كيف أبعَدَنا التطرُّف عن المسار الحضاري الإسلامي؟

(الحياة)
عزمي عاشور |

حمل ظهور الإسلام في شبه الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي ملامح نهضة وحضارة جديدة لم تختلف عن الحضارات السابقة في قدرتها على التعلم والاستفادة، سواء في شكل مادي عن طريق الفتوحات الجغرافية أو في شكل معنوي بنشر الأفكار الحضارية. وهو ما ظهر تطبيقه في بلاد الأندلس التي استمرت الحضارة العربية الإسلامية فيها لمدة ثمانية قرون، وهو زمن حضاري يقارب المدة التي عايشتها الحضارة اليونانية والرومانية في وقت ازدهارهما. فقد كانت هناك مدن حضارية لها إشعاعها الفكري والثقافي في شمال غربي المتوسط، مثل مدينتي قرطبة وغرناطة في عصور ازدهارهما. وهو ما يؤكد دور المدائن الحضارية في تاريخ التطور الحضاري. فالمدن الحضارية الإسلامية استمرت في تأثيرها الثقافي والحضاري على نهج المدن السابقة لها، كالإسكندرية وروما وأثينا في وقت ازدهار الحضارة اليونانية الرومانية، أو المدن المصرية القديمة، أو مدن بلاد الرافدين. فكان من السهولة أن تتأثر شعوب الإسبان وفرنسا وشمال المتوسط بهذه المدائن الحضارية، وتبدأ ملامح نهضتهم انطلاقاً مما خلّفه العرب والمسلمون من ذاكرة حضارية في هذه البلاد، فانطلقت الفتوحات الإسبانية والبرتغالية عقب ذلك مباشرة لتكتشف العوالم الجديدة في ما وراء البحار في الأميركيتين وفي المحيط الهندي. وبدأت النهضة الحديثة تبزغ في شكل منهجي وعلمي في الأفكار العقلانية، مكملة عقود الألفية الثانية التي بدأها العرب وتنتهي بالحضارة الحديثة التي قفزت قفزات غير مسبوقة، سواء من ناحية الأفكار والنظريات العلمية أو من ناحية التطور الثقافي والحضاري والتطبيقات التكنولوجية وغيرها.


وتدهشك هذه الدورة الحضارية في حوض البحر الأبيض المتوسط التي أخذت ما يقرب من أربعة آلاف سنة بأنها بدلاً من أن تسير في دائرتها نفسها لتدور داخل أقاليمها من الجنوب إلى الشمال والعكس، انطلقت في ما يشبه خطاً مستقيماً أو تفرعت في الغرب والشرق، متجاهلة العودة إلى هذا الجنوب الذي نبعت منه. فوجدنا الحضارة الغربية عبرت المحيط الأطلنطي لتزداد تألقاً وتقدماً في القارة الأميركية على يد المهاجرين الأوروبيين، وتذهب شرقاً في الجزر اليابانية والدول الآسيوية، ويكون لها الأثر الملموس هناك أيضاً على رغم بُعد المسافات بين هذه المناطق وأوروبا، آخر محطة حاضنة لهذه الذاكرة أو الصيرورة الحضارية. فلماذا لم تكتمل الدائرة وتعاود الظهور من جديد، من حيث بدأت في جنوب البحر الأبيض المتوسط؟ وهل أن ثقافات هذه الدول تأبى أن تتفاعل بإيجابية مع الحضارة الحديثة على رغم أن التراث الحضاري لم يغب عن أراضيها، سواء إبان الحضارة الفرعونية أو الحضارة العربية الإسلامية؟

هناك أسباب كثيرة لعملية التراجع، أبزرها الاستبداد بشقيه الديني والسياسي: فالعقلية العربية الإسلامية لم تعد مثلما كانت في السابق حرة مستقلة، بخاصة في مجال الفكر والإبداع، وإنما أصبحت أسيرة قيود الفكر الديني المتشدد الرافض بالأساس لأفكار الحضارة الحديثة. ولم يكن مستغرباً، على سبيل المثال، أن تنشأ في سنة 1928 حركة دينية راديكالية مناهضة للحداثة ممثلة في جماعة «الإخوان المسلمين»، في وقت كان المجتمع المصري في النصف الأول من القرن العشرين يخطو خطوات جادة نحو عملية الحداثة، سواء في الحياة السياسية التي كانت شهدت تعددية حزبية وحياة نيابية ديموقراطية، أو حتى على المستوى الاجتماعي الثقافي ببداية ظهور طبقة متوسطة متعلمة منفتحة على الأفكار العصرية.

وأدى هذا التناقض والتضاد ما بين الفريقين الراديكالي والحديث إلى الصراع على عقلية المجتمع، فانزوى أصحاب التنوير والنهضة في مقابل الراديكاليين الذين وجدوا بيئة مناسبة لنمو أفكارهم، سواء في الجهل وغياب التعليم أو في انتقال هذه المجتمعات لتعيش فترة تحت حكم الاستبداد في النصف الثاني من القرن العشرين. وظهرت خطورة الحركات والتنظيمات الراديكالية في أنها استطاعت في ظل الاستبداد السياسي أن تقوم بعملية التنشئة والتجنيد للشباب، وفقاً لعقيدة أيديولوجية ضيقة الأفق معادية في مضمونها للمعرفة وعملية التقدم، فأصبحت لدينا عقليات مجتمعية ضعيفة تجاه الدين والتدين متخلفة تجاه المعرفة والتقدم. ونهضة هذه المجتمعات تبدأ ليس بمعاداة الدين، وإنما بوضعه في إطاره الطبيعي وإعادة النظر في التفسيرات الدينية التي تمتلئ بها ذاكرة شعوبها، والبُعد به عن التوظيفات الأيديولوجية والسياسية وتحييده في عقول الشباب لتتفتح عقولهم للاستفادة من المعرفة الحديثة وبأفكارها المختلفة ليكونوا نواة لبناء التقدم لمجتمعاتهم. ومن هنا نسأل: ما هو المدخل المناسب للإصلاح؟ أيكون من خلال تبني الأفكار الديموقراطية وبغرس قيمها داخل ثقافة المجتمع؟ فالعملية ليست استئصال عضو فاسد من الجسد بقدر ما هي كيف يتم ذلك من أن يتضرر باقي الأعضاء ويموت الجسد. فالتفاعلات تؤكد أن الديموقراطية ليست فقط أفكاراً مجردة؛ بقدر ما هي ترجمة في شكل مؤسسات تحميها في الداخل. فالمدخل الإصلاحي لدول الجنوب يجب أن يكون بوجود الدولة القوية لا بهدمها بمؤسساتها أياً كانت درجات التزامها بالديموقراطية وحكم القانون. فما يحدث على أرض الواقع يبرهن على أن ديموقراطية بلا مؤسسات ودولة قوية تعني حروباً أهلية وتغذية الإرهاب بحجة الجهاد ومحاربة طواحين الهواء.

وبالتالي عوائق النهضة وعوامل قيامها كامنة داخل هذه المجتمعات نفسها، فرفع الغشاوة عن عقولها برفع الاستبداد في شكليه السياسي والديني والانفتاح على الخارج بالاستفادة من كل ما هو جديد من الأفكار، سيفتح الطريق لنهضة الجنوب ليعود كما كان في سابق عهده لجهة كونه مصدراً للحضارة الإنسانية، ولتدور الحضارة من جديد في الإقليم من الشمال إلى الجنوب والعكس.