«الشعبوية» بين اليمين واليسار

وليد محمود عبد الناصر |

تزايد الحديث والجدل في الآونة الأخيرة حول ظاهرة «الشعبوية»، وذلك في ضوء تصاعد ملفت خلال الفترة الماضية في عدد القوى الفكرية والسياسية والمجتمعية التي ترفع شعارات تجعلها عرضة للتصنيف تحت هذه الظاهرة في سياقها العام، خصوصاً في عدد من البلدان المهمة والمؤثرة في شؤون عالمنا وأحواله.


وتعتبر «الشعبوية» أحد التعبيرات الأيديولوجية المهمة التي تم استحداثها في القرن التاسع عشر، والتي وإن لم يكن حتى الآن هناك توافق محدد موجود على تعريفها الدقيق، كما أن ظهورها تاريخياً كان يقصد به التفرقة بينها وبين «النخبوية»، فإنه في المجمل يمكن القول إنه تم إطلاقها بهدف وصف حالة عقائدية وفعلية معينة تتكون من نسق كلي من القيم والمبادئ والمثل المرتبطة برؤية شمولية للحياة والمجتمع والدولة، وكذلك بالسعي لتطبيق تلك الرؤية على أرض الواقع في مرحلة أو أخرى من تاريخ أي شعب أو أمة، وترجمتها إلى منظومة عامة متكاملة تشمل الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع والثقافة، بل وحتى الرياضة والفنون في بعض الأحوال، وغيرها من مظاهر الحياة في تلك المرحلة من تاريخ ذلك الشعب أو تلك الأمة، وكذلك إعادة تفسير المراحل السابقة من تاريخ ذلك الشعب أو تلك الأمة بما يتسق مع هذه الحالة العقائدية وما يرتبط بها من رؤية كونية ومنظومة قيمية.

ولئن كان المقصود من إطلاق تعبير «الشعبوية» في الأساس هو توصيف مجموعة متشابهة من الأفكار وما ينتج عنها من قيم ونظم بعيداً عن الفئات الأخرى من المنظومات القيمية المختلفة نوعياً عنها، فإنه في واقع الأمر، وعلى مدار العقود المنقضية منذ بلورة ذلك التعبير، فإن كلاً من اليمين واليسار حاول، عقائدياً ومنهجياً وفعلياً، أن يلصق تهمة «الشعبوية» بالطرف الآخر، وذلك على خلفية أنها نقيصة أو صفة مذمومة أو سمة سلبية تستدعي الاستنكار والشجب والإدانة، إن لم يكن المطالبة بالإقصاء عن المشهد الفكري والسياسي والمجتمعي كليةً، أو حتى في بعض الحالات المطالبة بالحظر والسعي إلى نفي الوجود في حد ذاته.

والبداية كانت من جانب اليمين الذي سعى منذ القرن التاسع عشر إلى إلصاق «تهمة «الشعبوية» بالعديد من قوى اليسار وبتحركاتها، مصنفاً العديد من الأفكار الاشتراكية أو التقدمية في شكل عام، على تنوعها والاختلاف في ما بينها، في هذه الخانة، ومعتبراً إياها تسعى إلى «نفاق» «العامة» وممالأتهم ومداهنة مشاعرهم ليس إلا، ومن دون أي رؤية حقيقية أو تصور موضوعي له أي صلة بالواقع لإدارة الاقتصاد أو المجتمع أو الدولة. بل كان هناك مسعى عام لدى بعض قوى اليمين خلال تلك المرحلة التاريخية إلى الجمع بين « الشعبوية» واليسار في سلة واحدة وكأنهما وجهان لعملة واحدة. وكذلك لجأت قوى من اليمين لوصم تحركات ذات طابع ثوري في بعض بلدان أوروبا في ذلك الوقت بنعت «الشعبوية»، خاصة في فرنسا وإنكلترا وألمانيا، وهي في واقعها كانت في أغلبها حركات وانتفاضات ذات جذور وتوجهات يسارية.

ولكن سرعان ما انقلبت الآية، وتحديداً بدءاً من السنوات المؤدية إلى الحرب العالمية الأولى في مطلع القرن العشرين وكذلك في التالية لانتهاء تلك الحرب مباشرة وفي أعقاب ذلك، حيث بات اليسار هو الطرف الرئيس الذي يلقي بالاتهامات على الحركات والجماعات الشعبوية معتبراً إياها أنها إحدى نتائج، من وجهة نظر اليسار، تطور الرأسمالية العالمية في مراحل تحول لها، ووصل الأمر إلى أن سرى هذا الوصف في بعض الأدبيات اليسارية على عدد من الأيديولوجيات القومية المتشددة، وبما اشتمل حتى في بعض الحالات منذ عقد العشرينيات من القرن العشرين على كل من الفاشية بزعامة «بنيتو موسوليني» في إيطاليا والنازية بزعامة «أدولف هتلر» في ألمانيا والفرانكوية بزعامة «الجنرال فرانكو» في إسبانيا. وقد حظي هذا التصنيف بالكثير من ردود الأفعال المدوية من المفكرين والنظم الشعبوية آنذاك وفيما بعد باعتبار ذلك مهيناً للشعبوية، وأنها بعيدة كل البعد عن الفاشية وأخواتها، حتى ولو تشابهت، أو حتى تماثلت، بعض المعالم الشمولية. ومن جانب آخر اعتبر بعض منظّري الفاشية أن الشعبوية لا تملك الرؤية التكاملة التي يملكها أتباع النظريات القومية المتشددة والفاشية.

إلا أن الأمر لم يقف عند هذا الحد، ففي أعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية تبادل اليمين واليسار الاتهامات المتصلة بسعي كل طرف إلحاق تهمة دعم الأفكار والنظم الشعبوية بالطرف الآخر، ليس فقط في بلدان ما جري على تسميته منذ ذلك الوقت بدول العالم الثالث، بل حتى في الدول المنتمية إلى صميم المعسكرين الغربي أو الشرقي على مدار عقود الحرب الباردة الخمس.

وكانت البداية مع الموجة «المكارثية» التي اجتاحت الولايات المتحدة الأميركية بعد سنوات قليلة من انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتحديداً في عقد الخمسينيات من القرن العشرين، والتي كان من السهل على قوى اليسار ورموزه ومفكريه نعتها بـ «الشعبوية»، في إطار ما شهدته من نعرات متشددة وممالأة مشاعر لدى فئات مجتمعية أميركية، بل والذهاب إلى حد تضليل الرأي العام الأميركي والعالمي والسعي إلى تزييف وعيه بغرض تعبئته ضد مثقفين وفنانين أميركيين وغير أميركيين، خاصة أوروبيين، كان لهم مواقف مبدئية مستقلة أو تقدمية أو حتى ليبرالية لم تتحملها في ذلك الوقت الموجة «المكارثية» في المجتمع والدولة بالولايات المتحدة الأميركية.

وعلى الجانب الآخر، رأى بعض الكتاب والمفكرين من صفوف اليمين، بل ومن بعض صفوف اليسار ذاته، في بعض الحقب من تاريخ الاتحاد السوفياتي السابق، وبعد انتصار الثورة البلشفية في روسيا في تشرين الأول (كتوبر) 1917، خصوصاً خلال الحقبتين اللينينية والستالينية في التاريخ السوفياتي، بخاصة بعد ما تكشف عما شهدته هاتان الحقبتان من تجاوزات وأخطاء، بل وخطايا، وذلك خلال فترة حكم «نيكيتا خروتشوف» التالية لحكم «جوزيف ستالين»، وهي ممارسات اعتبرها البعض بعيدة كل البعد عن الاشتراكية أو الماركسية ذاتها، وأنها جسدت نموذجاً اعتبره البعض قريباً من النازية والفاشية من جهة ونظر إليه البعض الآخر باعتبار أن له سمات مشتركة مع «الشعبوية»، في ضوء ما اتسمت به هاتان الحقبتان، بخاصة الحقبة الستالينية، من مطاردة واضطهاد، بل وقمع، للمفكرين والمثقفين السوفيات، حتى داخل صفوف الحزب الشيوعي ذاته.

إلا أن المحفل الرئيس لتبادل الاتهامات بدعم النظم الشعبوية بين اليمين واليسار كان على ساحة العالم الثالث، وهي التي كانت ساحة المواجهة الرئيسة وغير المباشرة فيما بين المعسكرين الشرقي والغربي على مدار عقود الحرب الباردة الخمس، حيث فند مفكرو اليسار «الشعبوية» على المستوى العقائدي منكرين أي صلة لها باليسار، واتهموا اليمين بدعم نظم شعبوية ليس لها أي نبت صلة بالليبرالية أو الديموقراطية أو حتى بنظام اقتصاد السوق، وذلك لمجرد وجود مصالح اقتصادية أو جيو- استراتيجية للغرب في البلدان التي حكمتها تلك النظم، ومن دون أي مراعاة، ولو حتى شكلية، لمعايير عادة ما يتغنى بها اليمين على الساحة العالمية وفي علاقاته الثنائية مع البلدان الأخرى، خصوصاً من دول المعسكر الشرقي أو دول العالم الثالث في ذلك الوقت، مثل الدعوة إلى حماية حقوق الإنسان أو الدفاع عن الحريات الفردية وممارستها، بخاصة المدنية والسياسية، أو غير ذلك من شعارات تظهر فقط، ووفق هؤلاء المنتقدين من ذوي الخلفية اليسارية، عندما يتعلق الأمر بالمساس بمصالح حيوية غربية.

وعلى الجانب الآخر، اتهم رموز اليمين اليسار والدول التي تمثله خلال حقبة الحرب الباردة بأنه دعم نظماً شعبوية ولا صلة لها بمبادئ اليسار أو خياراته أو أهدافه، لمجرد النكاية في المعسكر الغربي وبهدف جمع الأنصار والحلفاء وتجييشهم وحشدهم في التسابق بين المعسكرين لتسجيل نقاط على حساب الطرف الآخر على الساحة الدولية ودونما اعتبار، ولو شكلياً، بمعايير الالتزام بالعدالة الاجتماعية والانحياز للطبقة العاملة أو على الأقل الفئات المجتمعية الدنيا. وذهب أصحاب هذا الاتهام خطوة أبعد حيث اتهموا منظّري اليسار بالسعي لإصباغ الشرعية على تلك النظم الحليفة لها من منظور «ماركسي لينيني»، وابتداع نظريات تفسر، بل وتبرر، مسار هذه البلدان بما يتواءم مع فكر اليسار عبر لي ذراع التعريفات الأساسية المرتبطة باليسار، ومن ذلك ما أطلق عليه تعبيرات مثل «الطريق غير الرأسمالي للنمو» و «النظم الوطنية ذات التوجهات التقدمية» و «الجبهة الوطنية» وما إلى ذلك.

ويتعين القول إن هناك أفكاراً ونظماً ظهرت على المشهد الدولي خلال الحرب الباردة وأوجدت حالة من الارتباك والتشوش في وصفها، واعتبرها البعض ضمن «عائلة» العقائد والأفكار الشعبوية، بينما نفى عنها البعض الآخر هذه الصفة وصنفها ضمن الإطار العام لليسار، وكان من ذلك على سبيل المثال لا الحصر حالة «البيرونية» في الأرجنتين في عهد الرئيس الراحل «خوان بيرون» ولاحقاً في عهد أرملته «إيفيتا بيرون»، كما شهدت منطقتنا العربية تجارب فكرية وسياسية أطلق عليها البعض صفة الشعبوية، بينما اعتبرها البعض الآخر ذي صبغة تجمع بين القومية واليسارية، مثل «البعثية» و «الناصرية» وغيرهما.

إلا أن نهاية الحرب الباردة لم تعن بأي حال من الأحوال انتفاء تبادل التهم بين اليمين واليسار بالربط بين «الشعبوية» كفكر ومنظومة قيمية ورؤية شاملة ونظم متواجدة على الأرض وبين الطرف الآخر، بل استمر اتهام عقائد ونظم أحياناً من اليمين أو من اليسار بأنها شعبوية من جهة، والدفاع عنها بأنها «تقدمية» أو «اشتراكية» أو «ليبرالية» أو ديموقراطية» من جهة أخرى، وشمل ذلك مختلف مناطق العالم وأقاليمه. ولكن من المؤكد أن إرث أكثر من قرن ونصف من التعامل العالمي مع «الظاهرة الشعبوية» أكد بجلاء أنه في الأغلب من الأحوال، وبغض النظر عن حسابات الحرب الباردة واعتباراتها، فإن «الشعبوية» في سياقها العام تقترب عادة من الافتقار إلى «الديموقراطية الحقيقية» من جهة والافتقار إلى «التقدمية الحقيقية» من جهة أخرى.

* مفكر وكاتب مصري