سورية: تطويع الحلول وصولاً إلى المحميّات

مرح البقاعي |

إثر تهاوي المقاومة وتنكيس سلاح المعارضة في آخر معقل من معاقلها ومهد ثورتها: درعا، وفِي غفلة من التاريخ، ودهشة من دم الشهداء وصرخات الثكالى وتوجّع المعتقلين، يتقدم الدب الروسي متنكّراً بقبعة شرطته العسكرية ليجثم بقوة على آخر نقطة من جنوب اليابسة التي تصله بالمياه الدافئة المتوسطية، وكان قد حارب طويلاً للوصول إليها، وها هي تقدم إليه على طبق من «أسد».


لم يكن ذاك الانهيار المدوّي في الجبهة الجنوبية، موضع القلب من حراك الثورة العسكري والمدني والشعبي، انهياراً عادياً البتة. فالجنوب السوري تحكمه معادلات جيوسياسية شتى يكاد يكون الجوار الإسرائيلي - بالمفهوم الأمني الخالص- أكثرها تأثيراً وتأثراً، وما القوات الأميركية التي رابطت في قاعدة التنف إلا الحارس الأمين لهذه المعادلة.

والقوات الأميركية مرابطة أيضاً في شرق الفرات ولن تنسحب منه في المستقبل القريب، ليس لتمكين تأثيرها ونفوذها في سورية وحسب، بل في العراق أيضاً في منطقة حدودية إستراتيجية بين البلدين. فأميركا تريد انسحاباً كاملاً لإيران من سورية من دون مقايضات لأن وضعها الداخلي المضطرب، والدولي المعزول، لا يسمحان لها الآن بأية مناورات أو مساومات. الاحتمال الأقرب للواقع كان انسحاب الولايات المتحدة من قاعدة التنف إثر تفاهمات روسية إسرائيلية أميركية على الخارطة الجيوسياسية المقبولة للأطراف المعنية صاحبة القول على الأرض، والتي تنتهي بإقامة منطقة عازلة على الحدود مع إسرائيل على أقل تقدير، وإعادة تطبيق المعاهدات والشروط المرعية في 1974.

أما إدلب فهي تنتظر مصيرها بوجل وتحفّز، ذاك الذي تم رسمه في مؤتمر آستانة الأخير، وقد أرادت له روسيا أن يحمل رسالة خاصة من خلال انعقاده في مدينة سوتشي، مسرح أول حشد شعبوي قادم من عباءة النظام للانغماس في العملية التفاوضية من خلال ما سميّ في حينه «المؤتمر السوري للحوار الوطني»، وقد اتّسم ذاك المؤتمر بشتى أشكال الفوضى السياسية والتنظيمية والإدارية في آن.

فماذا تبقى في يد المعارضة حتى تتمكن بمعونة من تبقّى لها من أصدقاء - على ندرتهم – من القيام بمحاولاتها الأخيرة في البحث عن العلاج الإسعافي للجسم السوري العليل؟ لا بد لنا في هذا المنعطف السياسي والأمني الخطير من سبر الأسباب وتحديد الأعراض والتناذرات. وبالنظر إلى الحالة السياسية الداخلية نستطيع أن نختصر مشهد النظام السوري في العلامات التالية:

-نظام أمني بوليسي متمسك بالمركزية المفرطة بينما تنهار حوله كل الثوابت المتعلقة باستقلال القرار والسيادة ووحدة الجغرافيا.

-مشهد من انتشار السلاح والفوضى الفصائلية من جهة المعارضة، تقابله فوضى ميليشياوية من جهة النظام وحليفه الإيراني.

-نفوذ سياسي معزَّز بانتشار عسكري على مختلف المستويات لقوات متعددة الجنسية لروسيا وإيران وتركيا والولايات المتحدة.

-هشاشة أمنية مرافقة مع انتشار السلاح الفردي غالباً، والثقيل ونصف الثقيل في مناطق محدودة حالياً، وذلك إثر المضي في تنفيذ خارطة المناطق المنخفضة التوتر.

-أجندات سياسية متضاربة وخارطات للنفوذ بنيت على أساس تغيير ديموغرافي جرى عن طريق التهجير القسري الممنهج.

-تخلٍّ أميركي عن المعارضة ماعدا حليفتها الكردية في الشمال الشرقي، وتسليم الدفة لروسيا التي بدأت تطبق إجراءات مناطقية، وكذا الاستفراد بالحل عن طريق تجزيء المجزّأ.

أما على المستوى الإنساني فالحال ليس بأفضل على الإطلاق ويتمثل في المعضلات التالية:

-أزمة لجوء ونزوح غير مسبوقة في التاريخ الحديث وكل ما ترتب عليها من غياب شروط الحياة الإنسانية في حدها الأدنى، ولا أقول الطبيعي.

-أزمة تغييب قسري واعتقال عشوائي ممنهج من جهة النظام والميليشيات الطائفية العابرة للحدود المتعاونة معه، ومن طرف الجماعات المتطرفة في آن.

-أزمة خدمات صحية وتعليمية وحاجات يومية أساسية دفع ثمنها على الأغلب الجزء الأضعف في المجتمع السوري وهو المرأة والطفل السوريان (ما يزيد على نصف المجتمع السوري).

-أزمة ثقة بين أطراف الشعب السوري من جهة، وبينه وبين أطراف المعارضة من أخرى، وبينه وبين القوى الدولية والأممية التي تخلت عنه في أحلك الظروف وعن حماية مدنييه.

-انهيار النقد السوري وما ترتب عليه من تضخم وغلاء السلع والحاجات اليومية بحدها الأدنى للفرد المحدود الدخل.

في ظل ما تقدّم سيكون تأجيل الحل السياسي مجرد إتاحة الزمن اللازم لاقتسام سورية بين الدول النافذة، والجيران الأقوياء، بحيث تتحول إلى محميات تعيش هدنة دائمة برعاية الأمم المتحدة في المناطق المنخفضة التوتر التي ستتحوّل تدريجياً إلى جزر أمنية تحت الانتداب الإسرائيلي في الجنوب، والأميركي في الشمال الشرقي، والتركي في عموم الشمال، والروسي في المركز الدمشقي والساحل. أما إيران فسينحسر دورها العسكري والسياسي ليعود ويتموضع على شكل استثمارات كبرى بواسطة من رجال الأعمال والوسطاء من الذين لا تلاحقهم العقوبات الأميركية.

* كاتبة سورية