أحمد عبدالله: كتبت ما لم أقتنع به حتى أصنع أعمالي الجادة

القاهرة – هبة ياسين |

هوة سحيقة تفصل طموحاته عن أفلام وُصفت لسطحيتها وابتذالها، بأنها «هابطة وركيكة وبلا قضية»، واتهمت بإفساد الذوق العام، إلى درجة من الصعب معها الاقتناع بأن الكاتب أحمد عبدالله هو نفسه صاحب أفلام «كباريه» و «الفرح» و «ساعة ونص»، وهو أيضاً مؤلف «اللمبي» و «كركر» و «لخمة راس» و «عليا الطرب بالتلاتة»، بما احتوته من قضايا اجتماعية مؤثرة، ولغوصها بعمق بين ثنايا الطبقات الدنيا والشعبية للمجتمع المصري، معبراً عن حاجتها ومعاناتها حتى انتزعت عبرات الجمهور كلما أعيد عرضها على الشاشات. فعبدالله صاحب قدرة على تأليف أعمال ترضي أذواق الجمهور كافة، ذلك الجمهور الشعبي الذي يرتاد السينما بغية متعة عابرة وتلك النخبة الباحثة عن عمق في طرح قضايا مجتمعية ومناقشتها.


الشعر والمسرح في البداية

كتب الشعر منذ المرحلة الإعدادية، وسنوات الصبا، وبدأ مشواره مع الكتابة الدرامية والسينمائية منذ مرحلة الجامعة، حيث انضم إلى مسرح جامعة القاهرة، ما شكل نقلةً في حياته وأعلن بداية توجهه إلى احتراف الكتابة. وهو حينذاك تزامل مع مجموعة من الشباب الذين أصبحوا نجوماً لاحقاً بينهم الفنان الراحل خالد صالح وخالد الصاوي ومحمد هنيدي ومحمد سعد وصلاح عبدالله وهاني رمزي وغيرهم.

وجاءت الأعمال الأولى للكاتب أحمد عبدالله كوميدية من الطراز الأول، وحققت نجاحاً لافتاً، بينها أفلام «الناظر»، «عبود على الحدود» و «ميدو مشاكل»، وغيرها من تلك التي لمعت في مرحلة شهدت صعود موجة الأفلام الكوميدية، وظهور مجموعة من الشباب شكلوا نواة لنجوم الشباك لاحقاً وبينهم علاء ولي الدين ومحمد سعد وأحمد حلمي ومحمد هنيدي وغيرهم. والحقيقة أن تلك الأعمال الكوميدية لم تكن تستهوي أحمد عبدالله بقدر ما كانت مطلوبة آنذاك.

ومنها انتقل إلى الكتابة التلفزيونية، فجاءت البداية مع مسلسل «الحارة»، ثم «بين السرايات» و «رمضان كريم»، وهو صاحب السيناريو والحوار والمعالجة التلفزيونية لمسلسل «أرض النفاق» الذي عرض في رمضان الماضي.

لا تخلو شخصية أحمد عبدالله من البساطة التي تنعكس في أعماله، كما تلوح فيه شخصية «ابن البلد الجدع» الذي لم ينفصل عن محيطه، وهو ابن أشهر المناطق الشعبية المصرية - «بين السرايات» - في القاهرة. الحياة التقت الكاتب أحمد عبدالله وكان هذا الحوار

> هل استهوتك الكوميدية أم كتبتها لكونها الرائجة خلال فترة التسعينات؟

- جاء أول نص كتبته تراجيدياً وهو فيلم «الفرح»، ولكني لم أجد منتجاً يوافق على صناعته، كما كانت بطولة الفيلم جماعية وتلك الصيغة التي لم تكن رائجة حينذاك، حيث كانت الأفلام تعتمد على البطولة المطلقة لنجم واحد. يومذاك، الفنان الوحيد الذي تحمس للعمل ووافق على المشاركة فيه هو الراحل أحمد زكي، إذ أعجبته قصته وإن طلب بعض التغييرات الطفيفة، غير أن عثرات حالت دون إنتاج الفيلم ثم توفي زكي ولم ينفذ لصعوبات إنتاجية وقتذاك، كما كان من الصعب أن تأتي بنجم وإقناعه بوجود تسعة أبطال آخرين يقاسمونه البطولة. فأنا منذ البداية أحرص على أن يكون النص الدرامي هو بطل العمل، وليس الممثل.

وظل فيلم «الفرح» أحد الأحلام الكبرى المؤجلة، حتى وافق المنتج أحمد السبكي على إنتاجه، مثلما أنتج فيلم «كباريه» وهو مشابه لـ «الفرح» من حيث الأحداث التراجيدية والبطولة الجماعية.

حكاية «اللمبي»

> كتبت فيلم «اللمبي» الذي حقق نجاحاً ساحقاً لكنه ما زال متهماً بـ»الابتذال»، حدثنا عن المرحلة، وهل اعتراك الندم على أعمال كتبتها في ذلك الحين؟

- لم يكن «اللمبي» سبباً في تلك المرحلة التي بدأت تأليف فيلم «عليا الطرب» 2006، ثم «لخمة راس»، و «قصة الحي الشعبي»، إذ تحتمت عليّ كتابة هذه الأفلام كي أتمكن لاحقاً من صناعة أعمالي الجادة، فكل تلك الأعمال أنتجها السبكي، ومن ثم كان لزاماً عليَّ أن أسدد الضريبة لأن أفلاماً مثل «الكباريه» و «الفرح» و «ساعة ونص» أنتجها السبكي في ظل يقينه بخسارته أمواله، هو الذي كان يعرف أنها تنتمي إلى نمط لا يحقق إيرادات ولا يجتذب الجمهور، لقد لجأت إلى تقديم التنازلات وكتابة أعمال غير مقتنع بها، وبعد ذلك فقط حين أخبرت المنتج أحمد السبكي برغبتي في صناعة الثلاثية («الكباريه»/ «الفرح»/ «ساعة ونص») لم يتردد.

> لكن ثمة كثراً يتحفظون عن نمط الأعمال التي ينتجها أحمد السبكي، هو الذي يُتّهم بكونه تسبب في تدمير صناعة السينما المصرية وإفسادها. .. ما تعليقك؟

- أختلف مع من يروجون أن السبكي أفسد السينما المصرية، فأنا أراه مجرد تاجر وصنايعي ومنتج حقيقي يدرك أن كل فيلم له مواصفات وجمهور يختلف عن الآخر، وهو ليس من أولئك الذين يرغبون في ضمان المكسب قبل عرض الفيلم. لكنه يحاول تحقيق التوازن بين المكسب والخسارة، فقد أقدم على إنتاج فيلم «ساعة ونص» وهو يعرف مسبقاً أنه سيفشل كونه فيلماً «غامقاً» (كئيباً)، إذ يقدم الفيلم شخصيات بعض الركاب على متن قطار العياط والحكايات الإنسانية المختلفة التي كانت تدور فيه قبل وقوع الكارثة وتشتعل النيران في القطار لتلتهمهم جميعاً. كما أن هذا الفيلم صوّر في ذروة أحداث ثورة 25 كانون الثاني (يناير) وهي الفترة التي شهدت فوضى أمنية وانتشار البلطجة في الشوارع، ومع ذلك لم يتراجع السبكي عن تصويره ما اعتبره بطولة، إذ استمر في إنتاج فيلم بكائي بهذا العدد من الممثلين وهو متأكد أن الفيلم لن ينجح، ولا يوجد جمهور يرتاد دور العرض السينمائية، كما لم تكن موجودة أماكن للعرض آنذاك. أفاد السبكي صناعة السينما خلال فترة أحجم خلالها الكثيرون عن الإنتاج السينمائي أو اتجهوا إلى المسلسلات المضمونة الربح عبر بيعها إلى المحطات الفضائية.

«ثلاثية» ماذا؟

> أطلقت على أفلام «كباريه» و «الفرح» و «ساعة ونص» اسم «الثلاثية» لماذا؟ وكيف جاءت فكرتها؟

- جاءت التسمية تيمناً بـ «ثلاثية» نجيب محفوظ الذي أعشقه، أنا طبعاً لم أكن أريد التشبه أو التأثر به لكني أحببت أعماله، على رغم أنني لم أقرأ غالبية رواياته، لكن اجتذبتني تلك التي تحولت أفلاماً، لا سيما «الثلاثية»، فقد عاش في الحارة المصرية، واستطاع أن يستخلص منها الروائع، وأتشابه مع محفوظ في كوني ولدت وعشت في حارة شعبية بمنطقة «بين السرايات» وهي التي صنعت معي التأثير نفسه الذي أحدثه حي «الجمالية» الشعبي مع محفوظ، مع حفظ الفوارق، فأحببت تقليده في صناعة ثلاثية تدور عن الحارة.

> هل صادفتك شخصيات الأفلام الثلاثة السالفة الذكر في الحياة أم مستوحاة من الخيال؟

- لا يوجد من لم يصادف هذه الشخصيات في حياته، لكن تختلف ردود فعل «المؤلف» عن أي شخص آخر، وقد يتعامل معها البعض في شكل سطحي، وقد أكتب عن شخصيات أصادفها في الحياة وأستوحي كتابات من قصص تصادفني، حيث أسطر وأقوم ببناء حياة وشخصيات غير موجودة. ومنها مثلا شخصية «المونولوجيست» ضمن أحداث فيلم «الفرح» التي استوحيتها من موقف حقيقي صادفته في سينما مترو: يومذاك باغتنا موظف الأمن قائلاً أن مونولوجيست المشاهير في الخارج على الباب الذي يشهد زحاماً شديداً، وغير مسموح له بالدخول كون موظفي الأمن لا يعرفونه، فذهبت لمساعدته في الدخول، ووجدت أبناءه بصحبته، فقرأت في عينيه تعبيرات تقول كنت شهيراً وملء السمع والبصر يوماً ما، ولمست مشاعره وخجله أمام أبنائه. هو لم يصرح لي بذلك لكنني التقطت الموقف، وحزنت للغاية وبالغت في الترحيب به كي أزيل عنه الحرج وهو ما أسعده امام أبنائه. وأسفرت هذه الواقعة أن لمعت في ذهني فكرة وابتكرت شخصية جديدة أضفتها إلى سيناريو «الفرح» الذي كنت انتهيت من كتابته فعلياً. هكذا أستقي الشخصيات من مواقف وتجارب حقيقية.

> ماذا عن تجربتك مع المخرج يسري نصرالله في فيلم «الماء والخضرة والوجه الحسن» الذي جاء مختلفاً عن طبيعة أفلامك السابقة؟

- الحقيقة أن يسري نصرالله جاء بهذا الفيلم مكتوباً، وكل ما فعلته هو إعادة صوغه لذا لا أعتبرها تجربة حقيقية. الفيلم يتناول عالم «الطهاة»، وأراد نصرالله تعديلاً في السيناريو والحوار وليس في القصة وحبكتها ومن ثم لا أعتبره عملاً خاصاً بي، فأنا أحبذ خلال أعمالي أن أقدم فكرتي ورؤيتي الخاصة.

> بعض أفلامك ومنها «الكباريه» و «الفرح» و «ساعة ونص» و «الليلة الكبيرة» تدور في توقيت واحد تتزامن خلاله الأحداث التي تمضي على مدار يوم أو ليلة أو ساعة ونصف الساعة... لماذا تضع إطاراً زمنياً لأحداث بعض أعمالك؟

- يستهويني هذا الشكل من الكتابة، فهو بمثابة تحد ذاتي، وأذكر أنني خلال كتابة فيلم «ساعة ونص»، كنت أحلم في كتابة فيلم يستغرق إطاره الزمني للأحداث «دقيقة واحدة فقط»، ولا أجده شأناً صعباً، بالتأكيد الدقيقة الزمنية على مستوى العالم تضم كماً زاخراً من الأحداث، وسأنجز هذا المشروع يوماً ما.

> ما مشروعات أفلامك المقبلة؟

- لا أستطيع خلال حياتي الفنية أن أحدد مشروعاتي المقبلة، إذ لا أملك مخططاً، لكن هناك عدداً من المشروعات والأفكار السينمائية التي أحتفظ بها في ذهني، لكن لا يسعفني الوقت بفعل الانشغال خلال الفترة الماضية بكتابة الجزء الأول من مسلسل «أرض النفاق» الذي عرض خلال موسم رمضان، فيما سأتفرغ خلال الفترة المقبلة إلى كتابة الجزء الثاني منه.