تحديات داخلية للانتقال الرئاسي في تركيا

عمر كوش |

بعد انتقال تركيا إلى النظام الرئاسي، تطرح تساؤلات حول التغييرات التي سيحملها هذا الانتقال إلى تركيا ومجتمعها، في المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ومدى تأثير إرهاصاته في المواطن التركي ومستوى معيشته ومستقبله، لأن المهمة التالية أمام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزبه الحاكم، تتمثل في نقل تركيا فعلياً إلى النظام الرئاسي الجديد، بعدما انتقلت إليه دستورياً. وهذا يستلزم إعادة هيكلة الدولة ومؤسساتها، وإقناع المجتمع في شكل محسوس بأفضلية الانتقال، كي يتحقق نجاح النظام الجديد، في ظل مراقبة المعارضة الداخلية، فضلاً عن الدول الخارجية، للخطوات المتخذة، وما يرافقها من أخطاء وهفوات قد تحدث خلال الانتقال.


ولئن كان رجب طيب أردوغان وضع هدفاً طموحاً لفترة رئاسته الجديدة، المحددة بخمس سنوات، وهو الوصول بتركيا إلى مصاف الدول العشر الأقوى اقتصادياً في العالم، فإن ذلك يطرح أسئلة عن كيفية هذا الوصول وسبل تحقيقه، وعن طريقة التعامل مع التحديات الأخرى التي تواجهها تركيا على الصعيدين الاجتماعي والسياسي، إلى جانب المستوى الاقتصادي.

وضع أردوغان عام 2023 كحدّ لتحقيق الإنجازات والخطط المرسومة، بوصفه تاريخاً رمزياً، نظراً إلى أنه سيصادف انتهاء فترة رئاسته الأولى في ظل النظام الرئاسي الجديد، وأيضاً، لأنه يؤرخ لحلول الذكرى المئوية الأولى لتأسيس الجمهورية التركية التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك في تشرين الأول (أكتوبر) 1923، بعد أربعة أشهر فقط من توقيع اتفاقية لوزان التي رسمت حدود الجمهورية التركية على أنقاض الإمبراطورية العثمانية. وليس مستغرباً أن يختار أردوغان عام 2023، لأنه سيصادف مرور 600 سنة على الفتح العثماني مدينةَ إسطنبول (القسطنطينية سابقاً).

التحديات التي أمام حزب العدالة والتنمية الحاكم وحليفه حزب الحركة القومية، تبدأ من الخلافات التي قد تنشأ من اختلاف الأيديولوجيا بينه وبين الحليف القومي الذي شاركه تحقيق النصر الانتخابي، وتمتد إلى الإشكاليات التي أحدثتها نتائج الانتخابات النيابية، وأفضت إلى خريطة جديدة للبرلمان، توزعت فيها المقاعد على خمسة أحزاب، حيث تؤشر التركيبة الجديدة للبرلمان المؤلفة من 600 نائب، إلى أن المعارضة ستكون أقوى بكثير مما كانت في البرلمان السابق، حيث حصل التحالف الفائر، على 344 مقعداً (حزب العدالة والتنمية الحاكم حصل على 295 مقعداً، وحزب الحركة القومية على 49، أما المعارضة فحصلت على 256 مقعداً (حزب الشعب الجمهوري حصل على 146 مقعداً، وحزب الشعوب الديموقراطي على 67، والحزب الصالح على 43).

ويتطلب الانتقال السلس للنظام الرئاسي الجديد تهيئة الأجواء السياسية والقاعدة اللازمة لتحقيقه، بما يعني نسج علاقات شراكة في شكل أو في آخر مع أحزاب المعارضة، والانفتاح عليها لمناقشة قضايا السياسة والمجتمع، بما يخفف الانقسام والاستقطاب، لكن المعارضة ترى أن الانتقال إلى النظام الرئاسي يصب في مصلحة مشروع أردوغان وحزبه، ويخدم في شكل كبير ومباشر مشروعه السياسي، الهادف إلى السيطرة على مؤسسات الدولة وتطويعها، من خلال إعادة تشكيلها أو هيكلتها، كي تكون أكثر مركزية ومُحافظة، وأشد ارتباطاً بالرئيس وحزبه الحاكم، ما يفقدها استقلاليتها، إضافة إلى تطويع مؤسسات الدولة، كالمؤسسة العسكرية والأمنية والقضاء والتعليم والمالية وسواها.

ويبدو أن الوضع التركي الداخلي يشير بوضوح إلى وجود ثلاثة تحديات رئيسية، أولها كيفية التعامل من الانقسام السياسي في المجتمع، وثانيها كيفية التعامل مع المسألة الكردية، وثالثها الوضع المعيشي للمواطن التركي. تضاف إليها جملة الانقسامات السياسية ومشكلة التباطؤ الاقتصادي وارتفاع نسب التضخم والبطالة، خصوصاً بين الشباب، والتضخم والتراجع المستمر لسعر صرف الليرة التركية أمام العملات الأجنبية، وما يسببه من ارتفاع الأسعار، الأمر الذي يؤكد وجود تحديات تواجه الرئيس التركي وحزبه الحاكم، تضاف إلى الصراع السياسي الداخلي الذي أدى إلى انقسامات عميقة واستقطابات حادة.

ولا شك في أن مؤيدي المعارضة، خصوصاً حزب الشعب الجموري، فوجئوا بحجم القاعدة الشعبية المؤيدة أردوغان وحزبه، وشعروا بأنهم يعيشون في عالم آخر، غير تركيا، لكونهم لم يشكلوا حولهم قاعدة شعبية عريضة، بل اكتفوا بالتعامل والتواصل مع أمثالهم، ظناً منهم أن جميع الأتراك يشبهونهم ويفكرون مثلهم، ولم ينزلوا إلى الشارع، كي ينظروا إلى الكتلة الشعبية المحافظة التي تشكل حوالى نصف سكان المدن الكبرى، إضافة إلى غالبية سكان مناطق الأناضول والأرياف. كما أن القاعدة الشعبية للرئيس أردوغان وحزبه منظمة انتخابياً وتؤيدهما، على رغم معاناتها المعيشية والاقتصادية وعدم رضاها عن بعض ممارساتهما وسياساتهما الاقتصادية التي أفضت إلى اختناقات اقتصادية.

الحكومة التركية الجديدة تعي الصعوبات والتحديات التي تواجهها، لذلك ستلجأ خلال الفترة المقبلة إلى خفض الإنفاق العام، ووضع إطار عمل ضمن برنامجها الاقتصادي، كي تحدّ من التضخم الذي قفز إلى 15.4 في المئة في حزيران (يونيو) الماضي. إضافة إلى بذل جهود حثيثة للحفاظ على معدل نمو مستدام وصحي، حيث أظهرت بيانات رسمية، صدرت أخيراً، أن الموازنة العامة سجلت عجزاً بلغ 5.3 بليون دولار في حزيران الماضي على أساس شهري، مع زيادة كبيرة على أساس سنوي، بسبب ارتفاع الإنفاق العام قبل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي أجريت في 24 حزيران الماضي.

وتبقى المسألة الكردية التي تؤرق تركيا، وتشكل تحدياً كبيراً لكل الحكومات، إذ إن حزب الشعوب الديموقراطي حقق نتيجة جيدة في الانتخابات الأخيرة، وتجاوز العتبة الانتخابية الدستورية، على الرغم من سجن قادته، إذ حاز على 66 مقعداً في البرلمان الجديد، أي إنه حقق نسبة أكبر من تلك التي حصل عليها في الانتخابات البرلمانية السابقة في تشرين الثاني (نوفمبر) 2015، وهو ما سيأخذه بالحسبان الرئيس أردوغان وحزبه الحاكم.

غير أن أكراد تركيا لا يمثلون كتلة متجانسة، سياسياً واجتماعياً، فهم مثل سائر المواطنين، يختلفون سياسياً واجتماعياً بخصوص مجمل القضايا التي تخص تركيا، ولا يمكن القول أن حزب العمال الكردستاني أو حزب الشعوب الديموقراطي يمثل أي منهما الأكراد أو حتى غالبيتهم، وهناك اختلاف كبير بينهم حتى بخصوص تسوية القضية الكردية. كما أن هناك جمهوراً كبيراً من الأكراد انتخب أردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم، فضلاً عن أن العشائر الكردية والمحافظين الأكراد يرون في أردوغان الوحيد القادر على السير في «مسيرة السلام»، والتوصل إلى اتفاق ينهي المواجهات العسكرية، ويستندون في ذلك إلى التقدم الملحوظ في موقع الأكراد في الساحة السياسية التركية، وإلى تحسن أوضاعهم الاجتماعية والثقافية، بعد أن أجرى أردوغان تعديلات دستورية وقانونية عام 2013، عززت حقوق الأكراد، ومكنتهم من استخدام لغتهم في المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية، إلى جانب التقدم في تطوير وتنمية مناطقهم.

مواجهة تحدي المسألة الكردية مرتبطة بإزالة المناخ الذي أوصل إلى مرحلة قصوى من الشحن والتوتر ما بين الحكومة التركية والأكراد، خصوصاً حزب الشعوب الديموقراطي، وتخفيف الإجراءات الاستثنائية في المناطق الشرقية من تركيا، وتغيير موقف القوميين الأتراك من الأكراد، وعودة الثقة بين الأطراف، من خلال استئناف مسيرة السلام التي توقفت منذ سنوات.

* كاتب سوري مقيم في تركيا