الحكمة وسيلة للمواساة والعزاء الجماعي

موسى برهومة |

انتصار الباطل على الحق لا يعني أنّ الباطل على حق، تلك حكمة يواسي المرء بها نفسه، وهو يراقب انشطارات الأمكنة والأزمنة، وتفسخ القيم، وتوالي الحروب التي تفتقر لأي مبرر عقلاني، وتسفر عن مصائب إنسانية لا دور للأخلاق في منع تداعياتها وحصر آلامها.


«الحكمة ضالة المؤمن»، قالها أناس ربما يكونون حكماء، لكنهم جانبوا الإنصاف في جعل الحكمة مقتصرة على المؤمن، وكأنّ غير المؤمن ليس جديراً بالحكمة، أو لا تصيبه خيراتها، ولا تهطل عليه أمطارها، فيبقى يابس الروح، شحيح الخيال.

والحكمة لا علاقة مباشرة لها بالإيمان بالمعنى الديني، لكنها متصلة بإيمان من نوع خاص، يمدّ صاحبه بالعزم على المجابهة، ويسنده كلما أوشك على الترنّح والسقوط. وقد يسعف التاريخُ المرء المعتصم بالحكمة فيمدّه بوقائع تفيده في الصمود، لأنّ قوماً غابرين، مروا بأزمته وربما بأعنف منها، لكنّ تفوقوا على المأساة، وهزموا اليأس، فيسيل ماء هذه القرائن على نفس الكائن كأنه ماء بارد بعد قيظ طويل. ولعل هذا الأثر الذي تحقن فيه الحكمة شرايين الإنسان، ما يفسّر حاجته إلى الدين كرافعة نفسية وروحية باتجاه إنتاج العزاء، والتمسك بجدار، ولو غير مرئي، من الصبر على البلاء، والتعويل على بصيص فجر ينبثق من وسط الغيوم. لهذا يمتلىء الخطاب الشعبي بهذه العبارات التي تردُّ كلَّ شيء إلى قوة كلية بيدها مقاليد الأمور.

وكلما زادت أهوال الناس وزاد قهرهم وانتشر بؤسهم، زاد اعتصامهم بالحكمة الدينية، ولو بمعناها الميتافيزيقي. إنهم من دونها عراة لا ستر يقيهم، ولا جدار يردّ عنهم زمهرير الأيام القاسية، وريح السموم.

وفي البلدان التي طغى فيها القادة وتجبّروا ظل الناس يراهنون على أن للظالم يوماً سيلاقي فيه جزاء ما اقترفت يداه الآثمتان، لكنّ ظالمين كثراً وطغاة حطموا الأرقام القياسية في التوحش، ما زالوا طلقاء يعربدون ويقصفون المدنيين، الرافعين أيديهم بالدعاء، بالبراميل المتفجرة، ثم يذهبون إلى قصورهم، ويغتسلون ثم ينامون، مثل أي رجل متعب كدّ حتى وهنت قواه!

والحكمة كما ورد، ربما تكون مدعاة إلى انتظار ما لا يأتي أو ما يتأخر، لكنّ ثمة حكمة تستفزّ وتشعل الحرائق وتتمرد على الطاعة، فتثمر أحياناً ثورات تغيّر وتحسّن أحوال البشر، كما كان الأمر في أوروبا التي خرجت من عتمة الجهل والظلام إلى عالم الأنوار والحضارة والمدنية. كانت حكمة مبهرة تحرك الناس في ذلك الزمان، فأرشدتهم إلى سواء السبيل.

حكمة الأمل هي التي أحيت نفوس البشر الغارقين في وحل الدم وحرائق المدن، بعد الحرب العالمية الثانية، فحرّضت أرواحهم على اشتقاق درب الصعود والتحدي، فكان لدينا نموذجان عملاقان أنتجا وما زالا الإنسان المعجزة، كما هو الحال في ألمانيا واليابان، اللتين ألهمتا من بعدهما دولاً سارت على الدرب نفسه، فأثمرت حضارة ورقياً، ولنا في سنغافورة وماليزيا واندونيسيا، ومناطق أخرى من العالم، شواهد ماثلة على حيوية الأمل، وإمكان تجسيد حكمة البقاء، في عالم يحض على الإحباط باعتباره أسهل الخيارات.

ولعل الحكمة مرتبطة، أحياناً، بالثقافة، فترفع من شأن كلام ها هنا فتمنحه أجنحة، أو تجعل الكلام في حيّز القول المحض الذي ينسيه قولٌ لاحق، وهكذا دواليك، وهو أمر «تمتاز» به الثقافة العربية التي يغلب عليها التواكل، وانتظار المعجزة من الغيب، وكأن مسؤولية الإنسان في هذه الثقافة أن يواصل الدعاء وهو مستلق لا يلوي على شيء، كأنّ السماء تمطر ذهباً.

لن نغرق في هجاء تلك الثقافة. حسب المرء في هذا الزمان المتقلّب أن يقبض على جمرة حكمة ما، حتى لو كوت كفه، فذلك خير من الاستسلام للعدم، وأكثر منفعة وجدوى من امتداح اليأس، باعتباره المسار الحصري الوحيد في عالم كل ما فيه يتداعى!

* كاتب وأكاديمي أردني