سورية: تحطّمت السفينة ونجا الربّان وانتصر «القيصر»

عزت صافي |

... وفي السنة الثامنة من الحرب في سورية، وعليها، ابتكرت الدول الكبرى المشاركة في هذه الحرب مشروعاً لوقف حربها عنوانه «سورية المفيدة»، وكأن عمر سورية الدهري منذ بدايات العصور كان من دون فائدة. وعلى جانب آخر من المسار الدولي على اسم سورية دخلت في قاموس الحرب نظرية «خفض التصعيد»، ما يعني ضبط مستوى الموت والدمار عند حدود معينة. والعملية في الحالتين تتطلب من أمراء الحرب إعمال العقل، ولكن بحدود تسمح لملايين السوريين الموزعين في أقطار الشتات بالحفاظ على أمل عميق بأن العودة إلى البلاد رهان مشروع.


ومن بعيد، من العالم الأوروبي، يتطلّع الزائر العربي إلى ضفاف منطقته عبر الأثير الناطق بالأصوات والأحداث، ثم يروح يحلّل الأسباب والدوافع التي تجعل بعض القادة الأوروبيين، وليس جميعهم على مقدار كبير من التعاطف والكرم في التعامل مع النازحين العرب إلى بلادهم. البعض يقول أنه الواجب الإنساني الذي تكفله التقاليد والأخلاق المدنية والثقافية في عمق الحضارة الأوروبية، لكن ليس من دون حساب، أو مقابل. فأوروبا «الحديثة» تتطلع إلى مستقبل أجيالها من خلال منظار عابر الأزمنة إلى جيل تحاول تصميمه على «الإنترنت» بكامل أوصافه وأخلاقياته العقلية والمدنية، والسياسية. ولعل الجيل العربي، السوري الفتي وسواه، النازح إلى أوروبا، هو في صلب الأجيال التي تتطلّع إليها «أوروبا الفتية» في الأزمنة الآتية.

لكن أوروبا ليست وصيّة على الشعب السوري وسواه من شعوب العالم البائس المصنّف في المرتبة الثالثة وما دونها، فأوروبا خزان كبير لتلك الشعوب التي تتولى الخدمات اليدوية للشعوب الأوروبية. لكن أوروبا أيضاً لا تحرم أجيال تلك الشعوب من حقوق العلم والترقي في الحياة العامة لتكون جديرة بالمستقبل وبهوية البلاد التي ستندمج فيها.

هو الغرب (الإمبريالي) الذي تقدمت دوله وشعوبه لاستقبال ما أمكن من النازحين السوريين، وكانت ألمانيا، والنمسا، وفرنسا في طليعة الدول التي تتابع دورها الإنساني، وتتساهل إلى أبعد الحدود بإمكاناتها في المساعدة. وهناك عائلات ألمانية كثيرة فتحت أبوابها لإيواء أطفال ونساء سوريين من دون سند، حتى ولا أوراق رسمية تعرّف عن أصولهم وهوياتهم.

وفي الوقت عينه تتقدم روسيا بقيادتها السياسية والعسكرية والإدارية، مع طواقم الخدمات والمساعدات، لدعم النظام وتمكينه من الصمود في مرحلة التفاوض على حلّ سياسي مع من بقي من قيادات «الثورة» في الداخل، وفي المحافل الدولية، وفي مقدمها «سوتشي» الروسية. وتبقى جنيف المرجع المؤمل بإمكانية التوصل إلى حل ينهي حروباً تتقاطع مع نكبات متتالية، ومؤتمرات، ووفود «ثورية» و «نظامية» تدور في فراغ دائم من دون نتائج.

وحالياً يدور حوار بالمراسلة عبر الوسيط الدولي الشهير ستافان دي ميستورا على حل عنوانه «استعادة الدولة السورية» على قاعدة نظام دستوري جديد يعيد شمل الشعب السوري في وحدة وطنية تكفل إعادة بناء ما تهدم، والانتقال بسورية إلى دستور جديد ونظام جديد، وهذا عنوان تندرج تحته ثلاثة عناوين فرعية:

الأول: استعادة الحكم الدستوري المدني الذي نعمت به سورية لسنوات قليلة بعد زوال الانتداب الفرنسي عام 1944، من القرن الماضي، حتى مطلع عام 1949، حين وقع الانقلاب العسكري السوري الأول في العالم العربي بعد سقوط فلسطين في حرب 1948، وبعده كرّت الانقلابات العسكرية في دول عربية عدة.

الثاني: استعادة الجيش السوري بقيادة وطنية قومية متحررة من أخطاء الماضي، ومن مسؤولية النكبات التي نالت من تاريخ سورية العريق بالنضال والبطولة، وإحراز الانتصارات على العدو الإسرائيلي، أي ما يعني استعادة الجولان المحتل حراً، والوفاء بالقسم على تحرير فلسطين.

الثالث: استعادة دور سورية، وطنياً، وقومياً، وثقافياً، بالانفتاح والتعاون الإيجابي على دول العالم العربي حتى مقاربة الحلم العربي، التاريخي بالوحدة التي من دونها لن تعود فلسطين، ولن تقوم للعرب قائمة.

هكذا تبدو سورية على أنها في البداية الحتمية لنجاح أي محاولة سياسية وطنية قومية على الصعيد العربي.

وهكذا تبدو المقاطع السابقة من الموضوع شيئاً من نسج الأحلام، لكن النكبة السورية المتعاظمة على مدى سبع سنوات مضت حتى اليوم، لم تكن نسجاً من الخيال، إنما هي واقع أسود القى بظلاله، ليس على المدار العربي فقط، بل على مدار الشرق الأوسط، ومنه تفرّع على أقطار العالم، حيث لا تخلو بلاد من ضرر مادي، أو معنوي، من عواقب محنة سورية.

ومن سوء حظ الثورة السورية أنها جاءت في مرحلة اختلال موازين القوى بين الدول المصنفة «عُظمى»، وهي دول ذات أدوار، إما متصادمة، أو متوافقة، على أهداف ومصالح لا حصة فيها لدول صغيرة مغلوبة على أمرها، كما في وضع سورية حالياً.

ولا بد للمراقب العربي الذي يتابع الانتفاضات الشعبية التي حدثت في بعض الدول العربية، من مراجعة المرحلة الإقليمية والدولية التي وُلدت منها الثورة السورية ليتذكر الوقائع المبسطة وكيف وُلدت «الثورة» من صفعة تلقاها بائع فواكه تونسي بائس من شرطية في سوق شعبية فكان انتقامه انتحاراً بصب قارورة بنزين على ملابسه وإشعال النار فيها، ففارق الحياة لتحدث انتفاضة شعبية عفوية في الشارع التونسي ثم تتطوّر إلى ثورة تعم المدن والأرياف، ولا تتوقف إلا بعد استقالة الرئيس التونسي زين العابدين علي ومغادرة البلاد.

وما جرى بعد ذلك يشبه فيلماً خيالياً مركّباً، يبدأ في تونس، وينتقل إلى ليبيا حيث يحصل انقلاب عسكري شعبي يذهب بمعمر القذافي المحصن في قلعته على مدى بضعة عقود، ثم تصل ترددات الثورة الليبية إلى مصر فيقع انقلاب شعبي عسكري مماثل، ويقفز «الإخوان» إلى مركب السلطة، وتدخل مصر المحروسة في متاهة لا تخرج منها إلا بوصول الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى قصر «عابدين».. وفي الأثناء تكون الثورة السورية قد انطلقت من «متوسطة» طلاب مدينة «درعا» في الجنوب على الحدود الشمالية للجولان المحتل منذ عام 1967. وها إن سورية في السنة الثامنة من ثورتها وكأنها لا تزال في المرحلة الأولى.

مسار ثوري دموي تدميري رهيب مضت سورية في ولوجه، ومن دون بوصلة في اتجاه نحو الخلاص، وملايين الشتات توزعت على حدود العالم، شرقاً وغرباً. والسؤال: متى، وأين، وكيف الخلاص؟.. ولا جواب شافياً إلا عند الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يحق له أن يعلن انتصاره في حرب سورية، وإن كانت السفينة قد تحطّمت، ونجا الربّان. فقد برهن «القيصر» عن شخصية قيادية شجاعة، ومُهابة، وله حضوره السياسي والمعنوي المميز في الأوساط الدولية، كما في الأوساط الشعبية السورية على مدى امتداد محافظاتها وأريافها ومدنها وسواحلها، فالشرطي الروسي موجود، والموظف المدني الروسي موجود، وكذلك الطبيب، والممرض، والمرشد، والمسعف، والمحاور، والمصلح بين أهل البيت الواحد، والعشيرة الواحدة.

أما الغائب الأكبر عن سورية فهم أهل البيت القادة الأوائل الذين أعلنوا الثورة وتبنوها وكتبوا على اسمها البيانات والمواثيق والعهود على النصر. هل يتذكر العربي عموماً، والسوري خصوصاً، كوادر وأقطاب المجالس الثورية التي توالت على القيادات الشعبية والسياسية والعسكرية؟..

لكنه قدر سورية، أن تبقى حاضرة في التاريخ، وأن تبقى رافدة بقوافل الشهداء من أجل عروبة حرة كريمة، قوية، ومهابة.

* كاتب وصحافي لبناني

الأكثر قراءة في الرأي