«الرسام والموديل» لفرمير: الحياة اليومية في نظرة على النظرة

ابراهيم العريس |

من المعروف في تاريخ الفن التشكيلي أن الهولنديين هم الذين أعادوا «اختراع» تصوير الحياة اليومية في لوحات راحت بالفعل تشبه الحياة، ولكن في شكل أكثر تنظيماً وتكثيفاً. ولو كان «اليومي» قد عاد وهيمن على الفنون في فترات لاحقة، وعلى وتيرة صمود الطبقات الوسطى في المجتمعات الأوروبية الأخرى المتنوعة، فإن اليومي الهولندي ظل مميزاً، ليس في مجال اختيار الموضوعات وحدها، بل كذلك - وخصوصاً - في مجال البعد الشكلي التشكيلي الذي تتخذه اللوحة، وفي مجال تنظيم علاقاتها. وحسبنا للتيقن من هذا أن نشاهد أعمال رمبرانت وهولباين وهالس، ونتمعن حتى في البعد السيكولوجي الجديد الذي صار جزءاً من اللوحة. غير أن ثمة من بين الهولنديين أنفسهم من تميّز عن الآخرين في تعامل مع اليومي تبدّى أكثر أهمية، ولكن في الوقت ذاته أكثر غموضاً ومدعاة لطرح أسئلة أتت مفاجئة في بعض الأحيان. وبالتحديد لأن الفنان كان لا يكتفي برسم ذلك اليومي، بل يعيد تنظيمه ويعطيه بعداً دلالياً يتجاوز بكثير أفقه الشكلي.


> ولعلنا نعني بالتحديد هنا الرسام جان فيرمير ابن مدينة دلفت. ولئن كان فيرمير هذا اشتهر بعدد كبير من لوحات دخلت البيت الهولندي ورسمت أشخاصه، من مطرزة دانتيلا منكبة على عملها، إلى ربة بيت تعمل في انتظار عودة الأسرة، إلى أسرة تستمع إلى واحدة منها تعزف البيانو، إلى عالم جغرافي يدرس ويتأمل، ثم بخاصة في لوحات تصوّر نساء هنّ للوهلة الأولى ربات بيوت عاديات، لكن ثمة من بينهن من يبدون متواطئات مع خادماتهن حاملات أسرارهن/ وذلك أحياناً حول رسالة تثير حبوراً لدى السيدة ودهشة لدى الخادمة من دون أن نعرف نحن مشاهدي اللوحة مصدر الرسائل أو فحواها. وكل هذا وسط استخدام الفنان، فيما هو وراء وأبعد من هذه التيمات «العائلية» أو الحميمة، وفي المجال الشكلي الخالص - وربما السيكولوجي المبكر أيضاً - لمصادر الضوء في شكل ندر أن عرف فن الرسم مثيلاً له من قبل، إذا ما نحينا تجديدات رمبرانت الرائعة في هذا المجال، لكن هذا موضوع آخر لن ندخل فيه هنا طبعاً. مهما يكن من أمر فلا بد أن يلفت أنظارنا دائماً أن ثمة من بين أعمال هذا الفنان الاستثنائي لوحة تبدو ذات أهمية مضاعفة، لأنها إضافة إلى كونها لوحة داخلية، تتمتع بميزة أساسية أخرى كونها لوحة تكشف أسلوب صاحبها في ممارسة فنه، بمعنى أن اللوحة يمكن اعتبارها في نهاية الأمر نظرة ملقاة على النظرة، كما نقول مسرح داخل المسرح أو سينما تدور حول السينما ذاتها.

> في كلام أكثر وضوحاً، تتحدث هذه اللوحة التي رسمها فيرمير في عام 1666 تقريباً، عن الرسم ذاته ومن هنا أعطيت عنواناً يكاد يكون أكاديمياً هو «المحترف، أو التعبير المجازي عن الرسم». وفي اللوحة شخصيتان هما الرسام و «الموديل» التي يرسمها. نظم فيرمير هذه اللوحة في شكل يجعل الناظر إليها يستوعب في آن واحد «الموديل» التي تُرسم والرسام الذي يتولى نقل ملامحها إلى لوحته. بمعنى أن ما لدينا هنا نظرتين زائدتين نظرة ثالثة: نظرة الرسام إلى موديله، من دون أن نشاهد التأثير المباشر لتلك النظرة طالما أننا نشاهد الرسام من الخلف، لكن في وسعنا أن نستوعب نظرته تماماً من خلال حركته، وأيضاً من خلال تنظيمه عناصر الديكور، طالما أننا نعرف أنه هو «مخرج المشهد» في نهاية الأمر، ونظرة «الموديل» ذاتها التي من الواضح هنا مدى حرفيتها واعتيادها هذه المناخات، يتجلى ذلك في حيادية نظرتها، أو بالأحرى في تجاوز هذه النظرة إلى العالم الذي يشاهده الرسام ونشاهده نحن، أصحاب النظرة الثالثة الذين يتعين علينا هنا أن نستوعب المشهد كله عبر نظرة نلقيها وينبغي أن تكون مزدوجة لأنها، في الآن عينه، تستوعب نظرة الرسام المفترضة، ونظرتنا الخاصة إلى هذا المشهد. وهذا ما يجعل اللوحة متقاربة مع تلك الحداثة السينمائية التي كان ستانلي كوبريك أحد كبار المتعاملين معها من خلال «ابتكاره» مفهوم النظرة الثلاثية، حيث قدم بعض أصعب المواقف في أفلامه، منظوراً إليها بعين تنظر إلى عين أخرى تنظر إليها. إننا هنا داخل عالم السينما عن السينما، النظرة عن النظرة، بالتالي اللوحة التي تتحدث عن اللوحة. تماماً كما لو أن فيرمير يحاول أن يضعنا هنا داخل حميميّة عالمه الفني، إذ يسمح لأعيننا أن تتجول داخل قدس أقداسه: لحظة إبداعه فنه. ويقيناً أن الذات - ذات الفنان - لم يكن قد سبق لها أن عبرت عن نفسها بمثل هذه القوة وهذا الكشف.

> لكن للموضوع جانباً آخر، فإذا كان فيرمير اشتغل هنا على هذه النظرة الثنائية - بل الثلاثية - فإنه في الوقت ذاته، ومن الناحية التشكيلية البحت ظل أميناً، أو بدا حتى أكثر أمانة، إزاء عالمه الفني: فهنا، نجد الاهتمام ذاته بالنور وبمصادره، وذلك الفارق الكبير بين صفاء الألوان وتألقها تحت تأثير مصدر النور الواضح، إضافة إلى الإيحاء بوجود مصدر نور ثان - ويرتبط هذا بازدواج النظرة - إذ كما أن ثمة نوراً قوياً يضيء المشهد الذي يرسمه الرسام، فإن هناك أيضاً نوراً، أضعف لكنه موجود، يضيء المشهد الآخر: مشهد الرسام نفسه وهو الأكثر شمولاً، والذي يفترض بالناظر إلى اللوحة أن يتفاعل معه مباشرة. وإلى مصدر النور المزدوج هذا، ثمة توزيع الأشياء (الميزانسين)، من الستارة التي تشغل مكانة رئيسية تحيلنا إلى البعد الممسرح الذي تعمده فيرمير، كأن ارتفاع هذه الستارة هو ما كشف لمتفرج متلصص ما يحدث داخل المحترف. وهناك خريطة هولندا التي تعطي المكان بعديه التاريخي والجغرافي، وتربط حميمية اللوحة بالعالم الخارجي. وهناك تفاصيل أخرى مثل الثريا والكتاب في يد الفتاة والصحيفة المفتوحة فوق الطاولة. والحال أن الرموز هذه، وغيرها، تعانق تماماً أجواء هذه اللوحة وعالمها. وهذا ما جعل الكثيرين ينظرون إليها على أنها أهم أعمال فيرمير على الإطلاق، وأطلق عليها الباحثون المعاصرون اسم «صورة الشهرة المجازية»، معتبرين أن ما أراد الرسام أن يعبر عنه هنا إنما هو شهرته ومكانته كرسام، وفي هذا الإطار تأتي الخريطة وما ترمز إليه ليقولا، افتراضياً، أن هولندا إذا كانت بلغت هذا المستوى من التقدم والرخاء، فإن الفضل في ذلك يعود إلى مكانة فنانيها وشهرتهم، ومنهم فيرمير بالطبع الذي يصور نفسه في مواجهة وطنه، وفي مواجهة العالم الذي يساهم هو به، في خدمة هذا الوطن. وهؤلاء الباحثون يستندون في فرضيتهم هذه إلى البوق الذي تحمله الفتاة «الموديل» وإلى الكتاب وما إلى ذلك من عناصر، لعل الثريا أهمها، وكلها عناصر تحيل إلى مفهوم الشهرة ومكانة الفنان في ثروة بلده.

> عندما رسم جان فيرمير دي دلفت هذه اللوحة كان في الرابعة والثلاثين من عمره وكانت شهرته قد اتسعت، وصار يعتبر واحداً من كبار الرسامين النهضويين والإنسانيين، وعرف عنه في ذلك الحين أنه كان صديقاً للفيلسوف سبينوزا ويتبنى آراءه حول مركزية الإنسان في الكون وحول ضرورة التوصل إلى دين يكون الإنسان هدفه ومركزه. ومن الواضح أن لوحات فيرمير تقول هذا، وتقوله بكل قوة.

> ولد جان فيرمير عام 1632 في دلفت التي مات فيها عام 1675. ومن المرجح أنه لم يعش في أي مكان آخر غيرها، كما أنه لم يسافر أبداً. ومع هذا، تمكن في لوحاته التي بدأ يرسمها منذ سن مبكرة، أن يخلق عوالم جديدة يمتزج فيها اليومي بالمجازي، وتنطلق دائماً من الحضور الإنساني في يوميته وحميميته. ونحن لا نعرف الكثير عن حياة فيرمير في كل تفاصيلها، ولكن من المرجح أنه كان تلميذاً في محترف الرسام فابريسيوس وأنه خالط الأوساط الثقافية، منذ شبابه الباكر، وتزوج عام 1653، وأصبح في العام ذاته، رساماً محترفاً وعضواً في رابطة الرسامين. وهو أمضى حياته يعمل في الرسم وأنجب 11 ولداً. ونعرف أن فيرمير بدأ مسيرته العملية برسم مشاهد من الكتاب المقدس، كما رسم بعض اللوحات لمدينته، وبعض «البورتريهات». لكن أعماله الأساسية ظلت تلك التي صورت أبناء طبقته الوسطى في حياتهم اليومية. وكان السعي إلى اكتشاف مصدر النور والتعبير عنه، ونقل سيكولوجية الشخصيات هي الأساس في لوحاته. مات فيرمير عام 1675 وهو في فقر مدقع، لكن العالم سرعان ما اكتشف أعماله ومكانته أواخر القرن الذي عاش فيه.