السياسة الأميركية بين الثابت والمتحول

محمد بدر الدين زايد |

ركزنا في مقالنا السابق على الضجة التي أحاطت بالقمة الأميركية– الروسية، ودوافع ترامب لاقترابه هذا من روسيا، على أن للمسألة أبعاداً أكبر، فقد يرى كثيرون أن الإدارة الأميركية الحالية تخوض تحولات غير مسبوقة. لكن إصرار ترامب على هذه الخطوات تجاه روسيا ليس البعد الوحيد للتغيير في السياسة الأميركية، فها هو يدخل في مواجهة حادة مع النظام الاقتصادي العالمي الذي يدور حول حرية التجارة الذي لعبت بلاده الدور الرئيسي في صياغته وبنائه في القرنين الحالي والسابق. من ناحية أخرى، ربما يبدو هذا هو الأخطر؛ يمضي ترامب فى سياسات مواجهة مع شركائه الأوروبيين حول مسؤولية السياسات الدفاعية، ويبدو غير مكترث بتقاليد التحالف التاريخي مع أوروبا الغربية واليابان، بحيث يمكن تصوير الأمر من وجهة نظر كتاب دراسي تقليدي عن السياسة الخارجية الأميركية كانقلاب شامل على أسس وثوابت هذه السياسة.


ما أريد طرحه في هذا المقال، ليس فقط أن الولايات المتحدة لم تتخل عن ثوابتها الحقيقية، بل أيضاً أنها لم تبدأ في عصر ترامب البحث عن بدائل حركة جديدة للحفاظ على ثوابتها التي تدور حول الحفاظ على مصالحها الاقتصادية والسياسية. وأطرح نموذجاً سابقاً لتحولات السياسة الأميركية في اتجاه مخالف لما يفعله ترامب. هذا النموذج العكسي مهم لفهم ديناميات السياسة الأميركية ومرونتها العميقة، وهو السياسة الأميركية تجاه كوبا، فلعقودٍ عدة كان مستقراً في تقاليد السياسة الأميركية أن أحد أهدافها الرئيسة محاصرة النظام الشيوعي في كوبا بغرض إسقاطه وساعد اللوبي الكوبي في فلوريدا ومصالح رجال الأعمال المرتبطة به على ترسيخ هذه السياسة واعتبارها من أركان السياسة الخارجية الأميركية. وعندما انهار الاتحاد السوفياتي وحلف وارسو وأزيل تهديد الأمن القومي الأميركي الذي كان في أضيق نطاق بفضل ترتيبات ما بعد أزمة الصواريخ الكوبية، كان يمكن سياسات التهدئة وتغيير النظام الكوبي بالقوة الناعمة أن تبدأ. ما حدث كان عكس ذلك، وبخاصة خلال رئاسة جورج بوش الابن بسبب اللوبي الكوبي وتعقيدات السياسة الأميركية في أميركا اللاتينية فضلاً عن الجمود التقليدي للبيروقراطية في أي مجتمع. ثم إذا بهذا التصعيد يتبخر مع مجيء أوباما. إذن سبق للسياسة الأميركية في مرحلة زمنية قصيرة أن اختبرت تغييرات حادة، من بينها التجاوب مع الاتفاقية الدولية للمناخ بعد سنوات من التعويق والمماطلة، ولكن الفارق هو تمشي الحالة الكوبية واتفاق باريس للمناخ مع هوى دول كثيرة. على أن نقطة البداية في مكان آخر، وهي تحديد ما هو ثابت وما هو متحول، ومن يقرر ذلك، ومن يملك السيطرة على دفة الحكم في المجتمع الأميركي، ووصولاً إلى هذا نحتاج إلى الاقتراب من تيارات المجتمع الأميركي الرئيسة. وفي اعتقادي أنها ثلاث قوى: التيار المحافظ المتشدد الذي يحكم الآن ويمارس تاريخياً نفوذاً ملحوظاً في المجتمع الأميركي ومن بعض سماته العنصرية والتعالي والتأثر بأفكار توراتية غامضة تفسر علاقته التاريخية بإسرائيل. كما يمتلك هذا التيار تاريخياً قدرة عالية على إنتاج العنف الداخلي والخارجي المصاحب للمجتمع الأميركي منذ جريمة إبادة السكان الأصليين. والقوة الثانية تتمثل في التيار المحافظ الوسط الذي ينتقد شطحات ترامب ويبدو أكثر استعداداً لتغليف مواقفه بادعاءات من مبادئ حقوق الإنسان والديموقراطية ويميل تقليدياً إلى درجة من الحذر والقبول بدور مؤسسات الدولة. ثم تيار ليبرالي هو الأضعف تأثيراً تاريخياً، ويضم شريحة من الحزب الديموقراطي وعناصر غير منتمية للحزبين الحاكمين. ويلاحظ أنه تناوب على الحكم رؤساء ينتمون إلى المحافظين الوسط، باستثناء حالة كيندي التي مازالت تثير التساؤلات وحالة باراك أوباما التي كانت تجربتها مزيجاً من المحافظين الوسط والتيار الليبرالي.

وفي حالة أوباما كان وصوله ذاته تعبيراً عن محاولة المجتمع الأميركي الاستجابة لتحولات النظام الدولي والعولمة وتغير موازين القوة الإقتصادية وارهاصات صعود الصين وأطراف دولية أخرى اقتصادياً، واستعادة روسيا تدريجياً لعافيتها. في هذا النموذج الاستثنائي استجمع التيار الليبرالي كل قوته لطرح محاولة تستقيم مع جانب من طروحات السياسة الأميركية تاريخياً كوهم ادعاء تعبيرها عن الديموقراطية والعدالة. ولكنها بسبب تناقضاتها الداخلية ومكونات هذه السياسة النفعية غير الأخلاقية تاريخياً انتهت بنموذج خارجي مشوه لم يتمكن من تحقيق المصالح الأميركية. كما أن إصلاحاتها الداخلية وبخاصة التأمين الصحي لم تلق هوى التيار المحافظ المتشدد الأكثر نفوذاً وسيطرة تاريخياً حتى لو كانت فترات حكمه قصيرة، وهو ما طرح المجال لصعود هذا التيار في أقصى نماذج رعونته. ومن ثم فإن تأمُل السياسات الأميركية الراهنة يكشف أنها ليست إلا بدائل حركة تعبر عن هذا التيار الحاكم لمحاولة الحفاظ على المصالح الأميركية نفسها من منطلق الفلسفة النفعية البراغماتية. فالهدف هو الاستمرار في تصدر المشهد السياسي الاقتصادي في العالم، واستمرار تمتع الشركات ورؤؤس الأموال الأميركية بكل المزايا الممكنة من دون تحمل أي أعباء. وكي لا نعيد ما ذكرناه من قبل، فإن مسألة حرية التجارة الدولية ليست مبدأ أميركياً ولا سياسة ثابتة. هي فقط أداة تستخدم عندما تخدم المصالح الأميركية، وإذا تغير الأمر يتم التخلي عنها بسهولة. وينطبق ذلك على السياسات والمواقف التي لا تخدم المصالح الأميركية الاقتصادية. بمعنى آخر: إن العودة إلى تقاليد السياسة والفلسفة السياسية والاجتماعية الأميركية وكتاباتها منذ القرن التاسع عشر حول الفلسفة النفعية البراغماتية تكشف مرونة هذه السياسة غير المحدودة في التحول والتغير لمواكبة الحاجات والظروف. من هنا يمكن وصف إدارتي إوباما وترامب بأنهما النقيض في محاولات السياسة الأميركية للتفاعل مع تغيرات وتحولات النظام الدولي والعالم. الأولى حاولت التجاوب البناء غير المسبوق أميركيا- وإن كان مشوهاً وغير صادق تماماً- في قضايا حقوق الإنسان والديموقراطية والتغير المناخي وغيرها وأخفقت في تحقيق المصالح الأميركية. والثانية تريد معالجة هذا باتباع النقيض لسياسات الإدارة السابقة، والهدف واحد. ويبقى السؤال: هل ستؤدى سياسات اليمين المتطرف إلى تحقيق هذه المصالح الأميركية الثابتة أم أن تحولات التاريخ أقوى من إرادة دولة واحدة أياً كانت. مخاض صعب ونتائجه ما زالت غير واضحة.

* كاتب مصري