العقوبات الأميركية... وسلاح النفط الإيراني

نبيل وكيم |

ترمي الولايات المتحدة إلى تضييق الخناق على الاقتصاد الإيراني من طريق تقليص صادرات إيران النفطية إلى أقصى حد. ومثل هذا التقليص يخلف أثراً طويل الأمد في السوق النفطية. و «الحاجة اليوم إلى مراقبة عدد من العوامل في السوق النفطية، حيوية. ولكن الخلاصة واحدة: أثر العقوبات الأميركية في إيران هو الفيصل في سعر النفط»، يخلص تاماس فارغا، المحلل في «بي في إم أويل». والخلاصة هذه يُجمع عليها في أوساط النفط. فموقف دونالد ترامب من طهران وزنه حاسم في السوق النفطية في الأسابيع المقبلة.


وفي الأول من آب (أغسطس) الجاري، كان سعر برميل النفط مرتفعاً، وبلغ 73.20 دولار، نتيجة حركة الطلب العالمية على النفط المرتفعة، والاضطراب الجغرافي - السياسي في الشرق الأوسط. والافتقار إلى القدرة على التنبؤ بمواقف دونالد ترامب يغذي الاضطراب. فقبل أيام، أقدم الرئيس الأميركي على خطوة مفاجئة واقترح اللقاء بنظيره الإيراني، حسن روحاني، من دون قيد أو شرط. ورفضت طهران الاقتراح ورأت أن المدخل إلى تقارب مع واشنطن هو عودتها إلى الاتفاق النووي. ويبدو أن ثرثرة ترامب لن تغير وجهة الإستراتيجية الأميركية مع طهران، وهذه ترمي إلى خنق الاقتصاد الإيراني وحرمانه من العائدات النفطية. وفي أيار (مايو) المنصرم، إثر إعلانه الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، وعد ترامب بفرض عقوبات على إيران «هي الأقوى في تاريخها».

وأسعار النفط وثيقة الارتباط بالموارد النفطية المصدرة في المنطقة، وشطر راجح منها يعبر حين نقله إلى العالم على مقربة من السواحل الإيرانية. وترامب أنزل النفط ركن إستراتيجيته المناوئة لطهران. فهو يريد تطويقها وتجفيف صادراتها النفطية. وهذا موقف يخالف مواقف الإدارات الأميركية السابقة التي منحت بعض البلدان إعفاءات من العقوبات تتيح لها مواصلة استيراد النفط الإيراني. لذا، يتوقع أن يُحكم طوق العقوبات على إيران. فالبيت الأبيض سيقتص من الدول التي ستواصل شراء النفط الإيراني. وبعض حلفاء أميركا، مثل اليابان تسعى إلى المفاوضة على إعفاءات من العقوبات. ولكن مساعيها لم تكلل بالنجاح. وبدأ الإيرانيون يغيرون أسماء بعض ناقلاتهم النفطية ويرفعون علم تنزانيا عليها على أمل النجاة من قبضة الأميركيين. والعقوبات النفطية تسري في 4 تشرين الثاني (نوفمبر)، ويخشى كثر نتائجها. فإيران تصدر حوالى 2.4 مليون برميل نفط يومياً، وقد يتراجع حجم صادراتها، ويهبط إلى حوالى 800 ألف أو مليون برميل. ومثل هذا التراجع يخلف أثراً كبيراً في سوق النفط ويساهم في رفع الأسعار.

وإلى خسارة البراميل الإيرانية في سوق النفط، يلوح خطر إغلاق مضيق هرمز. فالمرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي لوّح بقطع إمدادات نفط المنطقة في هذا المعبر الإستراتيجي إذا لم يسع بلاده التصدير. وعلى رغم أن عرض مضيق هرمز يقتصر على 40 كلم، فوزنه الإستراتيجي راجح: فهو ممر 30 في المئة من التجارة العالمية النفطية. «يعبر فيه 2.5 مليون برميل نفط إيراني يومياً. ولكن إذا أغلق المضيق، سيبلغ عدد براميل النفط التي لن يسعها العبور، 19 مليون برميل يومياً. لذا، المشكلة ستتفاقم إذا سدته إيران»، يقول المستشار روبرت ماكنالي في مقابلة مع «سي أن بي سي». ولا يستخف بنشاط الولايات المتحدة العسكري في المنطقة. فالأسطول الأميركي الخامس منتشر فيها.

ولكن قلة من المراقبين ترى أن اندلاع نزاع مباشر ممكن. وسبق أن هددت طهران في الماضي بغلق مضيق هرمز، ولكن تنفيذ وعيدها سيؤدي إلى تصعيد خطير. ونبرة المسؤولين الإيرانيين حادة، ولا تشير إلى احتمال امتناعهم عن الرد على العقوبات. وفي جعبة النظام الإيراني وسائل أخرى للرد على الأميركيين في المنطقة. فعلى سبيل المثل، هاجم حوثيون موالون لإيران ناقلة نفط سعودية. فعلقت الرياض موقتاً صادراتها النفطية في مضيق باب المندب الإسراتيجي إلى حين ضمان أمن المعبر هذا [استؤنفت حركة التصدير في هذا المعبر بعد التعليق]. فأمن المنطقة الواقعة بين اليمن وجيبوتي مضطرب على وقع حرب اليمن. وإذا واصل الحوثيون استهداف النفط السعودي، تعاظم ارتفاع اسعار النفط. وبدأت تظهر في طهران آثار الحرب الاقتصادية الأميركي: فالريال الإيراني خسر نصف قيمته إزاء الدولار الأميركي.

* صحافي، عن «لوموند» الفرنسية، 1/8/2018، إعداد منال نحاس

الأكثر قراءة في الرأي