عن النزعة الجوانية والرؤية الروحية للوجود

صلاح سالم |

تنزع الفلسفة الوجودية عموماً إلى تحقيق أعلى درجات الحرية الفردية، وإن عبر طريقين مختلفين لتيارين أساسيين فيها: أولهما هو التيار الملحد وعلى رأسه الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر الذي صاغ مفهوم «الدازين»، حيث الإنسان مجرد «موجود– هناك»، ألقى به في العالم ليعاني الاغتراب في الواقع والقلق إزاء المصير. واعتبر أن من مقتضيات الوجود الحر أن ينتقل هذا الإنسان من كونه مجرد موجود هناك إلى حيث يمتلك زمام أمره ويحكم السيطرة على مصيره فيكون بمثابة «الموجود لأجل ذاته»، فعندها فقط يتوقف عن الإنصات إلى الناس وثرثرتهم، وينزع إلى إنتاج وعيه الخاص به، ضمن صيرورة دائمة للتعلم يسميها هيدغر بـ «التصميم». هذا التصميم يمثل إرادة الحرية التي تخلص الإنسان «الفرد» من سطوة الناس أو «الجماعة». نعرف أن هيدغر، بعد أن صاغ مفهومه الأثير هذا، قد انصرف إلى تأييد النازية، إحدى أعتى النزعات الشمولية الملفوفة برداء العنصرية والعرقية والقومية الجرمانية، وقد نال أكبر سلطة أكاديمية على رأس جامعة برلين، في ظل حكمهم، والتحريض على مفكرين وأكاديميين آخرين، كان من بينهم تلميذته وحبيبته حنا أرندت، التي لم تسلم من شره، فلم يكن الرجل إذاً حراً بأي معنى جوهري، بل كانت النفعية الناجمة عن النزعة المادية وما تنطوي عليه من تضيق لأفق وجوده الروحي، وتغييب شعوره العميق بالواجب الأخلاقي، قيداً على حرية ضميره وإرادته.


وثانيهما هو التيار المؤمن، الذي تدفق من الفيلسوف الدنماركي كيركيغورد، الذي كان أكد على حاجة الإنسان إلى التحرر ليس فقط من الجماعة، بل أيضاً من سطوة الطبيعة حيث تكمن هواجس الموت والعدم، وهو ما لا يمكن أن يحدث إلا بعناية فائقة تأتي فقط من خارج الذات الإنسانية، ما يستدعي تلك الروحانية الواصلة، عبر فيض إشعاعي، بين المؤمن والحقيقة الإلهية. ما يعني أن الإيمان الروحي لا يمثل عقبة كأداء على طريق الحرية، بل إنه يمثل رافعة لها، إذ يمنح الشخص المؤمن قدراً هائلاً من الشجاعة في مواجهة الوجود. ولأن التاريخ الفكري قد شهد كثيراً ذلك الخلط بين الدين والسلبية، وبين التدين والكهانة، فلابد من التأكيد على أن مرجعية ذلك هي اختلاف طريقة تلقي الإيمان الديني بين نمطين أساسيين:

أولهما يعكس حال «الزهد في العالم»، حيث يكون المؤمن مجرد ذرة في التيار الدافق لحركة العالم على منوال (البوذي التقليدي، والمسيحي القروسطوي، والمسلم الدرويش) فلا يعدو أن يكون علامة على نمط عيش مهجور في الواقع، أو رمز يشير إلى عصر مغترب في التاريخ. إنه الزهد السلبي المغترب، الذي ينسبه الفيلسوف الفرنسي برغسون، إلى ما يسميه بـ «الدين الساكن».

وثانيهما يعكس حال «الزهد داخل العالم»، حيث المؤمن هو ذلك الإنسان الحر، الذي لم يتحول إلى مجرد ذرة في خضم العالم، ولكنه لم يندرج في ذلك الحضور الصاخب بحثاً عن مصالح مادية صرفة، تتوسل بأدوات العنف ومشاعر القسوة، بل اتخذ موقعاً وجودياً مبدعاً جعل منه فاعلاً أخلاقياً، لم يفقد اهتمامه بعالمه بل أعاد توزيع اقتصاديات جهده الإنساني بين ما هو جوهري/ أخلاقي، وما هو ظاهري/ انتهازي، حيث يخلق الإيمان لدي المؤمن إدراك باطني لخيرية الحياة، واستثنائية الشر، كمنشط للإرادة في مواجهة مشاعر القلق وأحاسيس الألم وهواجس العدم. هذا الفهم هو ما استلهمته أعمال لاهوتيين متفلسفين داخل المذاهب المسيحية الكبرى، على منوال جاك ماريتان في الكاثوليكية، ونيقولا برديائيف في الأرثوذكسية. أما في البروتستانتية فهناك باول تيليش، الذي اعتبر أن العلاقة الداخلية مع الله، قادرة وحدها على أن تمد الإنسان باليقين والأمل في الخلاص، معتبراً أن التلاقي بين الله والإنسان هو الطريق إلى تحقيق الفرح الأبدي في مملكة الرب، والذي لا يمكن الوصول إليها بالعيش على السطح بل بالنفاد نحو الأشياء العميقة في أنفسنا وفي عالمنا.

وهو الفهم نفسه الذي يمكن التماسه في النص القرآني، الذي يصوغ ما يمكن تسميته بـ (فردانية روحية) يمكن ملاحظته على صعيدين رئيسيين: الأول يتمثل في حرية العقيدة اكتساباً للإيمان، وممارسة له. فلا توجد في الإسلام عقيدة (رسمية) معتمدة/ أرثوذكسية تواجه عقائد أخرى، ومن ثم لا توجد هرطقة بالمعني المسيحي، فالأفكار والمفاهيم المتعلقة بالله هي في جوهرها من الأمور الموكولة إلى كل فرد على حدة يكتشفها في نص القرآن الكريم، بوعيه الإنساني الحر طالما كان قادراً على ذلك. ومن ثم يصدر الله حكمه الرائق في القرآن الكريم: «من اهتدى، فإنما يهتدى لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها» (الإسراء: 15). إذ يتحتم على كل مؤمن أن يحقق مصيره بأعماله «ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع» (غافر: 18). لذا يحق على المؤمنين أن ينفقوا مما رزقوا «من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه، ولا خلة، ولا شفاعة (البقرة: 254). لقد خلق الله كل إنسان (وحدة) متفردة، وسوف يبعثه في الآخرة فرداً «ولقد جئتمونا فرادى، كما خلقناكم أول مرة» (الأنعام: 94). وفي آية أخرى «ونرثه ما يقول ويأتينا فرداً» (مريم:80). وفي آية ثالثة «وكلهم آتية يوم القيامة فرداً» (مريم: 95). فكون المسلم واحداً هو ما يجعل شهادته بوحدانية الله ذات معنى، تفترض مسبقا استقلالية الذات وتستند إليها، فيتجلى الإنسان حراً كريماً وتنطلق إرادته من كل القيود التي كانت تكبله، قيود الجماعة، والتقاليد، والأعراف، والسلطان، وغيرها. ففي الرؤية القرآنية للوجود، ثمة حقيقة بسيطة: لم يكن الله أبداً سوى واحد أحد، لا حاجة له سوى ضمائرنا، ولا مطلب لديه إلا صلاحنا، ولا شروط لعنايته لنا إلا قربنا منه، ومناجاتنا له، فهو الأقرب إلينا من حبل الوريد... ندعوه فيستجب لنا، حيث الخلاص هو جزاء الإخلاص، يمنحه الله لنا جزاء وفاقاً لإيماننا الداخلي، وعملنا النقي، وسعينا الدؤوب إليه.

أما الثاني فيتمثل في فردية العبادة، إذ يمكن للمسلم النهوض بكل عباداته من دون إرشاد من أحد طالما توفر له العلم بأركانها. وحتى الصلاة التي يستحسن أداؤها في جماعة يبقى ممكنا أدائها فرادة، كما يمكن إقامتها في أي مكان وليس في مكان معين كالمسجد، فالله في كل مكان، وأينما تولوا فثم وجه الله، ومن ثم لا تتوقف صلاته على مشيئة أحد من الأئمة أو المعلمين الدينيين. أما الحج فيمثل الشعيرة الأكثر رمزية على مساواة المسلمين فيما بينهم، وعلى ممكنات تجردهم أمام الله. بينما يصل الصوم سراً أكبر بين الله والعباد لا يمكن لأحد من الخلق أن يضطلع عليه، ومن ثم كان العبادة الأكثر تعبيراً عن باطنية الإسلام وروحانيته. وهكذا تنتفى في الإسلام أي سلطة روحية، وتسقط كل أشكال الوصاية على الضمير الفردي، وتؤمم قضية الخلاص لتبقى إمكانية إنسانية وحق إلهي.

تأسيساً على تلك الفردية الروحية أقام الإسلام نزعة وجودية مؤمنة، ولكن على قاعدة الفصل الوجودي بين الله والإنسان، بحيث يتم التلاقي، ويكتمل الوصول إلى العمق من خلال الاستبصار الروحي للإنسان، لا الحضور الجسدي لله. هذه النزعة هي التي اعتبرها د. عثمان أمين «أصول عقيدة وفلسفة ثورة» وأسماها «الجوانية» في كتابه الذي يحمل الاسم نفسه. كما يرد أصولها إلى قوله تعالى: (لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، وإلى الحديث النبوي الذي يقرر أن لكل إنسان جوانياً وبرانياً. فالآية والحديث في رأيه ينطلقان من الإنسان ويقدمان الذات على الموضوع والفكر على الوجود والإنسان على الأشياء والروية على المعاينة، أي أنهما يعبران عن مثالية مقترنة بالواقعية، ترسم فيها صورة الحياة بجهد باطني موصول، ما يلبث أن يتجه نحو الإصلاح الخارجي أو المادي، وتحول فيها النفس إلى وجهة الخير الأخلاقي لتكون أساساً لإصلاح المجتمع فيتم بذلك تحقيق مركب ذي حدين: الجواني من الباطن والبراني من الخارج، بينهما رابطة واعية تزكي النفس والجسم وتقيم التوازن بين الحياة الروحية والحياة الدنيوية للإنسان على أساس من الأخلاقية العاملة. تنطوى الجوانية على ما يسميه أمين «ميتافيزيقيا الرؤية الواعية» كرؤية روحية نفسية بعين البصيرة كما يقول الغزالي، أو بعيون الروح كما يقول (أفلاطون)، تسجل لحظات الإلهام الداخلي التي تتجلي فيها الحكمة والتجربة والروية الإنسانية». ولدينا فإن الجوانية تشبه من ناحية النزعة الرواقية في الفلسفة اليونانية، أو الصوفية العقلانية الخالصة من شوائب الخرافة والدروشة والاغتراب، والتي سادت التاريخ الإسلامي في القرون الأربعة من السابع إلى العاشر. لقد كان النص القرآني، إذن، مشبعا بممكنات حرية وجودية، كان من الممكن تأويلها باتجاه أكثر الآفاق تحرراً لمن يريد أو يستطيع. ولكن المشكلة الكبرى أنه لم يكن هناك من لم يستطع أو يريد من بين السلاطين أو الفقهاء. وهكذا فإن الحرية الأنطولوجية لم تمأسس سياسياً أبداً، ولم تصبح محفزة لحركة اجتماعية واسعة، أو ملهمة لجماعة سياسية بذاتها، ولذا افتقدت قوة الانتشار التاريخي، ولم تتجذر في وعي الجماهير، ما أفضى إلى تآكلها بمرور الزمن، وكأنها إمكانية تم إهمالها طويلاً حتى فقدت طاقتها الكامنة.