عن العلاقة بين أحلام 1968 وكوابيس 2018

وحيد عبدالمجيد |

لن يكون عصر ما بعد الحقيقة آخر العناوين المثيرة التي تجد رواجاً واسعاً، على رغم أنه فارغ من أي محتوى. لم تكن هناك حقيقة على مر التاريخ، لكي يصبح لها ما بعدها. الحقيقة عموماً هي ما يراه كل منا صحيحاً، أو صادقاً، أو حقيقياً.


لا تقتصر هذه النسبية على الآراء والتصورات والأفكار، بل تشمل الوقائع أيضاً. قليلاً ما تُروى الواقعة بطريقة واحدة، أو تُفهم بمعنى لا يُختلف عليه. غالبية أحداث التاريخ، على مر العصور، مختلفة رواياتها، ومتباينة دلالاتها. وانتفاضات عام 1968 التي هزت العالم حينذاك، ليست استثناء في هذا السياق.

تختلف الروايات في شأن كثير مما يتعلق بتلك الانتفاضات، بدءاً بتسميتها، ومروراً بتاريخ بدايتها، ووصولاً إلى النتائج التي ترتبت عليها. النتائج هي ما يعنينا اليوم، بعد أن أصبح واقع عالمنا بعيداً أكثر من أي وقت مضى عما تطلع إليه من شاركوا في انتفاضات انطلقت في فرنسا، وامتدت إلى بلدان عدة، وكان معظم جمهورها طلاباً وشباباً. المسافة بين واقع العالم اليوم، وما تطلعوا إليه قبل نصف قرن، تشبه الفرق بين الكوابيس والأحلام.

وليست هذه المسافة الشاسعة وحدها ما يحفز على التفكير في نتائج انتفاضات 1968. ازدياد الروايات التي تقلل من شأنها، في مناسبة يوبيلها الذهبي، حافز أكبر. كُثر من قالوا أو كتبوا في الفترة الأخيرة أنها فشلت، ولم تُغير شيئاً.

وتوسع نطاق هذا النوع من الروايات مفهوم في ضوء التشاؤم الغالب في الأوساط التي يصدمها تراجع النزعة الإنسانية، والاستهانة المتزايدة بقيم الحرية والمساواة والتسامح وقبول الآخر. كما أنه طبيعي في أوساط تُبهجها هذه الاستهانة، وذلك التراجع، ناصب بعضها انتفاضات 1968 عداءً صريحاً أو مستمراً على مدى عقود.

صحيح أن الكثير مما تطلع إليه مشاركون فيها لم يتحقق، ولكنها في المحصلة ساهمت في وضع قضايا الحريات الفردية وحقوق الإنسان في مرتبة متقدمة على جدول أعمال المجتمع الدولي، وحققت نقلة كبيرة في قضايا ناضل البشر من أجلها طويلاً، مثل قضية الأقليات، ولعبت دوراً مهماً في تحسين أوضاع فئات اجتماعية ورفع بعض الظلم الذي وقع عليها تاريخياً، خصوصاً النساء، فضلاً عن التغيير الذي دفعت باتجاهه في منظومات قانونية وتربوية وأسرية. يتعذر إنكار فضل انتفاضة فرنسا بصفة خاصة في التقدم الذي أحرزته قضية المرأة في العقود الأخيرة. كان دور عاملات النسيج فيها إحدى نقاط التحول في علاقة النساء بالمجال العام.

لم تكن انتفاضات 1968 منظمة، أو مخططاً، أو موحدة. تنوع المشاركون فيها، وتباينت خلفياتهم ومناهجهم، ومطالبهم أيضاً. وعبرت في مجملها عن احتجاجات جيل كان صاعداً، وطامحاً إلى مستقبل أفضل. كانت فيها أحلام تحقق بعضها، وأخْيلة طوباوية ظهرت في شعارات مثل «كل شيء في الحال»، و «تمتع بلا مهادنة»، و «ممنوع المنع»، و «لنغلق التلفزيون، ونفتح أعيننا»، وغيرها.

كانت ستينات القرن الماضي حافلة بأحلام سبقت تلك الانتفاضات، وألهمتها. حلم مارتن لوثر كينغ المشهور كان في آب (أغسطس) 1963. لذا، كان القضاء على العنصرية أحد أحلام انتفاضات 1968. وهذا حلم جعل العالم بعد تلك الانتفاضات مختلفاً عما قبلها، على رغم الهجمة التي يشنها عنصريون جدد ألهب دخول دونالد ترامب البيت الأبيض حماستهم. يكفي تحرير قلعة العنصرية العتيدة في جنوب أفريقيا.

وعلى رغم ازدياد الروايات التي تجزم بأن الانتفاضة الفرنسية لم تكن إلا طوباوية، أو فوضوية، وأنها لم تحقق شيئاً، توضح دراسات موثقة مستندة إلى وثائق مؤسسات رسمية، أن أفكاراً وبدائل عملية ناضجة طُرحت في غير قليل من فاعلياتها في جامعات ومصانع ولجان أحياء، وفي أوبرا باريس أيضاً.

وما زال كثير مما حققته صامداً، فيما ينحسر بعض آخر منه في سياق أوسع يشمل تراجع قيم نبيلة تعود إلى عصر التنوير الأوروبي. ومع ذلك، نجد في روايات تُقلل من شأنها ما يُعتد به، ولكن بمعنى مغاير لما يقصده القائلون إنها لم تغير أي شيء. فقد أزعجت خصوم الأفكار التقدمية التي عبرت عنها، وأثارت خوفهم، فأسرع بعضهم إلى العمل لمحاصرتها بوساطة أفكار مضادة.

وعندما نتأمل الظروف التي أحاطت بدايات الليبرالية الجديدة، حين شرع روادها في التنظير لها في النصف الأول من سبعينات القرن الماضي، نجد أنهم كانوا مدفوعين بعوامل أهمها القلق من آثار انتفاضات 1968، والرغبة في التأسيس لتيار فكري يستطيع محاصرتها. فكان من نتائج تلك الانتفاضات أنها دفعت إلى طرح أفكار مضادة لما نادت به، وخلقت تعبئة في أوساط خصومها الذين سعوا إلى تحويل أحلامها إلى كوابيس، كأنها حملت في طياتها نقائضها مثلما حدث، ويحدث، في غير قليل من الظواهر الاجتماعية، والطبيعية أيضاً. لذا، اجتهدوا لبلورة طروحات أكثر تماسكاً مما كان معتاداً في الخطاب المحافظ الذي اتسم، منذ إدموند بيرك في نهاية القرن الثامن عشر، بالخفة والتبسيط.

وربما كان اتجاه رواد الليبرالية الجديدة إلى تأسيس نظريتهم الاقتصادية على أساس فكري وفلسفي راجعاً إلى إدراكهم أهمية هذا التأسيس في سعيهم إلى محاصرة آثار انتفاضات 1968، عبر امتلاك قدرة على المحاجّة، والمناظرة. وربما ارتبط اهتمامهم بالسعي إلى نقض مبدأ المساواة، تعبيراً عن شعورهم بالقلق من أفكار طُرحت فيها بهدف تجذيره. ونجد ما يدل على ذلك في طرح مبدأ الاستحقاق في ثلاثة من أهم الكتب المؤسسة لليبرالية الجديدة، وهي كتاب جويل فاينبرغ «العمل والاستحقاق» الصادر عام 1970، وكتاب دانيل بيل المعنون «بزوغ مجتمع ما بعد الصناعة» الصادر عام 1973، وكتاب روبرت نوزيك «الفوضى والدولة واليوتوبيا» الصادر عام 1974، ليكون بديلاً من مبدأ المساواة، وكذلك مبدأ تكافؤ الفرص.

ويتلخص مبدأ الاستحقاق في أن الأشخاص الأكثر ثراءً يستحقون ذلك لجدارتهم ومهارتهم وقدرتهم على الإنجاز، الأمر الذي يجعلهم جديرين بالإشادة. وقد ميَّز بيل هنا الاحترام من والإشادة: «إذا كان الناس كلهم أهلاً للاحترام، فبعضهم فقط هم الجديرون بالإشادة. والنظام القائم على مبدأ الاستحقاق يعتمد على جهد من يستحقون الإشادة».

وتحدى بيل ونوزيك الربط بين التفاوت الطبقي وعدم عدالة الشروط الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وحاجّوا بأن المواهب الطبيعية والمهارات المكتسبة هي مصدر الفروق بين البشر. فهذه الفروق، لدى الليبراليين الجدد، يتعذر تجسيرها في ظل أي نظام عادل (يرون أن النظام القائم على مبدأ الاستحقاق هو الأكثر عدلاً)، لأن القدرات والحوافز الدافعة إلى الإنجاز والتفوق والكسب، وما يرتبط بها من تفاوت حتمي، تسبق في وجودها وآثارها المؤسسات التي يُراد لها أن تقلل هذا التفاوت. ومبدأ المساواة لديهم، من ثم، لا يلغي التفاوت، بل يقوّض القدرات والحوافز البشرية، ويأخذ المجتمع كله إلى الوراء ويحرمه فرص التقدم.

وهكذا مثلما غيرت انتفاضات 1968 العالم إلى الأفضل في مجالات عدة، أنتجت أيضاً تياراً فكرياً مضاداً جعله أسوأ، إذ سعى إلى الطعن في مبادئها، ونجح في تحويل مسار التطور في اتجاه معاكس ازدادت قوته تدرجاً، وصار أصحاب المصلحة في دعمه أقوى بكثير ممن حلم المشاركون في تلك الانتفاضات بإنصافهم.