روسيا «تآمرت» على حليفتها اليونان لتفوّض نيل مقدونيا عضوية الـ «ناتو»

محمد خلف |

فاجأت اليونان، الحليفة التقليدية لروسيا في منطقة البلقان والعضو الأوروبي المشاكس في الاتحاد الأوروبي، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بطردها اثنين من الديبلوماسيين الروس بعد أن اتهمتهما، بحسب ما كشفت صحيفة «كاتيمينيرني» الصادرة في أثينا، بـ «التدخل في الشؤون الداخلية من خلال محاولات التأثير وفرض النفوذ في الجزء الشمالي من البلاد، والعمل على تخريب اتفاقية تطبيع العلاقات مع مقدونيا الذي من شأنه أن يفتح أمامها الطريق لنيل عضوية الحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي».


السجال احتدم بين الجانبين، إذ اعتبرت الخارجية اليونانية في بيان أصدرته رداً على أقوال المتحدثة الروسية ماريا زاخاروفا، أن ما قام به ديبلوماسيو روسيا يمثل «نموذجاً ساطعاً على عدم احترام خيارات الدول الأخرى، ما يدل على عدم فهم وإدراك وقائع العالم الراهن، الذي أصبحت فيه الدول، بغض النظر عن حجمها، تتمتع باستقلالها الكامل في اتخاذ قراراتها بما يستجيب لمصالحها الوطنية، وبحقها في انتهاج سياسة خارجية ديموقراطية ومستقلة». وأضافت: «على أي حال، تعرف السلطات الروسية في شكل جيد ما يفعله ديبلوماسيوها». وبحسب الصحيفة، فإن» الديبلوماسيَّين الروسيين قاما بجمع المعلومات ونشر الأخبار المزيفة وترويج المعلومات المفبركة، فضلاً عن دفع الرشى لموظفين في مؤسسات الدولة، بما فيها الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة، بهدف تقويض الاتفاق مع مقدونيا في شأن اسمها الجديد «مقدونيا الشمالية»، كما ومحاولة التأثير على قرارات السلطة المحلية وموقف الكنيسة الأرثوذكسية». وذكرت «كاتيمينيرني» أن «روسيا سعت من أجل استخدام الكنيسة الأرثوذكسية في المؤامرة من خلال إرسالها وفداً من مؤسسة أرثوذوكسية روسية يترأسه عميل سابق في الاستخبارات الروسية».

توليفة التخريب الروسي

تستخدم روسيا في حربها الاستخبارية السرية أدوات ووسائل متعددة في توليفة شيطانية لتحقيق ما تصبو إليه من أهداف، وإحدى هذه الأدوات الشركات الروسية ورجال الأعمال الروس المقربون من الكرملين والمنتشرون في دول كثيرة في البلقان وأوروبا والعالم، للتغطية على دور أجهزتها السرية، واستخدام مواردهم المالية والبشرية واللوجيستية في عملياتها السرية في هذه الدول. يقول مدير «سي آي إيه» السابق جون برينان: «نشاطات الاستخبارات الروسية على مدار الأعوام الماضية لم تصبح أكثر نشاطاً فحسب، وإنما أكثر انتقائية أيضاً». ويضيف: «لقد أصبح المناخ العام أكثر تنظيماً وتنوعاً وتنافسية، كما أن بعض الأعمال التي ينفذونها بارعة للغاية، وتكشف عن مقدار رفيع من المهارة، بينما لا ترقى أعمال أخرى إلى هذه المهارة». ومن الأمثلة على الجيل الجديد حالة ماريا بوتينا، التي اتهمتها وزارة العدل الأميركية بالتآمر لشن حملة تأثير تستهدف الاتحاد الوطني للسلاح في الولايات المتحدة، إذ تبين أن مسؤولاً روسياً كان يعمل في البرلمان والبنك المركزي يقوم بتوجيهها سراً، وأنها كانت تتلقى راتباً من رجل أعمال روسي بارز، بحسب صحيفة «واشنطن بوست». يقول المحلل ديفيد إغناتيوس مؤلف كتاب»جسد الأكاذيب»، إن «التوجه الجديد داخل الاستخبارات الروسية يتجلى في فكرة اضطلاع كل شخص بما يشاء من دون رقيب».

وكشفت تحقيقات استطلاعية عن الفساد والجريمة المنظمة في أوروبا الشرقية يجريها مشروع (The Organized Crime and corruption Reporting Project-OCCRP)، أن «البليونير الروسي إيفان سافيدي الملقب بـ(سافيديس)، وهو نائب سابق في الدوما عن حزب (روسيا الموحدة) بزعامة فلاديمير بوتين، والذي يعيش في مدينة سالونيكا الساحلية، قام بتحويل مئات آلاف اليوروات إلى عشرة سياسيين من منظمات وأحزاب سياسية متعددة، وكذلك إلى جماعات فوضوية منفلتة ومجموعات يمينية وعنصرية متطرفة في مقدونيا ترفض تغيير اسم الدولة، من بينهم مجموعات (الهوليغانز) لتشجيع كرة القدم التي اشتهرت بإثارتها الشغب والاضطرابات في شوارع العاصمة سكوبيا، حيث رفعت شعارات تطالب باستقالة حكومة زايف، وهاجمت مبنى البرلمان بقنابل (المولوتوف). وفي مقابلة مع (BuzzFeed News) قال رئيس الحكومة المقدونية زوران زايف، إن «رجل أعمال يدعم سياسات روسيا دفع مبالغ مالية طائلة لجماعات مناهضة للتوصل إلى اتفاق مع اليونان حول اسم الدولة لاستخدامها في تنظيم أعمال ونشاطات تتسبب في إثارة الشغب والاضطرابات واستخدام العنف قبل أشهر من إجراء الاستفتاء العام على الاتفاقية قبل نهاية العام الجاري». وتصدّر الاحتجاجات مشجعو فريق نادي (فاردار) لكرة القدم، الذي تعود ملكيته لمليونير روسي يقيم في سكوبيا يدعى سيرغي سماسونينكو يقوم بوظيفة القنصل الروسي في مدينة بيتوليا.

صفقة مقدونيا ومؤامرة مونتينيغرو

صفقة تغيير اسم مقدونيا التي أبرمت في حزيران (يونيو) الماضي بعد أكثر من عقدين من الخلافات والسجالات المحتدمة والمفاوضات الفاشلة بين الدولتين، وما تبعها من توجيه الحلف الأطلسي الدعوة إلى حكومة سكوبيا للشروع في مفاوضات نيل عضويته ومن ثم عضوية الاتحاد الأوروبي في العام الذي يليه، مثلت في جوهرها الضربة القاصمة الثانية للسياسة الخارجية الروسية وعمليات استخباراتها الخارجية الهجينة لإبعاد دول البلقان عن مسارها الأوروبي- الأطلسي بعد فشل محاولة الانقلاب لإطاحة حكومة الجبل الأسود، وبالتحديد رئيس الدولة دجوكانوفيتش، الرامية لتقويض انضمامها إلى الحلف الأطلسي.

الانزعاج والاستياء الروسيان بدوَا واضحَين في تصريح السفير الروسي في أثينا أندريه ماسلوف، الذي قال إنه «ليس من الوارد في ظل الوضع الحالي أن يقوم وزير الخارجية لافروف بزيارته المرتقبة إلى أثينا خلال أيلول/ سبتمبر الجاري». وعلق وزير الخارجية اليوناني كوتسياس على إلغاء لافروف زيارته قائلاً: «دعوت لافروف لأنه طلب ذلك، إذا رغب في القدوم فأهلاً وسهلاً به، أما إذا رأى أن عليه أن يقف إلى جانب ديبلوماسييه المطرودين والممنوعين من دخول بلادنا، فهذا من حقه». وكان من المفترض أن يقوم لافروف خلال زيارته هذه بالتحضير لزيارة رئيس الوزراء اليوناني آليكيس تسيبراس موسكو، ما يعني باللغة الديبلوماسية إلغاء أو تأجيل هذه الزيارة إلى وقت لاحق. ويرى المحلل بيتار كرابويف، أن «موسكو لم تفقد الأمل بالكامل في تقويض الاتفاقية التي تلزم لدخولها حيز التنفيذ مصادقةُ البرلمان وإجراء استفتاءات شعبية في كلا البلدين» ويقول: «الكرملين سيلجأ إما إلى التدخل المباشر في مقدونيا، أو من خلال جماعات وهيئات في بلغراد وصوفيا». ولم يستبعد تقرير صادر عن منظمة الأمن والتعاون الأوروبي (OSCE) صدر في حزيران الماضي، مستنداً إلى معطيات ومعلومات وردت في تقارير لـ «قناة NOVATV» المقدونية والشبكة الصربية للتحقيق في الفساد «KRIK»، «احتمال حدوث مخاطر تؤدي إلى تدهور العلاقات مع اليونان تنجم عن مؤامرة روسية متوقعة».

الكرملين اتهم -عبر مصدر ديبلوماسي روسي- واشنطن، التي أعلنت بلسان المتحدثة باسم خارجيتها هيذر ناورت «دعم الولايات المتحدة اليونان في دفاعها عن سيادتها واستقلالية قراراتها ودعوتها روسيا إلى وقف نشاطاتها الرامية لزعزعة استقرار اليونان»، بـ «بممارسة ضغوط شديدة على أثينا لإبرام هذا الاتفاق، وهو ما أثبت شكوك روسيا».

أدلة أثينا وانتقادات الأصدقاء اليونانيين

تمتلك اليونان أدلة وبراهين دامغة على التدخل الروسي في شؤونها الداخلية، حتى من وزير الخارجية نيكوس كوتسياس المعروف بأنه اليساري المتطرف والقومي المتشدد في الحكومة التي يسيطر فيها القوميون المتشددون من حزب «اليونانيون المستقلون» على وزارة الدفاع. وكما ذكرت جريدة «دنفينك» الصادرة في صوفيا، فإن «بقاء حكومة تسيبراس واستمرارها في الحكم مرهون بمصير الصفقة مع مقدونيا، ولأن إنجازها يستلزم المرور بعدة محطات دستورية تؤخره، ما يمنح موسكو الوقت الكافي لتقويضها وإن تطلب ذلك منها إسقاط حكومة دولة عضو في الناتو والاتحاد الأوروبي من أجل تحقيق مآربها في البلقان، وهذا متاح أمامها، لاسيما أن الانتخابات العامة في اليونان ستجرى في خريف العام المقبل». وفي حوار مع مجلة «أفيميريدا تون سينتاكتون»، قال الوزير كوتسياس تعليقاً على عدم ارتياح روسيا لدعوة الناتو مقدونيا إلى مفاوضات العضوية: «ليس من حق روسيا أن تتجاهل أو لا تحترم المصالح الوطنية للدول الأخرى لمجرد شعورها بأنها قوية، ومن جانبنا لن نتساهل مع أي موقف مماثل، سواء أكان مصدره الشرق أم الغرب، ولقد قدمنا ما يكفي من البراهين على ذلك».

تعتقد موسكو بأنها تمتلك قاعدة صلبة من الدعم والتأييد في المجتمع اليوناني كافية لزعزعة استقرار السلطة، فلقد تبين من تقرير صدر العام الماضي عن المعهد الأميركي (Pew Research Center)، أن «اليونان، بالاضافة إلى ثلاث دول أخرى هي فيتنام والفيليبين وتنزانيا، من بين 37 دولة في العالم، أعلن 50 في المئة من سكانها أنهم يؤيدون ويدعمون السياسة الخارجية للرئيس بوتين». كما وترتبط اليونان بعلاقات وروابط تاريخية مع روسيا، التي ساهمت في تبلور اليونان المستقلة وظهورها، فضلاً عن أن غالبية اليونانيين ينظرون إلى بوتين (كقائد ملهم وزعيم فولاذي قوي لا تقهره الأزمات). عدا ذلك، توجد في اليونان أقلية تعرف باسم (Pontus Rimlari) -اليونانيون البنطيون-، وهم مجموعة عرقية يونانية قطنت تاريخياً جنوب البحر الأسود ويتحدثون اللغة اليونانية بلهجة مختلفة. ولقد مورست ضد هذه الأقلية خلال فترة حكم «تركيا الفتاة» وريثة الإمبراطورية العثمانية، عمليات عنف ومذابح ونفي وتهجير قسري أدت إلى هجرتها شبه جزيرة القرم إلى اليونان بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وتحولت أداة بيد روسيا لتوسيع نفوذها وتأثيرها عبر مؤسسات وروابط ثقافية واجتماعية مولت قيامها، لأنها تتخوف من أن تؤدي هذه الاتفاقية إلى تقويض نفوذها داخل اليونان.