تفسيرُ «سِفْرِ أيوب» وشرحُه بالعربية

إبراهيم البيومي غانم |

لا يختلف اثنان على أن «اليهود» عاشوا أزهى فترات تاريخهم الطويل في ظل الحضارة الإسلامية إبان قوتها وازدهارها، بخاصة في أزمنتها الوسيطة التي امتدت من القرن الثالث إلى القرن الثاني عشر الهجري تقريباً. فقد نعموا في تلك الحقبة بالأمن والطمـأنينة، وشاركوا المسلمين والمسيحيين في بناء صروح الحضارة الإسلامية في مختلف المجالات العلمية والأدبية والعمرانية على ما أثبتته الدراسات التاريخية الموثوقة، ومنها كتاب»اليهود في ظل الحضارة الإسلامية» للدكتور عطية القوصي. وفي تلك الحقبة أيضاً، تمكن «رِبِّيُّوهم»(مفردها: رِبِّي، لقبٌ لرجل الدين اليهودي) من تأليف معظم أمهات الكتب وأهمها في شرح عقيدتهم، وتفسير «التوراة»، وتبيين أحكام الشريعة اليهودية، وقد كتبوها بكل حرية، وبمختلف اللغات، ومنها: اللغة العربية.


ومن أشهر أولئك الرِّبيين: سعديا جاؤون بن يوسف الفيومي، الذي ولد في مدينة الفيوم بمصر سنة 268هـ/ 882م، ثم رحل إلى العراق وتوفي فيها سنة330هـ/ 942م. تلقى تعليمه على يد علماء عصره من اليهود والمسلمين على السواء، وهو أول من وضع أسس النحو العبري. وقد صدر حديثاً (تموز - يوليو 2018م) عن المركز القومي للترجمة في القاهرة كتابه: «تفسير سفر أيوب وشرحه بالعربية»،(180 صفحة) بعد أن نقله إلى الحرف العربي وقدم له وعلق عليه صديقنا العلامة الدكتور أحمد محمود هويدي، أستاذ الدراسات اليهودية واللغة العبرية بكلية الآداب/ جامعة القاهرة. وللدكتور أحمد هويدي مؤلفات عديدة في ميدان الدراسات اليهودية، منها كتابه «تاريخ يهود العالم الإسلامي من ظهور الإسلام حتى نهاية الدولة الفاطمية»، وله ترجمات مهمة في الميدان ذاته من اللغتين الألمانية والعبرية، منها: كتاب «التفاسير الإسلامية وتأثيرها في التفاسير اليهودية الوسيطة (ترجمة من العبرية)، وكتاب «أسس الحوار في القرآن الكريم: دراسة في علاقة الإسلام باليهودية والمسيحية (ترجمة من الألمانية). وهو أيضاً من أنجب تلاميذ الدكتور محمد خليفة حسن، عميد عمداء الدراسات اليهودية ومقارنة الأديان. وقد اعتمد الدكتور هويدي في نشرته لهذا الكتاب على النسخة التي حققها وخرَّجها بالعبرانية الرِّبِّيُّ بنيامين زئيف باخر(1850- 1913م) وهو من المختصين في اللغات السامية والدراسات اليهودية، وأبرز من تخصص في علوم القصص التوراتي المعروف باسم «الأجادا»، وله دراسات أيضاً عن الشعر العبري والعربي ليهود اليمن.

وثمة ثلاث مسائل لا غنى عن معرفتها قبل الشروع في قراءة «تفسير سفر أيوب» حتى يمكن وضعه في مكانه الصحيح من جملة التراث اليهودي في ظل الحضارة الإسلامية. أحدها: أن سعديا الفيومي كتب تفسيره لسفر أيوب عليه السلام بلغة عربية لكن بحروف عبرية! والسبب في اختياره هذه الطريقة الملتوية في الكتابة هو أن اللغةَ العبرية لم يكن استعمالها شائعاً في أيامه في كتابة المؤلفات، بحيث تصل إلى القراء بيسر وسهولة كاللغة العربية التي كانت سائدة لدى جميع الأعراق والأجناس وأصحاب الأديان المختلفة في تلك الحقبة. والثاني: أنه ربما أراد ألا يتمكن غير اليهود من قراءة الكتاب لأنه مكتوب بحرف عبري ولغة عربية، حيث لا يعرف غير اليهود الأبجدية العبرية. والثالث: أن سعديا الفيومي قد تأثر بفكر المعتزلة، بخاصة في مسألة «العدل والتوحيد»، وأنه قد اعتبر أن العدل الإلهي هو جوهر مضمون «سفر أيوب» بكامله حتى أنه سماه «سفر التعديل». ويبدو تأثر سعديا بالمعتزلة في هذه المسألة واضحاً في تفسيره وشرحه، حيث وظف العقل مع النقل (من نصوص التوراة) لفهم الحكمة من العذابات والابتلاءات التي تصيب الإنسان الصالح المؤمن في الدنيا، وأكد أنها اختبار لصدق عقيدة المؤمن وليست عقاباً له في حقيقتها.

تقول الروايات التاريخية أن نسبَ أيوب عليه السلام ينتهي إلى إسحق بن إبراهيم عليهما السلام، وأن بعثته كانت بين موسى ويوسف عليهما السلام. وقد وردت قصة أيوب في القرآن الكريم في موضعين اثنين قال تعالى: «وأيوب إذ نادى ربه أني مسَّني الضر وأنت أرحم الراحمين، فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر، وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين» (الأنبياء:83 و84) وفي قوله تعالى «واذكر عبدنا أيوبَ إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب، اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب، ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب»(ص: 41ـ43).

وتقول الروايات الإسلامية أن امرأة أيوب ظلت وفية له وفي خدمته أثناء محنته الكبرى إلى أن عافاه الله ورد عليه أمواله وعياله وأهله ومثلهم معهم. أما الروايات العبرية فتقول إن امرأة أيوب قد وقعت في فخ المنفعة وحاولت ثني أيوب عن الصبر، وجاء في هذا السفر: «فقالت له زوجته عادك متمسك بصحتك، أكفر بالله ومت». لكن أيوب فضل الصبر ورضي بابتلاء الله له.

وقد نفى سعديا جاؤون عن أيوب أن يكون وقع في فخ المنفعة في علاقته بالله تعالى، لأنه رد على امرأته قائلاً: «أكلام بعض الجاهلات تتكلمين؟ أنقبل الخير من ربِّنا ولا نقبل الشر؟»(أيوب:ح 2/9). ويشرح سعديا ذلك فيقول: «في حال البلوى والمحنة، وهو: إذا عرف الله تعالى من عبده الصالح أنه يصبر على ألمٍ، يوصله إليه، ويثبت على حال صلاحه، أحلَّه به ليثبته، وينعم عليه لصبره، وهذا الضرب أيضاً جود وإحسان، إذ يوصل العبد إلى نعيم دائم كقوله «طوبى للرجل الذي تؤدبه يا رب، وتعلمه من شريعتك لتريحه من أيام السوء إلى أن تحفر للمنافق حفرة (المزامير94:12، 13).

ذهب بعض الباحثين إلى أن سعديا الفيومي اعتمد في تفسيره في شكل كبير على ما جاء في الترجة الآرامية السابقة لسفر أيوب، إلا أنه اختلف عنها في منهج الشرح. لقد استخدم منهج «البشاط» (ويعني في العبرية: المعنى الظاهري للنص)، ولم يعتمد منهج «الدراش» (ويعني في العبرية: التفسير الوعظي الذي يهتم بشرح النصوص الدينية بعيداً من معناها الحرفي البسيط، ويلجأ المفسر الذي يتبع هذا المنهج إلى التوسع في التفسير واستعمال مصادر أخرى). وهذان منهجان من أربعة مناهج لتفسير التوراة: الدراش، والبشاط، والتأويل، والسر. وتجمع حروفها الأولى في كلمة واحدة تعني في العبرية «الجنة»، ويقصدون بذلك أن من يتمكن من هذه المناهج الأربعة سيدخل الجنة.

كان سعديا يرى أن أكثر اليهود قد استغلق عليهم فهم سفر أيوب، ومن هنا أخذ على عاتقه أن يفسره ويشرح غوامضه من طريق عرض نصوصه على العقل، والاستعانة بلغة القوم السائدة بين اليهود زمن كتابة السفر، ومعرفة أسباب ورود تلك النصوص ومناسباتها، وفي هذا يقول في مقدمة تفسيره:» ألزمتُ نفسي عبارة هذا الكتاب على الأصول الثلاثة التي يعتبر بها المعتبرون جميع كتب الله؛ وهو: المغروس في حجة العقل، والمستعمل في لغة القوم الذين في ما بينهم كُتب الكتاب، والأسباب التي آثارهم (كذا!) متضمنات عن قدمائهم عن أنبياء الله عز وجل».

ويكشف هذا المنهج عن عمق تأثر سعديا الفيومي بالثقافة العربية الإسلامية التي عاش في ظلالها واستوعب أصولها. فأنت تجده أثناء قراءتك هذا الكتاب يستشهد كثيراً بأقوال العرب وأمثالهم المأثورة، ويستعمل «المجاز» المعروف في اللغة العربية كوسيلة للتفسير بشرطين هما: الإنصاف، وأن تسمح به أصول استعمال المجاز عند أهل الاختصاص في اللغة، فلا يكون إخراج لفظ عن ظاهر معناه إلا بهذين الشرطين.

وينبهنا الدكتور أحمد هويدي في مقدمته للكتاب، إلى أن سعديا الفيومي عندما نقل النص العبري إلى اللغة العربية (بالحرف العبري) قصد به التفسير، أما رأيه في النص بعد نقله الى العربية فهو «الشرح». يعني أن نقله النص إلى العربية لم يكن ترجمةً بالمعنى الشائع، بل قصد منه التفسير وإزاحة الغموض المحيط بالنص، واستعان في سبيل ذلك بالمترادفات في اللغة العبرية. وهذا الفهم للترجمة يتفق مع ما يراه كثر من المعاصرين من أن نقل نص من لغة إلى أخرى عبارة عن تفسير لهذا النص باللغة المنقول إليها، ويدل على صواب هذا الرأي أن تعدد الناقلين للنص الواحد ينتج منه تعدد وتباين والأفكار والآراء التي تحملها نصوص الترجمات المختلفة.

في هذا التفسير، يصرّح سعديا الفيومي أن أيوب عليه السلام لم يكن إسرائيلياً، وأنه عاصر اليهود في مصر. وترجح التحقيقات التاريخية أنه عاش خلال الثلث الأول من الألف الثاني قبل الميلاد، أي ما قبل خروج بني إسرائيل من وادي النيل إلى صحراء سيناء. إلى جانب ذلك، اهتم سعديا بتصوير «الشيطان» في صورة إنسان يوسوس لأيوب ليصرفه عن الصبر على الابتلاء والرضا بقضاء الله وعدله. وقد تأثر في شرحه بأطروحات علم الكلام الإسلامي ومذهب المعتزلة كما سلفت الإشارة. ومفهومه للعدل الإلهي يعني - ضمن ما يعني - أن الناس عند الله سواسية لا فرق بينهم، وأن الإنسان حر في أعماله، وقد أعطاه الله طريقين: طريق الخير المستقيم، وطريق الشر المعوج، فمن يعمل خيراً فأجره عند الله عظيم، ومن يعمل شراً فعقابه أليم، وعلى الإنسان أن يعمل عقله ويتحمل نتيجة أعماله.

لقيت هذه الأفكار التي سجلها سعديا الفيومي ودعا إليها إقبالاً كبيراً من اليهود في عصره، وظلت متداولة بين أحبارهم ومفسريهم ولغوييهم، حتى أن بعض الباحثين أشار إلى أنها أصبحت هي التوراة الموثوق بها لدى الناطقين بالعربية من اليهود. وتركت ملاحظاته وتعليقاته أيضاً تأثيراً عميقاً في شرَّاح التوراة من بعده، ومنهم «إبراهيم بن عزرا (1092 - 1167م)، وهو أكثر المفسرين اليهود بالأندلس استشهاداً ونقلاً من تفسير سعديا.

تواجه قارئ هذا الكتاب بعض الصعوبات نتيجة بعض التراكيب اللغوية الغامضة والألفاظ التي لم يألفها في العربية الفصيحة، إضافة إلى بعض الأخطاء المطبعية هنا وهناك. وأغلب الظن أن هذه الصعوبات هي أثر من آثار غموض النص الأصلي المنقول عنه. لكنها صعوبات يمكنك أن تتغلب عليها ببذل بعض الجهد كي تتمكن من القراءة برؤية نقدية مقارنة لفهم القضية المركزية لهذا التفسير، وهي قضية «العدل الإلهي» ودور الابتلاء والصبر في إنقاذ البشر من مصارع السوء. ولك بعد ذلك أن تقارن بين ما دعا إليه هذا الحبر اليهودي المصري الكبير وبين ما يرتكبه الإسرائيليون الصهاينة من مظالم يشيب لها الولدان بحق الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة، منذ النكبة الكبرى في سنة 1948م إلى اليوم.