«المرجوحة»: أسئلة الوجود بلا فلسفة ولا تصنّع

فيكي حبيب |

يدغدغ فيلم «المرجوحة» مشاعر المتلقي بجعله من حيث لا يدري متواطئاً مع بطليه وقصتهما المؤثرة التي تطرح أسئلة الوجود الشائكة من دون فلسفة أو تصنع، بالاعتماد على أسلوب السهل الممتنع الذي يكاد يقول الكثير، ولكن من دون أن يبدو أنه يقول شيئاً.


فالفيلم الذي شهد عرضه الأول في الدورة الأخيرة من مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي عن فئة الأفلام الوثائقية، يصوّر فيه المخرج اللبناني الشاب سيريل عريس فصلاً من فصول سيرة جدّيه: أنطوان، الرجل التسعيني الراقد على فراش الموت وفيفيان، رفيقة الدرب الطويل التي أمضت معه خمساً وستين سنة من حياتها، بحلوها ومرّها. بالتالي، نحن هنا أمام الفصل الأخير من حكاية، شاءت سخرية القدر أن تنطلق أحداثها بينما العالم كله يحتفل بمجيء العام الجديد. ولكن في منزل أنطوان، سوداوية تلف المكان، بخاصة أن خبراً مؤلماً سينزل كالصاعقة على مسامع فيفيان: ابنتها الشابة ماري تيريز توفيت في ظروف غامضة خلال رحلة لها في أميركا اللاتيتية، وتحديداً في الأرجنتين. ليس هذا فحسب، بل على العجوز أيضاً ان تلملم جراحها وتكبت أنفاسها وتمتنع عن أي مظهر من مظاهر الحداد والحزن وتتظاهر بأن كل شيء على ما يرام، خوفاً على حياة أنطوان الذي سيقضي عليه حتماً خبر من هذا النوع، بما أن الشابة العابقة بالحياة، مدلّلته، هي التي لم تغب عنه يوماً طوال فترة مرضه. من هنا سيتردد كثيراً على مسامعنا سؤال أنطوان المتواصل: «اين ماري تيريز؟»، في محاولة من الوالد لمعرفة سبب غياب ابنته وعدم سؤالها عنه... وكأنه يعي بأن مكروهاً ما أصابها من دون أن يصارح بذلك ولو مرة. فهل يعقل أن تنقطع عنه فجأة؟

عبثية

«بعد موت عمتي المفاجئ في 2014، جاء قرار العائلة بإخفاء الخبر الكارثي عن والدها، جدي أنطوان.

طريح الفراش، هزيل، ضعيف القلب... كان لا بد من إبعاده من الألم العاطفي الهائل الذي سيعيشه خلال أيامه الأخيرة إن اكتشف الحقيقة، ما أشرك العائلة كلها في كذبة بيضاء، خلقت من حوله فقاعة من الحب والحماية، لضمان ان يعبر الى الجانب الآخر بابتسامة. بناء على ذلك، أخبرت العائلة انطوان أن ابنته الحبيبة في رحلة في الخارج وانها ستعود قريباً. وبالموازاة، فإن شريكته في سنواته الطويلة، جدتي فيفيان، وجدت نفسها عاجزة عن مشاركة زوجها ألمها... هي العالقة في دوامة نكران الحزن، كانت فيفيان مجبرة على أن تصطنع ابتسامة على وجهها وأن تخبئ ألمها، كي تضمن ألا يصادف زوجها القدر ذاته الذي واجهته ابنتها حالما يكتشف الخبر»، يقول عريس في كتيّب الفيلم. ويضيف: «على رغم خصوصية القصة التي دنوت منها، سرعان ما أيقنت أن حكاية هذا الثنائي تعكس واقع المجتمع اللبناني الذي يعيش في نكران طوعي لألمه والظلم الذي يحيط به، ويكافح لإعادة البناء من خلال ناطحات سحاب براقة ودفن الندبات التي سببتها الحرب الدموية. من هنا، فإن دراسة هذه القصة كانت معادلة للنظر في المرآة حول ثقافة كاملة غير قادرة على المضي قدماً من مظالمها، وتختار طوعاً نكرانها. وإضافة الى ذلك كله، لا بد من الإشارة الى أن تمضية كل هذا الوقت مع جديّ في أيامهما الاخيرة، جعلتني أطرح على نفسي اسئلة حول عبثية الحياة، وماذا يتبقى لنا في النهاية حين يخوننا جسدنا وقدراتنا الذهنية؟».

ولعل السؤال الأخير هو المحور الأساسي الذي يستمد الفيلم منه قوته، كونه يجعل المشاهد يرتبط ارتباطاً لصيقاً ببطلي «المرجوحة». فهما، قبل أي شيء آخر، بطلان من لحم ودم يمكن أن نصادفهما يومياً في حياتنا... ويمكن أن يكونا أكثر قرباً منا مما قد نظن. قد يكونا جدّينا أو والدينا أو لمَ لا قد يشكلان انعكاساً في المرآة لصورتنا في المستقبل.

صورة تؤرق المتلقي وتجعله يتعاطف مع الثنائي الذي لا نرى فيه الا ضحية من ضحايا الزمن... حتى أن الرجل التسعيني يقولها صراحة: «الناس لا يحبون العجائز». لكنه على رغم كل شيء، لا يشكو أو يتذمر، بل نراه يستمع الى الأغاني الإيطالية التي دأب على سماعها أيام الزمن الجميل، ويتذكر السنوات الست التي قضاها في روما. ثم يدندن أغنية «الحياة جميلة». ولا يكف عن شكر ربه على كل شيء. حتى حين يطلب أن يغادر هذا العالم، يقولها بحب يفيض على كل من حوله. أما فيفيان، التي كانت يوماً «أجمل فتاة في بيروت»، كما يخبرنا أنطوان الذي ما زال يراها كذلك، على رغم ما فعلته بها السنون، فستتبدل حالها، بين بداية الفيلم ونهايته (مدة لا تتجاوز السنة)، ويجعلها عدم البوح بما يؤلمها، تشيخ فجأة أمام كاميرا حفيدها، هي التي كانت تحرص على أن تطل أمام عدسته في البداية وأحمر الشفاه ماثل على ثغرها.

طبقة مفقودة

الفيلم الذي يستقي اسمه من أرجوحة (مرجوحة بالمحكية اللبنانية) ظلت خالية على شرفة المنزل طوال فترة التصوير بعدما كانت ماري تيريز وعدت والديها بأنها ستكون ملاذها خلال «صبحياتها» معهما، تضمّن لقطات عائلية تعود الى الماضي، وتصوّر العائلة بلحظات زهوها وسعادتها، وبينها ماري تيريز المفعمة بالنشاط والحيوية... وقد نجح فيه مخرجه من خلال تتبعه لجدّيه في الدنو من طبقة مسيحية متوسطة... تلك الطبقة التي قضت عليها الحرب، مثلما قضت على كثير من قيم العائلة اللبنانية. طبقة أمينة للغة الفرنسية في كثير من أحاديثها، وتكاد بيوتها تبدو واحدة من حيث الأثاث والديكورات. حتى أن صور القديسين لا تغيب عنها. كما لا تغيب في أحاديثها مخاوفها الوجودية.

وربما لم تكن مصادفة أن يسجل المخرج رأي عينة من تلك الطبقة بالأحداث التي تجري في عرسال (تزامناً مع تصوير الفيلم سنة 2014) وخطف العسكريين اللبنانيين على أيدي «داعش».

«المرجوحة» فيلم مشغول بحب، يجعل مشاهده يتأمل في الوجود ويطرح على نفسه الأسئلة حول الحياة والموت. فمثلما شاءت الأقدار ان تغيب ماري تيريز قبل والدها في حادث غامض، سيخبرنا شريط في نهاية الفيلم أن فيفيان سترحل عن هذه الدنيا قبل زوجها التسعيني الذي سيلحقها بعد شهور قليلة. إنها الحياة كما تسجلها عدسة الكاميرا من دون «روتوش».