المرأة العربية تحضر مسرحياً في مهرجان أفينيون

من عرض علي شحرور في افينيون (الحياة)
أفينيون - جورجين أيوب |

حضور فنيّ عربي وشرق أوسطي ملحوظ في مهرجان أفينيون الدولي للمسرح. حضور، في الحقيقة، يزداد، سنةً تلوَ الأخرى، تحمله حركة قد تكون نابعة من أعماق المجتمعات العربية وتشجّعه إدارة المهرجان وتحديداً مديره، أوليفي بي الذي سبق أن جعل محور برنامج الدورة السبعين عام ٢٠١٦ حول الشرق الأوسط. والحضور هذا هو تحية عربية تخرج من خجلها، فتحاول أن تُطوّر لغتها المسرحية وتطرح إشكالياتها وأسئلتها الخاصة، وتروم إلى أن تلعب دوراً اجتماعياً. وإن كان للكلمة التي تلقى على الخشبة في المحافل العامة، إن كان للصوت الذي يفرّح أو ينوح وللجسد الذي يتحرّك على وتيرة النغم، إن كان لكل ذلك دور اجتماعي، فالمعلوم أن هذا الدور لا يؤدّى إلا إن أتى بلغة الخشبة، محترماً جماليتها. فشاعرية الإخراج والسينوغرافيا والأداء هي وحدها الكفيلة بهزّ مشاعر المشاهدين وبطبع قلوبهم وعقولهم.


ونذكر هنا عملين في المنتخب الرسمي للمهرجان، أحدهما آتٍ من لبنان والآخر من مصر، وكلاهما لفناّنيَْن قد سبق أن انتُخبت أعمال لهما في المهرجان. وللفناّنَين اللذين تفرّقهما أمور كثيرة نقطتان مشتركتان مهمتان: فكلاهما، عند السؤال، يعتبران أن إشكالية الجندر أو الجنس الثالث التي كانت الإشكالية الرسمية للمهرجان في هذه الدورة ليست في الحقيقة إشكالية مطروحة في المجتمعات العربية المعاصرة وكلاهما وضعا المرأة في صميم عمليهما. وقد كان لنا حوار مع كل من الفنّانين.

علي شحرور أو الصوت الأنثوي

قدّم علي شحرور عملاً يندرج ضمن ثلاثية عرض جزءاها الأولان في الدورة السبعين لمهرجان أفينيون المسرحي في عام ٢٠١٦.

نسأل علي شحرور عن اسمه. هل هو اسم فنيّ؟ لا. ليس الاسم فنيّاً بل يبقى اسماً على مسمّى يحفظ من الشحارير السابقين إيماناً حيّاً بجمالية الموروث الثقافي وهو في الحقيقة في هذه الحالة موروث ثقافي ديني في الآن نفسه. فعلي شحرور يُؤصل عمله في الطقوس الشيعية للموت، في شعائر اللطم والنواح والبكائيات الشيعية على الأموات.

وهو يرى في هذه الطقوس جزءاً أساسيّاً من ثقافة نسيت جمالياتها وسيّست طقوسها. وقد انطلقت ثلاثيته من تلك المسافة المأخوذة بالنسبة للدور السياسي الذي سُمّرت فيه تلك الطقوس حيث أنّ الأموات جميعهم أبطال، لا يتميّز أحدهم عن الآخر، لا يحفظ منهم إلا كونهم ماتوا «أبطالاً» وتمّحي آمالهم أو أحلامهم وهيامهم وذكرياتهم أو أحقادهم، أي كل ما جعل منهم أفراداً لا بديل لهم.

و «عساه يحيا ويشمّ العبق» التي قُدّمت في هذه الدورة الثانية والسبعين للمهرجان هي الجزء الأخير من ثلاثية بدأت بـ «فاطمِه» و «ليلى تموت»، وقد ضجّت بهما دورة ٢٠١٦ للمهرجان تم عبرهما اكتشاف الكوريغراف الشاب. وكأن هذا العمل الأخير يأتي تجريداً وتعميماً للعملين السابقين، من حيث التقنية أو من حيث مصادر الغناء أو مشاهد العرض. فـ «فاطْمِة»، كما تعمّد أن يكتبها الكوريغراف - وقد لفت انتباهنا في حينه التفاوت بين اسم العمل الفني حيث يظهر اسم العلم في جَرْسه ومقاطعه وإمالته عاميّاً، واللغة الفصحى التي تنُشد فيها المناحة والتي يكتب فِيها ترتيب الفصول على خشبة المسرح – فـ «فاطْمِه» ترمز إلى ثلاثة كما أوضح علي شحرور في لقائه الصحافي، فهي رمز فاطمة الزهراء، ورمز فاطمة «أسطورية» ثانية نعرفها باسمها الفني، أم كلثوم، وفاطْمِة ثالثة هي أم علي شحرور نفسه. ويأتي العمل متأصلاً في تاريخ الفنان الفردي، وتمجيداً لأمّه التي فقدت زوجها -أي أبا الفنان- وهو في سنّ مبكّرة. وليلى الندّابة في «موت ليلى» ليست إلا قريبة أبي الفنّان وقد ندبت قريبها وناحت عليه حقّاً حين وافته المنيّة ولم تكن قد صعدت قطّ على خشبة في ما سبق.

أمّا عرض «عساه يحيا» الذي قُدّم أولاً في بيروت في مسرح المدينة، فمشاهده ومصادره تستقي وحيها من الأساطير القديمة ومن الحياة العامة وفصول العنف والموت اليومية في لبنان والعالم العربي، وفناّنوه جميعهم محترفون. فعنوان العمل كلام لعشتار مستقى من أساطير بلاد ما بين النهرين القديمة– وعشتار هي في هذه الأساطير آلهة الحياة والخصب كما أنه آلهة الحرب والمشهد الرائع هو مشهد يبزغ من ظلمة كالحة كأنهّا ظلمة القبور لا يثقبها إلا نورٌ شاحب يُرى فيه شاب– هو الفنان الراقص نفسه- يمرّ المعزف على حلقه المكشوف كأنهّ السيف يقطع الرؤوس ويأخذ الأرواح. وهو حقاً كذلك، إذ إنّ المشهد مستوحى كما شرح الفنّان من حادثة هزّت لبنان، هي حادثة الجنود المخطوفين الذين هدّد خاطفوهم بقطع رأس أحدهم، إن لم تسُتوفَ الشروط التي وضعوها لإطلاق سراحهم، فبقيت أمهات الجنود جميعهن ينتظرن هالعات مَن عساها تكون الضحيّة، مَن عساه يكون الذبيحة، أبني أو ابن أخرى. والعرض بمجمله يحمله صوت عظيم الشاعرية، شديد الصلابة يهزّ الأفئدة في نواحه وهو صوت الفنانة هَلا عُمران تخاطب الأموات بالفصحى في مناحتها الأولى: «يا أهل الديار الموحشة/ يا أهل القبور المظلمة/ يا أهل التربة/ يا أهل الغربة/ يا أهل الوحدة...» ثُم تردف مناحات الأمهات الثكالى على أولادهن في التراث العراقي السوري– تراث بلاد ما بين النهرين كما يقدّمهما علي شحرور. صوت تحاكيه أنغام الموسيقيَيْن علي حوت وعابد قبيسي وينتفض له جسد علي شحرور. والفنانة في أحد المشاهد تغنِي على قاعدة مرتفعة عارية الصدر. والإشارة في المشاهد للآلهة عشتار، على حد قول شحرور.

امرأة أحمد العطّار

يأتي عمل الفنان المصري أحمد العطار ليُرِيَ، على عكس شحرور، الجانب المظلم لدور النساء– وبالتحديد الأمهات- في المجتمع المصري– وهو شبيه في ذلك بالمجتمعات العربية عامة. وينهل العمل من الواقع ومن حوادث الحياة اليومية، فيأتي كأنهّ ينتمي إلى المسرح الوثائقي من دون أن يحصر نفسه في هذا التصنيف. والمسرحية، إذ تسلمّ بأنّ الذكور يمسكون بزمام الأمور في المجتمعات العربية– تريد أن تبيّن أن العلاقات أكثر تعقيداً إن ابتعدنا عمّا يظهر أولاً للعيان. فـ «ماما» ترمي إلى تبيان العنف النسائي الذي يمارس في ظلّ المنازل. تبيّن التنافس المستور والمتأجج أبداً مهما كان خفيّاً بين نساء العائلة– أم الرجل وزوجته– لتربية الأطفال، في ظلّ سلطة ذكورية كاريكاتورية. وكأن النساء تحديداً ينتقمن من الذكور وسلطتهن من خلال تربية ذكور العائلة الأطفال، فيجعلنهم تبعاً لهن، كما يفسدنهم بإغراقهم بالهدايا، ويخضعن كل الخضوع لرغباتهم مهما سخفت، فيكبر الطفل ويصبح «زي كل الرجالة، مهما كِبروا يضلوّا ولاد». ونساء العائلة هن اللواتي يقدّمن الذكور الأطفال إطلاقاً على أخواتهم. فالأخت على خطأ أبداً مهما فعل بها أخوها الصغير. وإن احتجّت على سلوكه المستهين بها، كانت «قليلة الأدب» و «زِفْتة» وتبيّن المسرحية، بلمسات متتابعة، من دون أن تطيل الحديث، كيف أن هذه الفتاة الصغيرة، التي قد تمثل التغيير- في مراهقتها تلبس الشورت وتذهب إلى الكلوب مع رفيقاتها وتمارس رياضة البوكس وتحاول أن تنسج أولى علاقاتها الغرامية، - تُوأد شيئاً فشيئاً حتى ينتهي الأمر بالحجاب والزواج المبكّر، أو على الأقل بالبحث عن العريس.

ومن يقوم بتقليم الأظافر وبكسر الأجنحة هن نساء البيت تحديداً، الزوجة والـ «ماما»، أم الرجل. وتجدر الإشارة إلى أداء الممثلة منحة البطراوي التي تعطي لشخصية الـ «ماما»- الحماة عمقاً أكيداً.

والمسرحية التي تتأرجح في الحقيقة بين وصف للمجتمع المصري «المخملي» وبين تطلعّ أعمّ يثير دور الأم في المجتمع، تمتاز كذلك بحوارها، بواقعيّته وبأصالة نبرته. وقد أتت كما يقول مخرجها، أحمد العطّار، ثمرة عمل طويل على الخشبة، فلا ينطلق المسرحي المخرج إطلاقاً من نص مكتوب بل يبدأ العمل من دون أن يعلم حقّاً أين سيقوده المسار. ويتبلور على الخشبة متخّذاً من الشخصيّات المراد تجسيدها خيطاً للحكاية.