تلامذة في كندا يتولّون الأمن المدرسي ... وفض النزاعات سلماً

مونتريال – علي حويلي |

ظاهرة جديدة بدأت تسود أوساط التلامذة في المدارس الكندية تتلخّص بمكافحة العنف المدرسي بطرق سلمية ومن دون حاجة إلى تدخّل الإدارة أو الاستعانة بأمن المدرسة أو استدعاء الشرطة. وتأتي هذه الخطوة بعدما استحال الأمن التربوي كابوساً يقض مضاجع أهل وأساتذة ومسؤولين نتيجة لتنامي موجات العنف في حرم المدارس الابتدائية والمتوسطة والتي وصلت إلى معدلات خيالية، إذ سجلت ارتفاعاً بنحو 300 في المئة عن الأعوام القليلة الماضية، وفقاً لآخر إحصاء صادر من مديرية التربية في كيبيك.


وفي محاولة هي الأولى من نوعها على الصعيد التربوي، بادرت مديرية التربية في كيبيك منذ بداية العام الدراسي الأخير وبالتعاون مع خبراء اختصاصيين في مكافحة العنف المدرسي، من خلال إعداد مجموعات من التلامذة المتطوعين من الجنسين وتدريبهم على فض النزاعات بالوسائل السلمية. وتستند هذه المبادرة إلى آليات وبرامج وأهداف ترمي كغاية قصوى إلى استتباب الأمن التربوي في المدارس الكندية.

وتكشف المدرّبة صوفي روبيرتي عن أساليب متبعة وتدريبات عملانية بقولها: «يخضع التلامذة إلى دورات تدريبية مكثفة تستغرق 4 أسابيع وبمعدل ساعة ونصف الساعة يومياً، ويتوزّعون على 8 مجموعات يتلقون خلالها دروساً نظرية وعملية تعالج مختلف حالات العنف التي يمكن أن تحصل في المدارس». وتصنّف العنف بفئتين رئيستين: خلافات عابرة يمكن حلها بسهولة وأخرى خطيرة على غرار عصابات الشوارع التي تستدعي تقنية خاصة بالسيطرة على المتخاصمين كرميهم على الأرض والإمساك بأيديهم من الخلف وسوقهم إلى إحدى الغرف واستجوابهم ورفع محضر إلى إدارة المدرسة.

أما التلامذة الذين يتطوّعون لهذه المهمة فهم يُختارون عادة من بين المتفوقين علمياً ومن ذوي السلوك الحسن ومن الأكبر سناً في صفوفهم والأكثر قدرة على ضبط النفس وعدم التهور.

باختصار ينبغي أن يكون هؤلاء بارعين في مهماتهم ويتصرّفون كالمفاوضين الديبلوماسيين، يحاورون من دون غضب ويناقشون بلا تشنّج ويفضون الخلاف بلين من غــير ضعف وحزم من غير عنف، مع حـــرصهم الشديد على اكتساب ثقة الجميع.

ويكشف غابي مولجان (17 سنة) أحد التلامذة المكلفين بمكافحة العنف في مدرسة «سانت لابيير» في مونتريال، عن بعض الخلافات التي تنشأ بين رفاقه وطريقة حلها. ويقول: «تحصل مشكلات كثيرة في حرم المدرسة خصوصاً أثناء الفرص وفي الملاعب ودروس الرياضة. ويبدأ الخلاف عادة باصطدام تلميذ بآخر على أفضلية اللعب أو الخروج من الصف أو اختلاف الآراء أو غير ذلك، وسرعان ما تليه مشاجرة لفظية وتعارك بالأيدي وتبادل العبارات البذيئة.

وما يزيد الخلاف تعقيداً أن التلامذة يتجمهرون حولهما ويشجعون هذا أو ذاك، وكأنها معركة بين ديكين». ويضيف: «في مثل هذه الحالات نتدخّل بسرعة ونبعد الطرفين بهدوء إلى أن ينتهي الإشكال غالباً بتبادل القبلات وتقديم الاعتذار».

أما الخلافات التي تنشأ خارج المدرسة فيقول تلميذ آخر من المتطوعين «إنها خارج مهماتنا ويحظّر علينا التدخّل بها خشية أن يكون أحد التلامذة مسلحاً بآلة حادة أو أن يلجأ إلى الاستعانة برفاق له عبر الخليوي، ما يجعل الأمر محفوفاً بالأخطار». وعن رأيها في هذه التجربة تقول دنيز جوزيه (15 سنة) التلميذة في مدرسة «ماري آن»: «يبدو أن عدوانية التلامذة خفت بنسبة مرضية، ربما لأنهم تأكّدوا من أن هذا التدبير الوقائي ضد العنف قد أصبح أمراً واقعاً، وأن تلامذة المكافحة يتصرفون بوعي ويحاولون أن يحلوا الخلافات بالحسنى والحوار والإقناع». وتضيف: «يكفي أننا لم نعد نرى الكتابات والرسومات البذيئة على جدران المدرسة أو العبث بمحتوياتها أو التحرش بالفتيات ومضايقتهن»، ما أعاد «الطمأنينة إلى نفوسنا».

ويرى مدير إحدى المدارس في مونتريال أن الحال «الأمنية» تحسّنت كثيراً قياساً بالأعوام الماضية، بفضل ما يسميه «فرق التدخّل السريع». كما انخفض معدّل العنف إلى درجة مرضية نسبياً، ما ساهم بـ «تحسين صورة المدرسة لدى التلامذة والأهالي والمسؤولين»، علماً أن المدرسة كانت مزوّدة بنظام أمني Security من حراس وأجهزة مراقبة إلكترونية داخل الصفوف وفي الممرات وعلى الإدراج وفي الملاعب. لكن هذه الإجراءات الاحتياطية كانت «بلا جدوى»، فضلاً عن أنها كانت في نظر التلامذة مجرّد تدابير «بوليسية للتجسس» على حركاتهم وسكناتهم.

أما «لجنة المدارس» في مونتريال فلاحظت في دراسة صدرت أخيراً تحت عنوان «العنف المدرسي إلى زوال»، أن أعمال العنف المدرسي انخفضت إلى 25 في المئة في بعض المدارس حيث الغالبية من أصول متعددة الأعراق والثقافات، والتي كانت وفقاً لما جاء في الدراسة «من اكثر البؤر الأمنية تهديداً للسلم المدرسي». كما أن النسبة تدنّت في مدارس أخرى إلى حدود الـ40 في المئة. ولفت بيان اللجنة إلى أمرين مهمين: اختفاء الآلات الحادة من بين أيدي التلامذة وغياب سيارات الشرطة إجمالاً عن محيط بعض المدارس.

ويعلّق كريستيان لابل، أحد الخبراء التربويين في جامعة لافال، على هذه التجربة بقوله: «إنها ظاهرة جديرة بالاهتمام ومحاولة جريئة لحل إشكالات العنف المدرسي سلمياً في ما بين التلامذة أنفسهم»، مشيراً إلى أن الصغار ينجحون أحياناً، أكثر من الكبار في حل الكثير من مشكلاتهم التربوية.