة إلى الصين: «لا شك في أن ضعف العملة يؤمن ميزة غير عادلة لهم... سنجري مراجعة بعناية بالغة للوقوف على ما إذا كانوا قد تلاعبوا بالعملة»، ليأتي الرد الصيني أمس بأن الصين لن تتلاعب بعملتها عن قصد وهي خاضعة للعرض والطلب في السوق.

ولا يقف التذمر من انخفاض قيمة العملة الصينية عند الولايات المتحدة، إذ قد يؤدي إلى تذمر أوروبي، فمن شأن خطوة كهذه إضعاف الاقتصاد الأوروبي أيضاً، فضلاً عن أنها قد تؤدي إلى هروب الرساميل من الصين، ما يعني انخفاض عدد المؤسسات والاستثمارات، وبالتالي انخفاض حجم التصدير.

والحال أن الصين قد تلجأ إلى خيارات بديلة، مثل المقاطعة والتضييق على الشركات الأميركية العاملة في الداخل الصيني، وهي خطوات لا تؤذي الاقتصاد الأميركي فعلياً.

في المحصلة، فإن مفهوم «الحرب التجارية» لا يمكن أن ينطبق على الخلاف الصيني- الأميركي، خصوصاً أن الرد الصيني لا يمكنه أن يكون متكافئاً مع القرارات الأميركية التي يمكن أن تتطور إلى عقوبات، على سبيل المثال لا الحصر.