«ليالي أوجيني» دراما الحب المستحيل

القاهرة - محمد بركة |

في الحادي عشر من تموز (يوليو) الماضي، حلت الذكرى الثامنة والتسعين لرحيل الإمبراطورة الفرنسية من أصل إسباني ماريا أوجينيا التي ستُعرف لاحقاً باسم «أوجيني» والتي تركت بصمة لم تمحها الأيام في مصر على المستويين العاطفي والمادي. أحبها الخديوي إسماعيل صاحب المشروع الحداثي الطموح لتحويل مصر إلى قطعة من أوروبا. كان مجرد أمير شاب من سلالة محمد علي التي تناوبت على عرش مصر في القرنين التاسع عشر والعشرين وتعرف إليها في باريس أثناء بعثته التعليمية. وبمجرد توليه حكم البلاد سارع بإنجاز حفر قناة السويس، ثم جعلها على رأس قائمة المدعوين من الملوك والحكام في الحفلة الأسطورية لافتتاح القناة العام 1869.


وقف إسماعيل بنفسه ينتظرها على رصيف ميناء بورسعيد محاطاً بالفرق الموسيقية العسكرية التي عزفت النشيدين الوطنيين لمصر وفرنسا ثم دخل قاعة الاحتفالات يتأبط يدها ما أغضب زوجها الإمبراطور نابليون الثالث. لم يقتصر الأمر عند ذلك، فقد شيد الخديوي لمحبوبته القديمة، التي كان لا يزال قلبه ينبض بهواها على رغم تعدد زيجاته من جميلات العالم، قصراً في الزمالك لتقيم فيه أثناء وجودها في القاهرة كلف خزانة الدولة 750 ألف جنيه (نحو بليون جنيه بحسابات الآن)، كما شق لها شارع الهرم الشهير لتتمكن من تحقيق حلمها برؤية الأهرامات، فضلاً عن فندق مينا هاوس التاريخي لتستريح فيه بجوار الأهرامات مباشرة.

بذكاء شديد، اشتغل صناع مسلسل «ليالي أوجيني» على تلك القصة. لم يجسدوا الواقعة في شكل مباشر على رغم غوايتها الهائلة درامياً، وإنما التقطوا جوهر ما تمثله من قيم وذهبوا بالعمل في اتجاهين رئيسيين. الاتجاه الأول يتمثل بـ «ثيمة» الحب المستحيل: جماله وبراءته وشجنه ودموعه، فضلاً عما يتضمنه من أخلاق الفرسان من تضحية ونبل وتحمل الهزيمة بشرف وشجاعة. نرى ذلك عبر «فريد» (يلعب دوره التونسي ظافر العابدين)، طبيب مصري متزوج من «عايدة» (تلعبها اللبنانية كارمن بصيبص) على ورغم جمال زوجته وحبها له، فإنه دائم الشرود والحزن. على الجانب الآخر، نتعرف إلى «كريمة» (تلعبها أمينة خليل) التي تسعى إلى ترميم حياتها مع زوجها «إسماعيل» (يلعبه خالد كمال) والذي لا يكف عن الإساءة لها والتشكيك في أخلاقها. في موازاة ذلك، هناك أحد الباشوات (يلعبه بطرس غالي) يقع في غرام كبيرة الخدم «نعمات» (تلعب دورها انتصار).

لا يجمع بين كل هذه الشخصيات سوى كلمة واحدة: التعاسة. الحب يصبح بالنسبة إليهم وعداً وردياً بالخلاص من حياة شديدة البرودة مهما بدت براقة من الخارج. لكنه حب مستحيل، محكوم عليه بالفشل مسبقاً، فـ «فريد» العاشق المولع بتدوين مذكراته في الهوى والأشواق يصطدم بجدار هائل من الإحساس بالذنب، والباشا يكتشف في النهاية مدى صعوبة عبور هوة شاسعة من التناقضات الطبقية بينه وبين محبوبته في مجتمع طبقي بامتياز.

الاتجاه الثاني الذي يسير فيه صناع العمل هو الاشتغال على حالة الحنين لمصر الملكية والتي لا تزال تشتعل لدى قطاع ليس بالقليل من المصريين حالياً. هنا يأتي دور ياسمين القاضي التي أبدعت في تصميم ملابس الشخصيات النسائية في تلك الحقبة بمختلف المناسبات، سهرة وسفر وحداد وبحر بل وملابس النوم، وجاء «مكياج» رباب حسين ولمسات «الكوافير» إيهاب السيد، فضلاً عن «إكسسوارست» سيد كمال وعلي كمال ليعزفوا لحن التفاصيل الصغيرة البارعة التي تجعلنا نعيش في زمن الأربعينات. أما مهندس الديكور يحيى علام فقد نجح في ترسيخ هذا الإحساس عبر اللوحات والتحف والمرايا فضلاً عن ألوان الحيطان ومقاعد البارات وشكل الزينات. وهكذا اكتملت كل الأدوات في يد المخرج هاني خليفة ليصنع لوحاته الجمالية المبهرة وهو يستعرض الأُبهة والفخامة ودقة الاعتناء بالتفاصيل في حياة الطبقة الأرستقراطية المصرية في حقبتها الملكية قبل قيام ثورة تموز (يوليو)1952. غير أن ما يجعل قطاعاً من المصريين يستشعر هذا الحنين ليس مجرد الفخامة والأناقة، بل تلك الغيمة الهائلة من «الذوق العام» التي كانت تظلل جميع الطبقات بصرف النظر عن مستواها المادي، فالكل حريص على انتقاء كلماته بعناية، كما أن احترام المرأة هو قدس الأقداس قبل أن تتراجع تلك الحالة من الرقي أمام ما سيعرف لاحقا بـ «أخلاق الزحام» وتوابعه من تحرش وغلظة وخشونة تسود الشارع. هذا ما أدركته ورشة كتابة العمل التي ضمت سماء عبدالخالق وأنجي وضاح القاسم، فجاء الحوار مفعماً بالتهذيب الشديد حتى في لحظات المواجهة والتصريح بمشاعر الكراهية.

اختيار أمينة خليل للقيام بدور الزوجة التعسة التي تتورط في حب مستحيل ينتهي بانتحار زوجها جاء موفقاً جداً. أمينة ذات الملامح المصرية المنحوتة على طريقة جميلات الفراعنة بجدران المعابد، تؤكد مرة أخرى أنها الحصان الرابح حين يتعلق الأمر بشخصية في التاريخ القريب. أما كارمن بصيبص فتملك حضوراً مدهشاً على الشاشة واستطاعت سريعاً أن تحظى بمحبة ومتابعة الجمهور المصري، ربما بسبب جمالها الهادئ المشوب ببراءة نادرة وابتعادها من نمط الإغراء والاستعراض الأنثوي الذي بات المصريون يقرنوه باللبنانيات.

المشكلة هنا، في ما يتعلق بأداء فريق التمثيل، تكمن بأداء ظافر العابدين الذي يحتفظ بثبات غير مفهوم في نبرة صوته وتعبيرات وجهه، بل حتى وانفعالاته مهما تغير الموقف درامياً، فأداؤه بالحداد على أخيه لا يختلف عن الدردشة العابرة مع صديقه، والأداء ذاته هو ما يكرره في المشاهد الرومانسية، وكذلك في لحظة المواجهة مع زوجته حين تكتشف خيانته!