إلى أين وصلت مفاوضات سد النهضة؟

القاهرة متمسكة بحزمة حل مائي وتنموي وتطمينات أديس أبابا ليست كافية

القاهرة - محمد الشاذلي |

يلاحظ مراقبون ومتخصصون في القاهرة أن ملف سد النهضة الإثيوبي على نهر النيل الذي كاد يقود البلاد إلى مغامرة عسكرية في زمن الرئيس المعزول محمد مرسي، لم يُخترق على أي نحو، أكثر من التطمينات الشفاهية الصادرة عن قادة أديس أبابا... ويرى هؤلاء أن مصر تلتزم الصبر وتنهج طريق الحل «الشامل» للأزمة، مائياً وتنموياً، وتطمئن إثيوبيا أيضاً بإعطاء لمسة من التهدئة في التصريحات والتحركات. وقد اعتمدت الديبلوماسية المصرية النفس الهادئ في التعامل الخارجي في ملفات عدة، وخصوصاً لتأمين الجوار الإقليمي، بهدف التركيز على خطط التنمية في الداخل.


وتقول القاهرة إنها تدرك شواغل إثيوبيا في التنمية وتقول إديس أبابا إن إثيوبيا لن تعمل على حرمان مصر من مياه النيل، وإن فوائد السد ستعود أيضاً على مصر.

وما بين تطمينات أديس أبابا وصبر القاهرة، مازال الغموض يلف مشروع سد النهضة، بينما لم تصل المفاوضات حتى الآن، على رغم مرور سنوات عدة على الشروع في بنائه، إلى اتفاق مكتوب يحدد التزامات كل طرف، بما في ذلك وضع السودان كدولة مصب.

وكانت الدول الثلاث مصر والسودان وإثيوبيا اتفقت فى آب (أغسطس) 2014 على استئناف المفاوضات من خلال لجنة فنية ثلاثية (تضم 4 من كل دولة) تباشر دراستي سد النهضة المائية والبيئية التى سيقوم بهما مكتبان فرنسيان تم الاستقرار عليهما بعد مشاوارت دامت أكثر من عامين وبالتحديد في 20 أيلول (سبتمبر) 2016.

ويوضح أستاذ الجيولوجيا الاقتصادية في معهد الدراسات الإفريقية الدكتور عباس شراقي، أن اللجنة الفنية عقدت 18 اجتماعاً على مدار 4 سنوات، بمعدل اجتماع كل ثلاثة أشهر وهذا لايتناسب مع سرعة الإنجاز فى بناء سد النهضة، وتنوعت اللجان فى مفاوضات سد النهضة بين اللجنة الثلاثية الفنية التي اتفق عليها في 2014، واللجنة السداسية بمشاركة وزراء الخارجية والري للدول الثلاث، واللجنة التساعية بالإضافة إلى رؤساء المخابرات، واللجنة العلمية المستقلة التي تم طرحها في مخرجات وثيقة الاجتماع التساعي في 15 أيار (مايو) 2018 في أديس أبابا، علاوة على لقاءات القمة بين قادة الدول الثلاث وزيارات وزراء الري أو الخارجية المصرية لكل من السودان وإثيوبيا.

ويشير إلى أن جميع اللقاءات اتسمت بالتصريحات الديبلوماسية البراقة التي تبين عمق علاقات الأخوة التاريخية وحسن الجوار وبناء الثقة وعدم الضرر والتعاون المشترك والاستفادة من نهر النيل. ويضيف شراقي: الشواهد تدل على أن المحادثات لم تتطرق بصورة مباشرة الى النقاط الخلافية في مشكلة سد النهضة، بل إن كلمة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في القاهرة بأن إثيوبيا ستعمل بإخلاص ومحبة في استخدام حصتها من مياه النيل وستعمل على زيادة حصة مصر، تزيد الغموض في مشكلة سد النهضة. ويتساءل: «ما حصة إثيوبيا؟ وماذا يقصد بذلك؟ فمصر والسودان يتقاسمان بقية مياه الأمطار التي تسقط على الهضبة الإثيوبية ودول المنابع الأخرى بعد أخذ حاجاتها من مياه الأمطار في ري الزراعات المطرية والثروة الحيوانية الهائلة والغابات الكثيفة والمراعي الشاسعة». ويزيد مستغرباً: «دول المنابع تترك كل ذلك وتتطلع إلى المياه التي تأتي إلى مصر والتي كان مصيرها البحر المتوسط قبل السد العالي، وكأن هذه المياه هي الإيراد الكلي لحوض نهر النيل على رغم أنها لا تشكل أكثر من 1في المئة من جملة مياه الأمطار التى تسقط على جميع دول الحوض الإحدى عشرة».

ويؤكد شراقي أن زيارات المسؤولين ناجحة ديبلوماسياً وننتظر انعكاسها على مفاوضات سد النهضة بخطوات عملية على أرض الواقع، بعيداً عن القسم والشعارات والمجاملات لأن الوقت لايسمح بذلك.

ويلفت إلى أن سد النهضة أوشك على الانتهاء ومن المحتمل أن يفتتح خلال الصيف المقبل أو على الأقل المرحلة الأولى منه، وهي مرحلة تأخرت أربع سنوات عن موعدها الأصلي في صيف 2015، ولم نبدأ بعد إجراء الدراسات الفنية التي تم الاتفاق عليها في آب(أغسطس) 2014، كما لم نتفق على تنفيذ البند الخامس من إعلان مبادئ سد النهضة الذي وقع في آذار(مارس) 2015، والخاص بالتعاون في الملء الأول وإدارة السد». ويطالب شراقي بـ «اتفاق رسمي»، يؤكد التعاون والتنسيق فى تشغيل السد بطريقة تحقق لإثيوبيا ما تتمناه من أعلى فائدة وأقل ضرر على مصر.

ويشير إلى ما بدا في الأفق خلال الأسابيع الماضية من تحركات سياسية- اقتصادية، على الصعيد الخليجي في منطقة القرن الإفريقي بقيادة الإمارات، والتي شملت إثيوبيا وإريتريا والصومال، وقال إن من أهم نتائجها ضخ 3 بلايين دولار من الإمارات في إثيوبيا، والمصالحة بين الجارتين إثيوبيا وإريتريا بعد صراع عسكري دام أكثر من 20 عاماً لاستغلال موانئ الصومال وإريتريا، فهل يكون حل مشكلة سد النهضة عن طريق المشروعات الاقتصادية الإماراتية والسعودية في إثيوبيا؟.

هناك ما يشبه الاتفاق، والأمر يؤيده الواقع، على أن أديس أبابا تتعامل بتباطؤ شديد مع الأطروحات المصرية في ملف سد النهضة، وذلك للانتهاء منه قبل أي اتفاق ملزم، وأيضاً لإيصال رسالة إلى الجميع بأن هندسة السد شأن إثيوبي، وأن بلدَي المصب مصر والسودان، لن تحدث لهما أية أضرار. إلا أن الجانب المصري يريد أن يحوّل هذا الوعد إلى التزام سياسي مكتوب، ومن قبل ذلك إلى حقائق علمية مجردة تجزم بذلك. وهو مالم يحدث على رغم عديد الاجتماعات في العواصم الثلاث. فـ «كلمة شرف» من إثيوبيا في مسألة حياة أو موت في مصر، لا يمكن أن تكون كافية.

يقول خبير الدراسات الإفريقية الدكتور هانئ رسلان، إن الاجتماعات حول سد النهضة على المستويين الفني والوزاري غير قادرة على إحداث اختراقات مهمة في الملفات، ما لم يكن هناك تفاهم سياسي على مستوى القمة.

ويتوقع رسلان، طبقاً للزيارة الأخيرة التي قام بها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى القاهرة فإن من المنتظر حدوث تقدم في الملفات الخلافية التي أعاقت تقدم المفاوضات الفنية حتى الآن... أما القضايا الرئيسة المطروحة الآن، فهي محاولة التوصل إلى تفاهمات في شأن عدد سنوات الملء وكذلك الاتفاق على سياسة التشغيل، بالإضافة إلى إصرار مصر على ضرورة إنهاء الدراسات الفنية المتعلقة بتحديد حجم الضرر على الدولتين أسفل المجرى وهما مصر والسودان... ويشير رسلان إلى التطورات الجارية حتى الآن في الداخل الإثيوبي، حيث يسعى آبي أحمد إلى إعادة صوغ التحالف الحاكم على أساس معادلة جديدة تستند في شكل أساسي إلى الأورومو والأمهرا والعفر، والاتجاه فى السياسة الخارجية إلى المصالحة مع إريتريا وسياسة تصفير المشاكل... ويصل من ذلك إلى أن هذه التطورات تعني أن هناك معادلات وتوازنات جديدة في المنطقة، وهذه التفاهمات تخص استقرار القرن الإفريقي والبحر الأحمر.

ويقول رسلان إن هناك حضوراً إماراتياً وسعودياً قوياً ساهم في الدفع بهذه المعادلات الجديدة، موضحاً أن مصر لم تكن بعيدة من ذلك ... ومن ثم فإنه يمكن الاستنتاج أن الوصول إلى توافقات حول سد النهضة وقضايا المياه، هو أمر ضروري لاستقرار وفعالية المعادلات الجديدة، إذ إن مصر دولة كبرى في المنطقة ولا يمكن تجاهل مصالحها في أي معادلة يراد لها النجاح والاستقرار... ولكن: هل خرجنا من حالة تبريد الملفات والرهان على الزمن؟... يتصور رسلان أن هناك تحركات واسعة ستظهر ثمارها قريباً وآخرها زيارة الرئيس السيسى الخرطوم والتطورات التي أشرنا إليها في القرن الإفريقي.

التزمت أديس أبابا طوال السنوات الماضية سياسة التباطؤ في الخارج والتعبئة في الداخل حول السد كمشروع قومي، إلا أن رسلان يرى أن التغيرات في الداخل الإثيوبي وتراجع هيمنة قومية التجراي التي كانت تتبنى فكرة السدود والمشاريع الكبرى، بالإضافة إلى الأزمة الاقتصادية الإثيوبية التي اقتضت تدخل الإمارات بالدعم المالي والاقتصادي الكبير، كلها عوامل تساعد على تحول الموقف الإثيوبي نحو إظهار المرونة.

أما عن اتباع إثيوبيا إستراتيجية «السيطرة المنفردة» للتحكم في المياه في ما بعد استكمال السد، فيرى رسلان أنه لم يظهر حتى الآن جديد يدحض هذا السلوك الإثيوبي، مؤكداً أن الجولات المقبلة ستظهر ما إذا كان هناك تغير أم لا.

بدائل مصرية

السؤال الذي يشغل الرأي العام في مصر هو: ما الذي يمكن أن يحدث إذا ما استمر عمل أديس أبابا في بناء السد، ثم البدء في ملء الخزان من دون التنسيق مع مصر؟. ويتحدث كثيرون عن نقص حاد في مياه وتخريب أرض زراعية وعطش وصولاً إلى جفاف مجرى النيل لأول مرة في التاريخ... الحكومة الإثيوبية أكدت أن هذا ليس هدفاً وأقسم رئيس وزرائها الجديد آبي أحمد في القاهرة أن بلاده لا يمكن أن تضر مصر... وتنتشر تقارير في القاهرة عن قيام الهيئة الهندسية للقوات المسلحة بتنفيذ أكبر مشروع لتحلية مياه البحر بالاستعانة بأكبر شركتين عالميتين فرنسية وألمانية... وهناك 4 محطات لتحلية مياه البحر تبلغ طاقة المحطة الواحدة 150 ألف متر مكعب في اليوم، والمحطة الرابعة تبلغ طاقتها 164 ألف متر مكعب في اليوم.

كما يتم بحث المزيد من إجراءات ترشيد استخدام المياه بمزيد من تطوير طرق ري الزراعات والاستغناء عن المحاصيل الأكثر استهلاكًا للمياه، والاستفادة القصوى من مخزون المياه الجوفية، وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي والصحي والمقدرة بـ110 بلايين متر مكعب.

على رغم ذلك فما الذي يمكن أن تستعد له مصر من الآن في حال حدوث السيناريو الأسوأ: يؤكد الخبير الدولي للمياه الدكتور أحمد فوزي دياب أن مصر تعاني حالياً من عجز مائي يصل إلى 30 بليون متر مكعب سنوياً، وهي في حاجة إلى 30 بليون متر مكعب مياه إضافية في السنوات المقبلة، أي ما مجموعه ضعف حصتها الحالية من مياه النيل. وفي حالة فقدان مصر أي نقطة مياه، فإن ذلك يؤثر في وجودها الحالي والمستقبلي. إذن المفاوض المصري ليست لديه رفاهية قبول نقص نقطة مياه واحدة إلا إذا كان هناك ترتيب مسبق لذلك يتوقف على تنمية مصر مواردها المائية الحالية، وما يتطلبه من موارد مائية وتكنولوجيا ضخمة التكاليف. وفي ظل الأزمة المالية الحالية سيكون الموضوع على حساب المواطن وهو ينوء بما يتحمله الآن. وحلاً للمشاكل المستقبلية والحالية بعيداً من سد النهضة فإن هناك عدداً من الأمور العاجلة واجب اتخاذها من وجهة نظر دياب:

-إقامة محطات تنقية مياه الصرف الصحي والزراعي في الدلتا والوادي لمعالجة ما يصل إلى 10 بلايين متر مكعب.

-معالجة المياه الجوفية المرتفعة الملوحة نسبياً ويصل مقدارها إلى أكثر من 10 بلايين متر مكعب.

-إجراء تحلية اختيارية للمياه الجوفية القريبة من البحر ومقدارها 20 بليوناً تزاد إلى 40 بليوناً.

ويقول دياب إن كل هذه الأمور تحتاج إلى إقامة محطات معالجة تكلف 600 بليون جنيه مصري، بينما يجب أن تتضمن أي خطة عمل خيارات لسد الفجوة الغذائية، التي ستنشأ ويكون مقدارها 4 في المئة من الغذاء في مصر، وذلك من طريق المياه الجوفية في الصحراء الغربية ليتم استغلالها وفي الوقت نفسه الحفاظ عليها. وفي حال عدم الاتفاق فإن ملء الخزان على مدى 10 سنوات يعني فقدان مليون فدان زراعة و4 ملايين فرصة عمل واستيراد ما يعادل إنتاجية مليون فدان، أي ثمن إنتاجية مصر. ما يمثل ضغطا في الإنفاق على الحكومة المصرية، ويرفع تكلفة سعر مياه الشرب على المواطن، ويساهم في تدهور الوضع البيئي في نهر النيل ودلتاه. إذن الوضع كارثي. والمشكلة ليست في إقامة المحطات، والمعالجة، إنما في التكلفة عالية جداً، بالتالي نحن دخلنا في أزمة، العملية ليست سهلة وتحتاج إلى قدر كبير من الاستثمارات الضخمة.