«الصوت الإنساني» لجان كوكتو: نهاية الحب بداية الشغف

ابراهيم العريس |

قبل سنوات قليلة، شاهد جمهور المسرح الفرنسي على خشبة مسرح «الآتينيه» وسط العاصمة باريس، عملاً أوبرالياً يحمل توقيعين كبيرين من عالم الإبداع الفرنسي أواسط القرن العشرين: جان كوكتو للنصّ وفرانسيس بولان للموسيقى. وطبعاً حين نقول «عملاً أوبرالياً» سيتبادر إلى ذهن القارئ على الفور استعراض ضخم حافل بالديكورات والشخصيات المتنوعة وربما بالملابس الزاهية والجمل المسرحية الفخمة المغناة، ناهيك بالأوركسترا الضخمة التي تأتي لتصاحب ذلك كله. ولكن، في العمل الذي شهدته العاصمة الفرنسية ونبدأ هنا بالحديث عنه، ليس ثمة أي شيء من هذا كله. هناك مقدار كبير من التقشف ومقدار أكبر من الاختزال إلى درجة أن مخرج العمل الجديد هذا قد استغنى حتى عن الأوركسترا المؤلفة من ثمانين شخصاً، والتي كان بولان قد استعان بها عام 1930 لتقديم هذا العمل الذي كتبه كوكتو أصلاً على شكل مسرحية من فصل واحد، مكتفياً هذه المرة بحصر الأداء الموسيقي كله في عازف بيانو واحد يعزف الألحان جميعها. والحقيقة أن كثراً من المعلقين على التقديم الجديد رأوا في هذا التغيير عين الصواب. رأوه متماشياً كلياً مع روح نصّ كوكتو. ولئن كنا سنعود بعد سطور إلى تفسير هذا كله، لا بد لنا من الإشارة هنا إلى أن العمل الذي قُدّم على خشبة «الآتينيه» لم يكن «الصوت الإنساني» وحده، بل ثلاثية من كوكتو تضم هذا العنوان المعروف إلى جانب عملين آخرين للكاتب نفسه واحد منهما («السيدة من مونت كارلو») مموسق على طريقة «الصوت الإنساني» ذاتها، والثاني («الحلو اللامبالي»)، من دون موسيقى.


> حتى الآن قد يتّسم ما نتحدث عنه بشيء من الخلط والارتباك. لكن الوقت حان لتوضيح الأمر حتى وإن لم يكن يهمنا من التقديم كله هنا سوى نصّ «الصوت الإنساني» الذي جرى الترتيب الإخراجي على أن يكون ثالث الأعمال تقديماً في ذلك العرض. والحكاية، إذاً، هي أن هذه الأعمال الثلاثة قُدّمت معاً لأن موضوعها يكاد يكون واحداً: الغيرة وانفراط الأحبة وعزلة المرأة في ذلك الانفراط. كانت نصوصاً أنثوية بامتياز ولا بد من الإشارة هنا إلى أن كوكتو إنما كان قد كتب كل واحد منها لفنانة كبيرة من صديقاته: «الصوت الإنساني» لسيدة المسرح في الثلاثينات بيرت بوفي؛ و «السيدة من مونت كارلو» لماريان أوزفولد نجمة الأربعينات؛ و «الحلو اللامبالي» لسيدة الغناء الفرنسي في كل الأزمنة إديث بياف. وهنا أخيراً قبل أن نفرد حديثنا لـ «الصوت الإنساني» لا بد من الإشارة إلى أن كلاً من النصوص الثلاثة قد قُدّم مرات ومرات بعد ذلك بمفرده وكان من بين مؤدياته الكبيرات، سيمون سينيوريه وآنا مانياني وإنغريد برغمان، علماً أن «الصوت الإنساني» أثار اهتمام روبرتو روسليني حيث حوّله فيلماً، كما الإسباني بيدرو إلمودوفار الذي دمجه في نهاية فيلمه «قانون الرغبة».

> فما الذي في هذا النصّ حرك إبداع كل أولئك الفنانين المبدعين بدءاً من فرانسيس بولان الذي موسقه؟ في الحقيقة لا شيء تقريباً! لا شيء سوى الشغف ونهاية الحب... لكن المهم هنا أن المتفرجين لن يروا هذا الشغف إلا من خلال تلك الشخصية الوحيدة التي تتحرك أمامهم على الخشبة بمفردها... أو بالأحرى مع سماعة الهاتف التي تخوض بوساطتها محادثة تشكل كل «حوار» المسرحية - المموسقة لاحقاً - إن ما تقوله هذه المرأة، إلى جانب الموسيقى ولحظات الصمت الطويلة التي تقطع عباراتها، هو كل ما نسمعه نحن معشر المتفرجين، بمعنى أننا لا نسمع كلمة واحدة مما يقوله محدّث المرأة في الطرف الآخر من الخط. لكننا سرعان ما سنفهم أن المكالمة هي حديث عن إنهاء العلاقة من جانب الرجل. فهو الآن يخبر حبيبته بأنه في طريقه إلى أن يتزوج بامرأة أخرى وأن الوقت قد حان لكي ينتهي كلّ ما بينهما.

> ذلكم هو باختصار موضوع هذه المكالمة الطويلة، بالتالي موضوع المسرحية/ الأوبرا... وفحوى ما نفهمه من العبارات التي تقولها الممثلة الوحيدة على المسرح، والتي تدور وتدور في تلك الغرفة التي يطلق عليها كوكتو نفسه في تقديمه لعمله اسم «غرفة القتل». وضحية القتل كما سنفهم بالتدرج إذاً هو هذه المرأة الشغوف التي تتحدث للمرة الأخيرة إلى حبيبها ولا نسمع نحن سوى ما تقوله هي. أما سلاح القتل، في عرف كوكتو، فهو بالتحديد لحظات الصمت الطويلة التي تميت المرأة، سواء صاحبتها الموسيقى أو لم تفعل، اللحظات التي يُفترض أن ما يشغلها هو حصة الرجل/ الحبيب من الحوار. ويقيناً أن موت المرأة يزداد حدة مع استماعها أكثر وأكثر لما يقال لها عبر الهاتف. ومع هذا، ثمة ما هو فائق الغرابة في كل ما يجري أمامنا. وهذا يرتبط، بالنسبة إلى كوكتو، بحصة الأكاذيب من كل ما نسمعه أو لا نسمعه. فعلى الرغم من الشغف الذي نحسّه خلف الحكاية كلها، بالتالي خلف العلاقة التي آذنت بالنهاية، ثمة نوع من الكذب الغامض في ما يخيّل إلينا أن الرجل يقوله ونوع من الحب الكاذب في ما يتراءى لنا أن المرأة تعيشه. وهذا الكذب المزدوج الذي لا يصرَّح به أبداً، سيبدو لنا في نهاية الأمر، المحور الرئيسي لهذا العمل ومصدر حداثته المطلقة. هذا الكذب الذي يمكن، في نهاية المطاف اعتباره السلاح الرهيب في الحياة الحديثة. بيد أن يقين النقاد من هذا البعد لم يمنع كوكتو من القول أنه أبداً لم يحاول أن يكتب نصّاً واقعياً أو وعظياً. كل ما في الأمر أنه أراد من هذا العمل أمرين، أولهما وهو الأكثر وضوحاً: أن يجد مبرراً فنياً لكتابة عمل تقف فيه ممثلة يحبها، وحدها على المسرح؛ أما الثاني، فهو خوض تجربة جديدة في ما سمّاه المسرح الخالص! فهل تراه نجح في هذا؟

> إلى حد كبير نجح! فالحقيقة أن الأمر سوف ينتهي بنا إلى إدراك أن المرأة التي أمامنا ليست امرأة معينة وذات مأساة محددة. بل هي امرأة بالمطلق لأن البطولة هنا معقودة لمبدأ الشغف وحده، الشغف كبديل وحيد للموت الذي كان يمكنه هو أن يكون خاتمة لمأساة الهجران. ولما كان يتوجب إبراز هذا الشغف في معزل من أي أمر آخر، أتى أسلوب كوكتو في الكتابة فعالاً مكثفاً ليس فيه كلمة واحدة تزيد عن الحاجة. وعلى الرغم من أن الحوار - أو المناجاة بالأحرى - قد كتبت بلغة تدنو من الشاعرية، إلا أن ليس ثمة هنا أي قسط من الشاعرية اللغوية. وليس ثمة بالطبع عبارات حب كبيرة ولا حتى أي تعبير عن أي شغف. فهذا كله يأتي عبر السياق. بل ربما يصح أن نقول أنه يأتي عبر لحظات الصمت الطويلة - التي لا بد من التذكير هنا بأنها تلك اللحظات التي تصغي فيها المرأة إلى ما لا نسمعه نحن، لكننا نفهمه بأكثر وبأسرع مما تفهمه هي - ولنذكر هنا أن كوكتو في ملاحظاته على أداء العمل، لا سيما تلك الموجهة إلى ممثلة النص الوحيدة، كان يطالب هذه بأن تحافظ على النص كما هو تماماً «فلا مجال لأيّ ارتجال هنا» بل إنه طالبها بأن تحافظ حتى على الأغلاط اللغوية كما هي، «كما على الصيغ والمنحنيات الأسلوبية إذا أمكن». ولعل تلك الدقة التي توخى كوكتو من أولى مقدمات العمل، بيرت بوفي، أن تتبعها هي التي كانت سيدة كبيرة من سيدات المجتمع الغرنسي حينذاك، هي التي جعلت البعض يحتج على موسقة العمل حيث رأى هذا البعض أن اللحظات الموسيقية قد يكون من شأنها أن تسرق من لحظات الصمت قوتها، مؤكدين أن ضعف الاتصال الهاتفي في الزمن الذي يفترض أن المسرحية تدور فيه، أواخر سنوات العشرين، أعطى العمل قوة تعبيرية كبيرة سيكون مؤسفاً أن يحرم منها في زمن أكثر حداثة لا تكون الاتصالات الهاتفية سيئة فيه إلى تلك الدرجة...

> المهم أن «الصوت الإنساني» باتت مذ قدمت للمرة الأولى، وصولاً إلى تقديمها الراهن مصحوبة بنصين آخرين لكوكتو نفسه يتحدثان، بصوت المرأة وغياب صوت الرجل، عن نهاية الحب وفقدان الشغف، باتت تعتبر من الأعمال المسرحية العميقة ومن أجمل ما كتب جان كوكتو (1889 - 1963) الذي نعرف أنه كان نصيراً للمرأة، وكان أيضاً سينمائياً وشاعراً ورساماً ومهندس ديكورات مسرحية معبراً في كل عمل من أعماله عن شغف لا ينضب.